آخر تحديث:00:02(بيروت)
الجمعة 22/11/2019
share

وجوه الثورة: سماح أبو المنى.. موسيقيّ الشارع وضابط إيقاعه

يارا نحلة | الجمعة 22/11/2019
شارك المقال :
وجوه الثورة: سماح أبو المنى.. موسيقيّ الشارع وضابط إيقاعه الانقلاب من التشاؤم إلى قوة الأمل أتى من تمرّد الشارع (الأرشيف)
كثيراً ما يتراود في قصص المسافرين العائدين إلى لبنان من دول العالم، "كليشيه" الشوارع ومحطات القطار والمترو التي تصدح بصوت الموسيقى؛ أمرٌ لا تعرفه بيروت، كالقطار والمترو. فالموسيقى لم تكن يوماً سمة من سمات الشارع اللبناني الذي لا يتسع سوى للسيارات وما يفيض من المحلات التجارية. إلا أن افتقار المجال العام للموسيقى هو من جملة الأمور التي غيّرتها الثورة، بعفويتها وحماستها الدائمة إلى إنتاج أساليب جديدة للتعبير والاحتجاج.

قطع الطريق.. بالأكورديون
موسيقى الشارع نهضت بنهوض الشعب اللبناني، ومن أوجهها البارزة صاحب الأكورديون المتنقل بين شوارع بيروت لإقفالها، لا بالإطارات المشتعلة ومستوعبات النفايات، وإنما بالأغنية. بوجهٍ بشوش، وأنغام فرحة ترافقها كلمات طريفة، يتوسط الموسيقي سماح أبو المنى فرقة من قارعي الطبول و"يخرطش" آلته، على حدّ تعبيره، معلناً أن "الطريق مسكّر يا حلو".

يشرح أبو المنى أنه في الأيام الأولى للثورة، وما رافقها من أعمال شغب، كان متردداً بشأن اصطحاب آلته إلى التظاهرات، على إعتبار أن الوقت والوضع قد لا يكونان مناسبين. لكن بعد محاولة قطع الطرقات والاصطدام أحياناً مع الناس الراغبة في المرور، إرتأى أبو المنى وزملاؤه من الموسيقيين تخفيف حدّة التوّتر بالموسيقى، فعمدوا إلى إرتجال أغنيات تفسّر لما قطع الطريق. ويقول أبو المنى "في النهاية، الموسيقى هي صنعتنا، فنحن لسنا خبيرين بالسبل العنفية لإقفال الطرق، فكان من البديهي إذاً أن نستخدم آلاتنا، وهي بلا شكّ قد كسرت حاجزاً مع الناس".

تحولات الشارع
تستوحي الجوقة الإيقاعية المحيطة بأكورديون أبو المنى أنغامها من ذاكرة الموسيقى الشعبية، وتعدّل كلماتها بما يتناسب مع الخطاب المراد قوله. وعلى سبيل المثال تمّ تغيير كلمات أغنية "شتي يا دنيا" لتصبح "سكّر يا جاري الطريق تبكرا يحلى"، وتحوّلت "تسلم يا عسكر لبنان" إلى "سكّر عمصرف لبنان، سارق مصرياتنا". كما يشير أبو المنى إلى متابعة الجوقة باستمرار لتحولات الشارع وخطابه المتغيّر وذلك لتفصيل الهتافات على أساسه، دعماً منها لمساعي توحيد المطالب ونبض الشارع.

لطالما كانت أعمال أبو المنى موجهة سياسياً وإجتماعياً، بما فيها العزف في الشارع. وإنطلاقاً من ذلك، يؤكّد الأخير أن الموسيقى ليست مجرّد مرح وفرح، كما يعاير البعض ثورتنا الحافلة بالرقص والدبكة، بل هي أحياناً تعبير حاف عن الغضب. ومن هنا جاء هتاف "بدنا نرقص، بدنا نغني، بدنا نسقط النظام". فالأغنية تتكلّم وتعكس حالة الشارع وأفكاره، وفق أبو المنى، و"هنا تكمن مسؤولية الفنان، خصوصاً وأنه معروف ومسموع من قبل شريحة واسعة تفضل أحياناً سماع أغنية بدلاً من خطاب". ومن ضمن مسؤوليات الموسيقيين، يشير أبو المنى إلى دورهم في "تنظيم الهتافات وتوزيعها بطريقة تسهّل على الناس ترديدها".

الموسيقى البديلة و"الراحل الكبير"
لا شكّ بأن موضوعات الحب والرومانسية لا تزال تستأثر بالأغنية العربية السائدة. أما المشهد البديل فهو يولد من رحم المشاكل والتحديات، وهذا ينطبق على المجتمعات كافة. ويشير أبو المنى إلى أن أهمّ الفرق الموسيقية البديلة التي غنّت الأغنية السياسية والاجتماعية نشأت في ظروفٍ شاقّة وصعبة. لكن المشهد البديل لا يزال خجولاً في العالم العربي مقارنةً بحجم المشاكل والمعاناة. إلا أن أبو المنى يعتقد أن ما يحدث في المجتمع اللبناني يشكّل دافعاً لخلق اتجاه فني جديد يتعاطى الأمور الاجتماعية والسياسية، وهو أمر بدأنا نلمسه مع طفرة الإنتاجات الموسيقية المرتبطة بالثورة والتي نشهدها على مواقع التواصل الإجتماعي.

أما عن التغيير الذي يلتمسه أبو المنى وزملائه من الفنانين فيقول "هو نفسه التغيير الذي يطالب به جميع المواطنين، من سقوط الحكومة وإجراء إنتخابات نيابية مبكرة وغيرها من الخطوات القانونية". هذا بالإضافة إلى مطلب الدولة المدنية لأن "ليس هنالك ما يلائم الفنان أكثر من الدولة المدنية التي تسمح بأقصى مستويات التعبير". أما عن المطالب قريبة المدى، يتحدّث أبو المنى عن أهمية تفعيل النقابات الفنية وتحقيق استقلاليتها.

منذ فترةٍ وجيزة، ألقت فرقة "الراحل الكبير"، التي يعزف سماح أبو المنى ضمنها، سلسلة من الحفلات بعنوان "نشر الأواعي"، وقد تضمنت عدداً من الأغنيات التي تطغى عليها فكرة اليأس والإحباط، أبرزها "السفير" التي يتوسّل فيها أعضاء الفرقة السفارات الأجنبية لمنحهم حق لجوء أو هجرة. أما أغنية "موعد مع الحكيم"، فتصف الاستسلام لإدمان الكحول كسبيل للهروب من الواقع. يفسّر أبو المنى هذا الاتجاه التشاؤمي لإنتاجات الفرقة بالقول "كنا نشهد حالة أشبه بالخنق على كل المستويات والصعد، من تردي الأوضاع الاقتصادية، واتخاذ النظام منحىً قمعياً عبر فرض أدوات الرقابة على الفكر والفنّ والكلام وصولاً إلى مراقبة "بوستات" مواقع التواصل ومنع حفلة مشروع ليلى". 

حال الفرقة وأغنياتها قد تغيّر اليوم، بقوّة الأمل الذي انبثق من تمرّد الشارع. فثمّة "شيء أكبر من اليأس بكثير"، وفق أبو المنى، وذلك بدليل أن الحفلة العامة التي ألقتها الفرقة في موقف اللعازارية منذ بضعة أسابيع لم تتضمن أياً من الأغنيات المذكورة، بل كان التركيز فيها على الأغنيات الحماسية الثورية التي تبثّ التفاؤل وتعد بالتغيير الآتي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها