آخر تحديث:00:12(بيروت)
الأربعاء 09/10/2019
share

بائع قبّعات وشالات عاشورائية يصطاده السُّعار الطائفي

زينب كنعان | الأربعاء 09/10/2019
شارك المقال :
بائع قبّعات وشالات عاشورائية يصطاده السُّعار الطائفي بسطة مرتجلة لبيع الشارات والأعلام الدينية (علي علوش)

إلى جانب عربته الخشبيّة الصغيرة، المحمّلة بقبّعات مرصوصة في صفّين، أستسلم العم خالد لإغفاءةٍ قصيرة باغتته، كما العمر، على كرسيّه البلاستيكية، مستظلاً من أشّعة الشمس اللاهبة، غير آبهٍ بزحمة شوارع صيدا وضجيجها المستعر.

وجعان على باب الله  
رجل ستيني منهك، تخبرك سمرته وخطوط الزمن على جبينه حكايات وحكايات مشحونة بالتعب والألم. جسدهُ المنهك آلمني، فتساءلت: كيف لهذه العربة الصغيرة أن تعيله في بلد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، وتسّد رمق أسرته وتكسوها، فيما تتراجع كل يوم أسباب الحياة الكريمة، وتجعل معيشة كثرة من أمثاله: "على باب الله يا محسنين".

توقعت أن يحدثني العم خالد عن صعوبة وضعه المعيشي، وظروف حياته القاسية. لكن كلماته كشفت الستار عن معاناة رجل على هامش الحياة في بلد يحتضر. من دون أن يخبرني، علمت أن رأس ماله عربةٌ متهالكة ملّت الانتظار، وملّت صاحبها. نعم، هما شريكا نوعين من الألم: نوع أبكم في جماد الخشب والمعدن والمطّاط، وآخر حيّ راعف في اللحم والدم والروح.

عشرون عامًا مضت على رفقة العم خالد عربته الخشبيّة. فبعد احتراق سوق صيدا، عشية الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، خسر العم خالد محلّه واضطّر إلى بيع الحلويات على العربة ليكسب قوت يومه. تدهور وضعه الصحي بسبب الربو، وإجرائه عمليّة قلب مفتوح، اضطراره إلى الانتقال من بيع الحلويات إلى بيع القبّعات، ثم لم يعد قادرًا على جرّ العربة التي ترهق أنفاسه.

المرض والجوع أو المخالفة
يخرج وصفة طبيّة من كيس إلى جانبه مليء بعلب الأدوية الفارغ نصفها، بعد حصوله عليها للتوّ من جمعيّة مواساة أجرت له بعض التحاليل الطبية. فمواساة هي الحلّ الأنسب له للطبابة. فهو غير قادر على دخول أي مستشفى نظرًا للتكاليف المطلوبة. يعاني العم خالد من فقر الدم، ولا يعلم طبيبه أين يذهب الدم الذي يخسره. صفرة عينيه ورجفة يده تكشف مدى سوء حاله وخوفه.

أسأله كيف لهذه العربة أن تغطّي كلفة أدويته؟ بالدّين – يجيب - ومن شخص يتقاضى على المبلغ فائدة مقدارها عشرة آلاف ل.ل في اليوم، وما باعه أمس من القبعات، بلغ 37 ألف ل.ل بلا ربح تقريباً. لذا لا مفرّ للعم خالد من سياسة التقنين التي عودّتنا عليها أهل السلطة. والتقنين يشمل العلاج، فيختار العم خالد دواءً واحدًا من بين أدويته المطلوبة.

لطالما سمعنا عبارة "الدولة القويّة"، ولكنها ليست قوية إلا على الفقير فقط. هذه حال العم خالد الذي تطارده مع عربته الشرطة البلديّة أحيانًا، فتضيق عليه مصدر رزقه القليل. فقد صودرت عربته قبل فترة قصيرة، ولولا توسّط أحدهم لكانت الآن محطمّة. هكذا هي القوانين في لبنان تحضر بهيبتها ساعة تشاء، وتغيب برغبتها ساعة تشاء أيضًا، والضحيّة فقير لا سند له. ففي ظلّ غياب قانون ينظّم أوضاع الباعة المتجولين، يظل المواطن أمام خيارين إمّا المخالفة وإما الجوع.

السُّعار الطائفي والفقر 
قبل إقفال مؤسسة الحريري، كان العم خالد يتلّقى مساعدات من بهيّة الحريري. إذ كانت تتكفّل شهريًا بتأمين كافة أدويته، لكنه لجأ إلى المؤسسّات الخيرية في صيدا والميسورين فيها. في شهر رمضان لم يجده نفعًا قرعه أبواب الميسورين من أهالي صيدا. وعندما قصد "صندوق الزكاة" مرارًا، عاد خائبًا بعلب أدوية فارغة.

"أقربكم إليّ أنفعكم للناس"، لكن هذا الحديث القدسي غاب عن أذهان معظم الجمعيّات التي توّجه إليها العم خالد لطلب العون. في إحدى زياراته لجمعيّة، وبعد تحقيق طويل معه وكأنه متهّم بقتل أحدهم حسب قوله، وبعد أوراق ثبوتية لا تحصى قدّمها وتعريف من شخصيّة مهمّة هي الشيخ أحمد الزين، جلَّ ما حصل عليه هو حسم من صيدلية بنسبة 15 في المئة. ويرجّح العم خالد أن مظلمته هذه ناجمة عن أنه من الطائفة السنيّة، فهو على علم بحصول آخرين على المساعدات.

في عاشوراء العام الماضي أراد العم خالد أن يسترزق من بيع قبّعات وشالات تحمل شعارات عاشورائيّة، لكن الجماعة الإسلامية في صيدا منعته وهددتّه بإبلاغ البلديّة لمصادرة عربته. قال إنهم انقضّوا عليه في موضع ألمه، فالعربة هي مصدر رزقه الوحيد، فاضطر إلى رمي الشالات العاشورائية على زاوية رصيف، وخسر ما يقارب 500 ألف ل.ل. هي الطائفية بألوانها وأطيافها جمعاء لافتة سوداء تلّف حياة الفقراء والمعوزين وتحيط بهم.

زعران الشوارع والدهاقنة
لكن تكالب الطائفية، وإهمال المؤسسات الرعائية العامة والخاصة، لا يكفيان العم خالد، فتسلّط عليه بعض من شبّان صيدا واقتنصوا بعض قبّعاته، أحيانًا بالقوّة وأحيانًا بالسرقة، فلم يجد، هو العاجز المقيّد بوضعه الصحّي، أي سبيل لصدهم.

تدمع عيناه، وبغصّة يتلفّظ عبارته التي تعصر القلب: "هناك أوقات ألبِدُ فيها على وجعي، وأبكي بصمت، لا أخبر أحدًا، لو كان هناك خير في الناس في هذا الزمن، لما كان هذا حالي". هيهات أن ينقبض قلب من القلوب الصلدة في صدور دهاقنة هذه البلاد، أمام معاناة الرجل، وأن يتحرك ضمير المسؤولين لتفعيل ضمان الشيخوخة، ولتصبح أرواح الناس أهم من تخمة جيوب الدهاقنة الغارقين في صلف الرخاء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها