آخر تحديث:00:32(بيروت)
الأحد 03/11/2019
share

طرابلس قبلة الانتفاضة ومنارتها.. تفتح ذراعيها للبنانيين

جنى الدهيبي | الأحد 03/11/2019
شارك المقال :

في ليلة السبت 2 تشرين الثاني، تحولت عاصمة الشمال إلى منارة الثورة في لبنان. هي ليلة استثنائية لا تشبه مجمل ليالي الثورة الطرابلسية التي اندلعت في 17 تشرين الأول الفائت. ليلة من الألوان والحبّ والفرح والتلاقي والتوافد والحشود من مختلف المناطق اللبنانية، والأصوات التي تصدح: "ثورة ثورة.. كلن يعني كلن".

من كل الجهات
كأنّ طرابلس أرادت أن تتبنى مقولة "عروسة الثورة" بالقول والفعل والممارسة، وكأنّها أرادت أن تحتضن لبنانها، وتحرس ثورته، وتقول لجميع أبنائه: لو قمعوا جميع الساحات وأفرغوها، أهلًا بكم في ساحة النور، التي لن تهدأ ولن يخفت صوت ثورتها الوثّابة والمتجددة. هكذا، ومنذ ساعات ما بعد الظهر، لبّ اللبنانيون بالآلاف دعوة طرابلس لاستقبالهم في ليلة السبت حتّى يثوروا سويًا بوجه السلطة والطبقة الحاكمة، وحتّى يتشاركوا عرسًا وطنيًا موحدًا تحت الأعلام اللبنانية التي رفرفت بالهواء، وأضاءت سماء ساحتهم الهواتف المتلئلئة كالشموع.

من جبيل والبترون والبقاع وجلّ الديب وساحل المتن وبقعاتا الشوف وعاليه وبلدات الجنوب، توافدت مواكب السيارات والباصات، التي تقلُّ أبناء هذه المناطق إلى قلب طرابلس. وإلى جانب أهالي المدينة والشمال، انضمّ الزّوار الثائرون إلى ساحة النور، وتراصفوا كتفًا بكتف بشكلٍ دائريّ هندسي حول اسم الجلالة العملاق "الله". أكدوا على استمرارهم بالتحرك الشعبي في الساحات والشوارع "حتّى تحقيق المطالب كافة"، شبكوا الأيادي، وأنشدوا معًا الأغاني الوطنية، ورددوا شعارات الثورة، بمشهدٍ سلميّ وحضاري لا مثيل له في تنوعه وخليطه، الذي كسر جميع الحواجز المناطقية والطائفية.

.. لنستمد الهمّة والقوة
ومن داخل هذه المدينة التي كانت أشبه بـ "تابو" مغلق يخشى كثيرٌ من اللبنانيين اختراقه، نتيجة الوصمة الظالمة التي صُبغت بها، وجد فيها اللبنانيون الوافدون من خارجها مساحةً رحبة وآمنة للتعبير عن مطالبهم وآمالهم الطامحة بوطنٍ جامعٍ عابر للطوائف والمناطق. ورغم محاولات الشيطنة والتطييف المدبّرة، استطاعت طرابلس أن تتغلب على "كارهيها" والحاقدين عليها، فتصدّ أبناؤها لهذه المحاولات بوعيٍ ملحوظٍ وغير مسبوق في تاريخ المدينة، التي دفعت أثمانًا باهظةٍ بالدّم والسمعة وجولات القتال. 

رصدت "المدن" آراء عددٍ من الوافدين إلى طرابلس، الذين تحملوا عناء المشقة على الطرقات من أجل قضاء سياحةٍ ثورية في هذه الليلة الجذّابة داخل المدينة. ناجي (34 عامًا)، جاء من مدينة صور. يقول: "جئت إلى طرابلس حتّى استنشق نفس الثورة، بعد أن خفّت الهمة في مناطقنا. كنّا ننظر إلى طرابلس في الأيام السابقة حتّى نستمد القوّة والهمة. وما سمعته اليوم في هذه المدينة، تمنيت أن يسمعه كلّ أهالي الجنوب ولبنان، لأنّ الخطاب لدى شباب المدينة وشاباتها، ليس حماسيًا وحسب، وإنّما هو عقلاني ومطمئن. وأدعو جميع اللبنانيين لزيارة طرابلس والسياحة في ثورتها، ومطالبنا هي نفسها، ونريد حكومة مستقلة تشبهنا تضمن حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".

يوافقه ميشال الحلو (30 عامًا) من بيروت، ويستطرد بالقول: "جئت إلى طرابلس لأنّ هذه المدينة أصبحت مثالًا يُحتذى به لجميع اللبنانيين، ولمست وعيًا سياسيًا كبيرًا، وهذه المدينة أثبتت نفسها على عكس السمعة التي كانت مصبوغة بها، وأكدت لجميع اللبنانيين أنّها على قدرٍ عالٍ من الوعي". يعبّر الحلو عن إعجابه بعدّة حلقات حوارية وسياسية تُعقد على هامش ساحة النور، و"الناس تعبّر فيها عن آرائها السياسية والاقتصادية والخطة المنتظرة، ومستوى التعليقات والخطاب والمشاركات كان مدهشًا، وهذا يبشر خير". يضيف: "أنا أحب طرابلس، وكنت متحمسًا لزيارتها. وطرابلس هي المدينة الوحيدة ربما التي ستستفيد إلى حدٍّ بعيد من هذه الانتفاضة الشعبية لأنها تحولت إلى نقطة جذب، وتصلح للسياحة في الثورة".

الأمل والأوكسيجين
في وسط الساحة، يقف رغيد شهيب (32 عامًا)، جاء من عاليه، ويقول: "جئت إلى طرابلس لأنها لمعت في هذه الثورة، وأصرت على بقائها واستمرارها، ونحن نؤكد أننا سنبقى من أجل إسقاط هذا النظام الفاسد ونسترجع أموالنا المنهوبة، ونحن على الأرض في طرابلس "الله محييها"، من أجل نصرتها ونصرة أهلها". على مسافةٍ منه، تقف ماريا (26 عامًا)، من البترون، وتعلّق على مشاركتها أهالي طرابلس في ثورتهم بالقول: "أعطتنا طرابلس أملًا كبيرًا بالثورة، وكانت الأوكسيجين بالنسبة لنا، لم تخذلنا، وإنّما أدهشتنا في عزيمتها وإصرارها على الاستمرار، وأشعر أنّه من أقلّ واجبنا المجيء إلى طرابلس والوقوف فيها وإلى جانبها حتّى تسمع السلطة النائمة أصواتنا".

وكانت عناصر شرطة البلدية طوال النهار، باشرت بتوجيه من رئيس البلدية رياض يمق، تنظيم البسطات في ساحة النور، ووضعها في محيط الساحة، لإفساح المجال أمام الوافدين من خارجها، كما عملت الشرطة على تنظيم السير والتخفيف من ازدحام السيارات، في الشوارع الرئيسية كافة. وإلى جانب بائعي الكعك والقهوة والحلويات وغزل البنات، الذين أضفوا نفسًا طيبًا في الساحة، استمرّ متطوعو "حراس المدينة" بمهمامهم التنظيمية والانضباطية على المنصّة وحولها، منعًا لأيّ "خروقاتٍ فتنويةٍ مدبرة". كما تعاون عناصر الصليب الأحمر اللبناني والجمعية الطبية الإسلامية في إسعاف الحالات الصحية ومعالجة بعضها داخل المستشفى الميداني في الساحة.

كذلك، استمرّت النشاطات على ضفاف الساحة، من صفّ اليوغا صباحًا والمسيرات الجوّالة وجلسات النقاش داخل الخيم المنظمة، التي تحولت إلى "ساحة ومساحة"  لمنصات شبابية وجامعية واعدة. وهي تعقد الندوات الحوارية في الشؤون السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية والأدبية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها