آخر تحديث:00:27(بيروت)
الثلاثاء 19/11/2019
share

"مطبخ الثورة" في طرابلس: صبايا وشباب وطناجر عملاقة

جنى الدهيبي | الثلاثاء 19/11/2019
شارك المقال :
"مطبخ الثورة" في طرابلس: صبايا وشباب وطناجر عملاقة مطبخ الثورة ملك ناس الساحة وزوارها (المدن)

منذ 17 تشرين الأول، بدأت ساحة النور في طرابلس تكتظّ بعشرات الخيم، على اختلاف أهدافها وأنشطتها الشبابية والطلابية والمطلبية والحوارية في الشأن السياسي والاجتماعي والمدني. لكن، على طرف الساحة المستديرة، مقابلة محلّ شركة alfa للاتصالات، نُصّبت أكبر خمية تحمل شعار "حراس الثورة"، وتفوح منها رائحة الطعام والطهي!

من يموّل خيمة الطعام؟
قبل أيام، اقتربنا من هذه الخيمة العملاقة للتعرّف عليها. وكلّما تقدمنا خطوة، كانت روائح الطهي تخترق الأنفاس، وكأننا نطأ مطبخ top chef وليس خيمة للثورة. ما هي إلا لحظات لدخولنا، حتّى نتفاجأ بعددٍ من الشباب والصبايا، يعملون كخلية نحلٍ، بعضهم يرتدي قبعة الطهي ويحرك بالملاعق الخشبية طناجر الألمينيوم العملاقة، وبعضهم الآخر يتولى توضيب الطعام، وصبايا أخريات تقمن بفرز المواد الأولى: مئات ربطات الخبز وأكياس المعكرونة والبرغل والأرز وعشرات قناني الزيوت التوابل والبهارات. ماذا يحدث هنا؟ أو بالأحرى، والسؤال البديهي على لسان الطاعنين والمشككين بالثورة: من يموّل خيمة الطعام؟ وما الهدف منها أصلًا؟

على بوابة الخيمة، تقف سيدّة قويّة كحارسةٍ للخيمة والثورة، تستقبلنا بابتسامةٍ عريضةٍ وثقةٍ عاليةٍ في النفس حين نسألها: "شو عم تعملوا هون؟"، لتجيب على الفور: "تعي معي أنا اللي بخبرك". إنّها السيدة ليندا برغل (47 عامًا)، تعمل في مشروع الأسر الأكثر فقرًا في وزارة الشؤون الاجتماعية في الكورة، وهي صاحبة مبادرة إنشاء هذه الخيمة. تقول: "في اليوم الأول للثورة، نزلت إلى الشارع كأيّ مواطن ثائر وغاضب من السلطة، ونزل معي عدد من الشباب الذين كنت أتشارك معهم في أحد مخيمات الكشاف. كنا نجلس على الرصيف ولم يكن لدينا أيّ خيمة. بعدها، بادرت بعض الجمعيات المحلية في المدينة، من طرف صديقة لي، وتبرعت لنا بالخيم".

تطور المبادرة
في أول يومين من البقاء في الخيم، بقي الشباب من دون طعام، وكانت ليندا لم تتقاضَ راتبها من وزارة الشؤون من نحو ستة أشهر. اضطر الشباب والشابات إلى جمع المال من بعضهم البعض من أجل شراء السندويشات الجاهزة، وقام أحد المحال بتقديم عرضٍ لهم في السعر (2500 ل.ل. لكل سندويش) نظرًا لضخامة العدد. في المرة الثانية، حسبت ليندا مع شركائها في الخيمة كلفة الطعام، ووجدوا أنهم سيخسرون كثيرًا إذا تكبدوا كلّ هذه الكلفة يوميًا. ومن صندوق "حراس الثورة" الذي جالوا به في الساحة لجمع التبرعات، اشتروا في البدء الأعلام اللبنانية وعبوات المياه من أجل توزيعها على المتظاهرين. وبعدها، اشتروا من التبرعات المتبقية المواد الأولية لتأمين نحو 150 وجبة طعام في الساحة. وبعد أن بدأت البقعة تتسع، خرجت ليندا بفكرة إنشاء مطبخ في الساحة. وبدل جمع المال، "طلبتُ من المتبرعين في الساحة أن يقدموا لنا موادًا أولية للطبخ، وكلّ واحد حسب قدراته، ولو كانت المواد من منزله، ثمّ تبرعت دار الزهراء بالطناجر والغاز".

الرسالة من هذا المطبخ في الساحة، هو لدعم العائلات الفقيرة في طرابلس التي تأتي للتظاهر ولا تملك كلفة الطعام، ولا حتى أجرة التاكسي للعودة إلى المنزل. تضيف ليندا: "كلّ الساحة بإمكانها أن تأكل من هذا المطبخ ولا نردّ محتاجًا أو طالبًا، لأنه مطبخ للثورة وهو ملك جميع المنتفضين على واقعهم في طرابلس. وبعد أن توسّعت دائرة دعمنا، أصبحنا نؤمن نحو 2500 وجبة يوميًا، وبادرت سيدات من طرابلس وعمشيت والبترون وبيروت، تواصلت معهن للتبرع بإسال المواد الأولية، بينما نشتري اللحوم من صندوق التبرعات".



لماذا الطبخ في الساحة؟
ما بعد الثورة، أجواء التآزر والتعاون لإنجاحها في ساحة النور تبدو استثنائية وغير مسبوقة، وهي تشهد على إنشاء شبكةٍ من العلاقات الاجتماعية والانسانية القائمة على المحبة والتعاون المشترك والمتبادل، وكلّ واحدٍ حسب مقدراته. يقف عبد اللطيف السيد إلى جانب ليندا، وهو خريج هندسة، ويجيب "المدن" قائلًا: "هناك حاجة كبيرة في طرابلس، ولا نستيطع أن نأكل بينما غيرنا في طرابلس ينام جائعًا. ونحن حاليًا 25 شخصًا متطوعًا، نطبخ أصناف عدة من الطعام، ونعمل لنؤمن وجبات الغداء لنحو 2500 شخص ونوضب الطعام لـ 20 عائلة تعيش تحت خطّ الفقر، ونأمل أن نساعد جميع الفقراء، حتى يطول نفسهم في الثورة". وعلى كلّ من يقول أن الخيمة تتلقى دعمًا من سفارات أجنبية لتأمين مواردها، تردّ ليندا: "واجهت كثيرًا من الاتهامات، ولو كنت مدعومة من أحد لما اشتكيت من وضعٍ ماليٍ صعب، ولكلّ من يشكك بنا ندعوه إلى النزول معنا حتّى يرى بأمّ العين مصادر دعمنا".

مرّة في الأسبوع، يأتي الدكتور سامر كساب، من أجل طهي إحدى الوجبات في الخيمة. كساب كان مغتربًا وصاحب مطعم يمندي في الميناء، الذي أغلق قبل مدة نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، يقول: "أقل واجب يمكن أن أفعله هو أن أقف لأطبخ للثوار في طرابلس، بعد أن أدهشوا العالم بعزمهم وقوتهم وإرادتهم الصلبة في سبيل التغيير، رغم كلّ الظروف الصعبة التي يعيشون بها". وللمشككين بدعم السفارات يقول كساب أيضًا: "تعالوا قفوا إلى جانبنا، وادعمونا واعملوا معنا حتّى نكون يدًا واحدة لإنجاح ثورتنا بمختلف الأساليب، لأنّ المشوار لا يزال طويلًا".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها