آخر تحديث:01:07(بيروت)
الأحد 24/11/2019
share

النساء في ساحات الثورة: لما الذهول من حضورهن؟

يارا نحلة | الأحد 24/11/2019
شارك المقال :
النساء في ساحات الثورة: لما الذهول من حضورهن؟ ليست مشاركتها في الحركات المطلبية اليوم بالأمر المفاجئ (ريشار سمور)

إلى جانب المطالب الاقتصادية والسياسية، تتصدّر قضايا المرأة سلّم المطالب والمعارك التي تخوضها الثورة اللبنانية. يستدلّ على ذلك من خلال الحضور القوي للشعارات المتمحورة حول تلبية حقوق المرأة والتي تضاهي، بانتشارها وجديتها، الشعارات المطلبية الأخرى من مكافحة الفساد، إنشاء دولة مدنية أو تحقيق استقلالية القضاء. فالمرأة اللبنانية، أدركت منذ زمن أن النظام الطائفي والأبوي ذي الأكثرية الذكرية، هو نظام جائر بحقها لا محال، ولا خلاص من التمييز والظلم إلا بتهديم هذه المنظومة السياسية كاملةً.

كريم مروة: الله وأكبر
هذا الدور الجوهري للمرأة كان موضوع جلسة نقاش نظمها "ملتقى التأثير المدني" تحت عنوان "المرأة والثورة" وذلك يوم الخميس 21 تشرين الثاني، في خيمته في موقف اللعازارية. افتتحت الحوار رئيسة لجنة حقوق المرأة، عائدة نصرالله، التي فسّرت شعار "الثورة إمرأة" بالقول "قدر المرأة وسكّتها أن تكون إمّا ثائرة أو مدعوسة، لذلك هي بطبيعتها ثائرة. وهي ثائرة خصوصاً على الاستخفاف والاستهزاء بها". وقد صدر عن نصرالله اعتراف مهم بحقيقة أن النساء الشابات اليوم قد تفوقن، في نشاطهن ونضالهن، على السيدات اللواتي يكبرنهن سناً. وأشارت في هذا السياق إلى جهود اللجنة لاستقطاب العنصر الشاب "لكننا كنا دائماً نفشل في ذلك. ونتساءل أين هن الشابات اللبنانيات من قضاياهن؟ ظناً منا أنهن غير معنيات بشؤونهن. لكنا قد أخطأنا، فاليوم نحن نراهن ونتعلّم منهن".

وعلى هامش الحديث عن المرأة في الانتفاضة اللبنانية، وجّه النقابي محمد قاسم تحية إلى المرأة التي تصنع المعجزات في فلسطين وإلى المرأة المقاومة التي ساهمت في تحرير جنوب لبنان. وأضاف "إن لم تحقّق هذه الانتفاضة حقوق المرأة فهي عاجزة عن تحقيق أهدافها، لأن المرأة قد ساوت الرجل في المواجهة والضغط". وقد كان للمفكر كريم مروة مداخلة أشار خلالها إلى التاريخ الطويل للحركة النضالية النسائية، مستذكراً أولى مراحل تأسيس لجنة حقوق المرأة في العام 1948، وقارن بين الأمس واليوم مختصراً الإنجازات التي حققتها المرأة بعبارة "الله أكبر". 

الكوتا النسائية
من جهتها، تطرقت الباحثة والمحاضرة الجامعية حُسن عبود إلى مسألة "الكوتا" التي غالباً ما تثير الجدل لإعتبارها إجراءً تمييزياً لا يحقّق مبدأ المساواة. لكن عبود دافعت عن الكوتا النسائية في نظام المحاصصة الطائفي، الذي تحمي فيه كل طائفة نفسها من خلال الكوتا الخاصة بها. وقد أكّدت على ضرورة مشاركة النساء في الحياة السياسية لأن "لنا مصالح كنساء يجب أن نمثّلها، كما أننا الفئة التي ستدفع باتجاه العبور نحو الدولة المدنية". لم يكن هذا الطرح مقنعاً للغاية، خصوصاً في سياق المطالبة بإلغاء نظام المحاصصة، إضافةً إلى حديثها عن إختفاء أصوات النساء في الدولة منذ بداية الثورة، وهو دليل على تبعيتهن لرجال السلطة، وهو أمر لا تعالجه الكوتا بل قد تعزّزه على أسوأ تقدير.

الموروثات والزواج المبكر
أما الأستاذة الجامعية في القانون أولفت السبع فطرحت تجربتها الخاصة مع الزواج المبكر كمثال عن معاناة النساء والفتيات من جرّاء الموروثات الاجتماعية والتشريعات الدينية. وروت السبع "تزوجت في عمر السادسة عشر وأصبحت أماً قبل السابعة عشر ويمكنني القول أن الزواج المبكر هو أكبر ظلم بحق الفتاة المغلوبة على أمرها. لكنني قمت بثورتي الخاصة وواصلت تعليمي حتى أصبحت دكتورة في القانون. لكن الكثيرات غيري لسنا قادرات على القيام بهذه الثورة". ومن هذا المنطلق، شدّدت السبع على ضرورة إقرار التعليم الإلزامي إضافةً إلى منع تزوج القاصرات.

اللافت كان غياب الحديث عن جهود الحركة النسوية وأثرها المتراكم على إمتداد العقد الماضي وصولاً إلى مشاركتها اليوم في صوغ خطاب الشارع. ففي مقابل التركيز على السمات "الأنثوية" لحضور المرأة، ومنها "السلمية" أو "صورة الأم المتواجدة في الساحات"، تمّ تجاهل أحد الجوانب السياسية والثقافية لهذا الحضور. فصحيح أن عبارة "نسوة" أو "نساء" هي أكثر شمولاً من توصيف "نسويات" الذي لا يتماهى معه سوى جزء من النساء المشاركات في الثورة، لكن للنسويات دور جوهري في إرساء الأرضية الخصبة لخطاب المساواة التقدمي الذي نشهده في الساحات اليوم.

حال الذهول
ومن جهة أخرى، طغى الإعجاب والتقدير على مقاربات المتحاورين إزاء أثر المرأة الجلي على الثورة القائمة، ما دفع عائدة نصرالله إلى وصف صورة المرأة في ثورة 17 تشرين بالـ"الأبهى والأشجع". أما كريم مروة فاعتبر حضور المرأة الطاغي دليلاً على أن هذه الثورة هي الحدث "الأرقى والأغنى والأعمق وعياً في تاريخ لبنان". لكن بالرغم من هذه الإيجابية، يبدو الذهول المهيمن على أحاديث المشاركين غير مبرّر بالكامل، ذلك أن المرأة قد فرضت نفسها في الحياة العامة منذ حين، وليست مشاركتها في الحركات المطلبية اليوم بالأمر المفاجئ. فلا حاجة، بعد الآن، للتذكير بأن المرأة تشكّل نصف المجتمع كمنطلقٍ للتأكيد على وجوب تأدية دورها. فهذا قد أصبح من بديهيات المواطنة اللبنانية التي تجد نفسها معنية مباشرةً بالفساد السياسي، كما الانهيار الاقتصادي والنظام الانتخابي، وذلك بغض النظر عن أعضائها التناسلية. ويبقى السؤال الجوهري: هل يترجم هذا الحضور النسائي المركزي في الثورة مشاركةً في الحياة السياسية المستقبلية؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها