آخر تحديث:00:52(بيروت)
الثلاثاء 05/11/2019
share

زغرتا: أُنزلت الكمّامات عن الأفواه وعلت الهتافات

أورنيلا عنتر | الثلاثاء 05/11/2019
شارك المقال :
زغرتا: أُنزلت الكمّامات عن الأفواه وعلت الهتافات تبدو زغرتا أكثر انخراطاً في الثورة في جولتها الثانية (يورغو فرنسيس)

كان من المفترض أن تكون "مسيرة الكمّامات"، التي جالت يوم الاثنين في شارع زغرتا الرئيسي، مسيرة صامتة. وكان من المفترض أن تأتي ردًّا على النفايات المكدّسة في الشوارع والتي تغرق فيها المدينة منذ أسابيع. غير أن المشهد جاء معكوسًا: فبعد ساعة من السير بصمت في الشوارع، أُنزلت الكمّامات عن الأفواه وعلت الهتافات. أمّا النفايات فاختفت من الشوارع. إذ يبدو أنّ السلطات المحلية عمدت إلى إزالة جزء منها بعد علمها بالتحضير للمسيرة.

فات هذه السلطات أنّ إخفاء النفايات يلغيها من المشهد، لكنه لا يلغي الرائحة الكريهة المتربّصة بالهواء منذ بدء الأزمة، في شهر أيّار الماضي. فاتها أيضاً أنّ إزالة النفايات اليوم لا تلغي غرق المدينة بها في الأمس وغرقها فيها في اليوم المقبل. وكأنّ القيّمين على هذه المدينة أرادوا للمارّة المتفرّجين على التظاهرة من بعيد أن يتساءلوا فيما بينهم: "علاما يحتجّ هؤلاء فيما الطرقات نظيفة؟" فات السلطات أيضا أنّ ذاكرة اللبنانيين ربما اعتادوا على كونها قصيرة جداً. لكن المراهنة على أنّها لا تصمد أربع وعشرين ساعة هو رهان خاسر.

احتجاج ناشطي زغرتا ليلاً 


صرخة الشاب المعدية
انطلقت المسيرة من باحة كنيسة مار يوحنّا المعمدان التي تتوسط المدينة، وانطلقت نحو دوّار قصر الرئيس السابق سليمان فرنجية، لتعود وتتوجّه إلى مبنى بلدية زغرتا-إهدن في السراي. لم يكن التوقف أمام مبنى البلديّة في الحسبان، تماما كما لم تكن الهتافات في الحسبان. إذ لم يتوفّر بين المتظاهرين الذين لا يتعدى عددهم المئتين مكبّر صوت واحد. غير أنّ نقمة الزغرتاويين على حال مدينتهم، مدينة الشتاء ومدينة الصيف، أعلى صوتاً من قرع الطبول الذي رافق وحيداً المسيرة طوال ساعة تقريباً. جاءت الصرخة الأولى من أحد الشبان الذي لم يبلغ العشرين بعد. صرخ "كلّن يعني كلّن والثورة أقوى منهم"، فردّد المتظاهرون الشعار من بعده.

ليس من السهل ترديد شعار الثورة الأساسيّ في زغرتا، أي "كلّن يعني كلّن". ففي أيّام الثورة الأولى، وقف أحد المتظاهرين عند دوّار العقبة حيث تجمّع حشد من الناس ورفع يافطة كُتب عليها "حسن نصرالله حامي الفاسدين". ثم سرعان ما شوهد واقفاً بعيداً عن الحشد، ولدى سؤاله عن وقوفه بعيداً جاء جوابه على الشكل التالي: "هذا ما طلبه مني أحد المنظمين". كانت الاحتجاجات مرحبّاً بها في زغرتا، عندما كانت تظهر على أنها موجّهة ضد العهد وحسب، أي ضد التيار الوطني الحرّ بشخص رئيسه الحالي ورئيسه السابق، لكن الحسابات اختلفت عندما تبيّن أنّ رفع المتظاهرين لشعار "كلّن يعني كلّن" جديّ. وأن الشعار لا يستثني أحداً. عندها، تقرر إخماد الشرارة لدى المحتجّين، لدرجة رفض تقديم أحد الأشخاص باصاً تنقل المتظاهرين إلى قلب مدينة زغرتا، بحجة أنّه من الأفضل أن يكبر التحرك شيئاً فشيئاً لا دفعة واحدة.

أما جمهور "حركة الاستقلال" التي كانت جزءاً من التركيبة التوافقية في المجلس البلدي الحالي، قبل استقالة أعضائه منها، لأسباب يرجعونها للفساد المستشري في الإدارة، والتي عقد النائب في تكتّل لبنان القوي ميشال معوض عدّة مؤتمرات صحافية للحديث عنها، فمشاركته منذ بدء الانتفاضة الشعبية خجولًا، لا بل معدومًا في أغلب الوقفات.

قوة الناس
أمام مبنى البلدية، وقف المتظاهرون وحاولوا التفاوض مع رجال الأمن للسماح لهم بالدخول إلى البلدية، غير أنّ البوابة بقيت مقفولة فيما تمنّع المتظاهرون عن اقتحام المبنى. عندها، علت الهتافات الموجّهة ضد فساد البلدية فصرخ أحدهم "الفساد الفساد، جوا جوا البلديّات" وردد الجميع الهتاف موجهين أنظارهم نحو المبنى البلدي قبل أن يقطعوا الطريق أمام السراي بالاتجاهين، من خلال الجلوس على الأرض أمام السيارات والهتاف مرّة "حرامية حرامية، الـ28 وميّة" ومرّة أخرى "هيلا هيلا هو، الطريق مسكّر يا حلو".

يعتبر توماس الدويهي، البالغ من العمر 19 سنة، والذي كان من مطلقي الهتافات في المسيرة، أنّ مشاركته اليوم ليست خياراً بل واجباً عليه. يقول لـ"المدن" أن "الناس في زغرتا ربما تتردد في المشاركة لأن الأعداد قليلة. لكنّ عددنا اليوم كان لا بأس به، وأكبر من المرّات السابقة".

ويشير الدويهي إلى أنّ المشاركين في المسيرة شعروا بالقوة اليوم. بالفعل، كانت عزيمة المشاركين في المسيرة كبيرة، وصرختهم عالية، خصوصاً أن معظمهم من الفئة الشابة التي تتراوح أعمارهم بين 17 و21 سنة. في السياق نفسه، تقول إيلدا شديد (22 سنة) أنّ التحركات الاحتجاجية في زغرتا غالباً ما تكون خجولة وذلك لأن "الوسايط آكلتنا"، والناس تخاف من أن تخسر لقمة عيشها ووظائفها.

اعتصام في منتصف الطريق 


كسر الركود
أمّا بشير الست، وهو شاب تزوّج مؤخراً، وهو في صدد الهجرة قريباً جداً إلى إحدى دول الخليج للعمل، فيقول إنه يشارك في المسيرة من أجل أهله وعائلته، ومن أجل أولاده في المستقبل، لأنه لا ينوي أن يمضي حياته كلها بعيداً عن بلده. ويضيف: "الواقع الإنمائي في زغرتا الزاوية من خلال البلديات ومن خلال اتحاد البلديات سيء جداً، والخطوة الأولى لوقف الفساد هي في الإبقاء على موظفي البلدية الذين يعملون بجدية وطرد كل الذين يتقاضون رواتبهم آخر الشهر لقاء ملازمتهم بيوتهم". في الختام، يقول جيلبير معوض، وهو أحد المبادرين للقيام بهذه المسيرة، أن هذا التحرك هو ردّ على الركود في زغرتا في مقابل الثورة التي تعمّ المناطق اللبنانية كافّة: "البلدات والمدن التي لا تغرق في النفايات يتحرّك أهلها أكثر من أهل زغرتا الذين عانوا طوال فصل الصيف وما زالوا يعانون من أزمة النفايات".

في زغرتا التي بدت خلال الجولة الأولى من الثورة وكأنها جزيرة منفصلة كلياً عمّا يحصل في البلاد منذ السابع عشر من تشرين الأول، تواظب المدارس على فتح أبوابها واستقبال التلامذة وكأن شيئا لم يكن، في حين أنّ عدداً كبيراً من تلامذة لبنان يشاركون في الاحتجاجات يومياً. لكن زغرتا تبدو أكثر انخراطاً في الثورة في جولتها الثانية، فسيصار إلى إقفال الطرق المؤدية إلى المدارس الواقعة ضمن نطاق قضاء زغرتا يوم الثلاثاء 5 تشرين الثاني ابتداء من الساعة السادسة صباحاً، تضامناً مع باقي المناطق اللبنانية. فإذا نجح التحرّك بإقفال أبواب المدارس، تكون هذه المرّة الأولى التي يؤسس فيها إقفال المدارس لتغيير إيجابي. فهل تقفل زغرتا أبواب مدارسها وتشرّع أبوابها للثورة؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها