آخر تحديث:01:07(بيروت)
الثلاثاء 29/10/2019
share

"الطريق الجديدة" حصن الفقراء في بيروت تمتنع عن الانتفاضة

عماد الشدياق | الثلاثاء 29/10/2019
شارك المقال :
"الطريق الجديدة" حصن الفقراء في بيروت تمتنع عن الانتفاضة التململ والقرف في الشارع السنّي ممزوج بعامل الخوف (الأرشيف، خليل حسن)

مع دخول الثورة يومها الثالث عشر، لا تزال منطقة الطريق الجديدة "خزان الفقراء" في بيروت، خارج نطاق التفاعل مع التظاهرات التي يشهدها وسط بيروت، بساحتي الشهداء ورياض الصلح. الطريق الجديدة التي اعتادت أن تكون في طليعة المناطق التي تشارك في الاحتجاجات الشعبية، ما زالت مشاركتها خجولة جداً حتى اللحظة.

جالت "المدن" في شوارع المنطقة البيروتية العريقة والشعبية الطابع، واستطلعت آراء الناس هناك، لتستكشف سبب الخلاف مع الثورة الذي يقارب الطلاق. لوهلة قد تتخيل أن هذه اللامبالاة  مردها أن الحد الأدنى للأجور في الطريق الجديدة ألفي دولار مع حوافز سفر سنوية! لا أعلام لبنانية ولا تجمعات، لا مظاهر ثورية، رغم إرث المنطقة السياسي وحماستها للكثير من القضايا العربية والوطنية، فكيف بثورة تخصّ شأنهم المعيشي في الصميم؟

لا اكتراث
يقول أبو عمر (57 عاماً) وهو الاسم الحركي لشخصية كان لها دور ميداني بالمنطقة في الماضي، إن "صدى الثورة في الطريق الجديدة خجول جداً، هذا صحيح. الجمهور في منطقتنا ينقسم إلى ثلاث فئات: الأولى، تشارك على نحو يومي بتجمعات وسط بيروت لكن بصفة فردية. وهي الفئة الأقل عدداً بين المشاركين. والفئة الثانية تشارك مع عائلاتها في نهاية الأسبوع فقط، فتقصد الساحات من باب التجول و"الترفيه عن النفس"! أما الفئة الثالثة وهي الأغلبية الساحقة، فإما ضائعة أو غير مكترثة بالثورة، خصوصاً أن لا إيعاز صريح من "تيار المستقبل" بالمشاركة. ورغم أن جمهور سعد الحريري بات متواضعاً في هذه المنطقة، لكنه مازال قادراً حتى اللحظة على تعبئة قسم كبير من السكان، عبر مجموعة من الأشخاص هم بمثابة "مفاتيح انتخابية" لا يتحركون إلا بدفع الأموال.

يضيف أبو عمر: "الفئة الأخيرة غير مخضرمة سياسياً، ولا تتابع الأحداث بتفاصيلها، تظن أن الحريري هو الرمز الصالح لمواجهة المعسكر المقابل، كما كان في السابق، إبان الاصطفاف السياسي بين 8 و14 آذار. وتعتقد أن اللعبة السياسية والاصطفافات لم تتغير. الأغلبية في الطريق الجديدة تظن أن الحراك موجه ضد شخص سعد الحريري، ولهذا لا تتحمس للمشاركة".

إحباط 14 آذار المستمر
شخصية أخرى ملمة بمزاج أهالي المنطقة، نبيل (47 عاماً)، يقول: "من خلال خبرتي بشباب الطريق الجديدة، أستنتج أن مشاركتهم خجولة دوماً، ليس في تظاهرات الثورة وحسب. بل حتى خلال الانتخابات وفي الاقتراع. الفقر في المجتمع البيروتي كان في كل مرة ينعكس كسلاً وخمولاً، ولم يكن يوماً محفزاً للنهوض والغضب والثورة. هذا الأمر قد يكون سببه الاحباط المتلاحق منذ ثورة 14 آذار 2005 وما تلاها من تنازلات. ربما هذا الواقع ولّد لامبالاة وزرع داخل النفوس شكوكاً بأن هذه الثورة لن تأتي بالحلول المتوخاة. الأحزاب التقليدية والشخصيات التي كانت تترشح إلى الانتخابات في بيروت والطريق الجديدة تحديداً حيث الفقر والعوز، أرست ثقافة بين أهلها، مفادها بكل أسف أن لا تجمعات بلا مقابل مادي. لكن الناس بدأت تتخلى تدريجيا عن هذه الآفة".

ويضيف نبيل أن "ابن الطريق الجديدة بركان نار، ربما يحب المواجهات دفاعاً عن الرموز وعن أهل المنطقة، وربما المشاركات الباردة أي الاعتصامات السلمية لا تستهويه ويفضل المواجهات الساخنة؟". ويستطرد بالقول: "التباين الثقافي بين المناطق البيروتية لها دور إضافي. ولا أقارن هنا بين الفقر والغنى أبداً، قد تكون الاهتمامات لدى البعض مختلفة بين منطقة بيروتية وأخرى. وفي السياق نفسه لا يمكن انكار دور تيار المستقبل السلبيّ في هذا المجال. لقد حوّل الطريق الجديدة على مدى سنوات طويلة إلى خزان تعبوي أصمّ للزعامات والنواب، ولم يسع إلى تثقيف شبابها سياسياً على الإطلاق، ربما لهذا السبب يغيب أهل المنطقة عن هكذا حدث مصيري"!

الخوف على الحريري
أما حسين (31 عاماً) فيعترف أن حضور الطريق الجديدة في الحراك معدوم، ويسأل: "هل يُعقل أن منطقة أصابها الفقر والجوع وهدر الحقوق مثل الطريق الجديدة لا تشارك في الثورة؟ قصدت الساحات في وسط بيروت مرات عدة، وشاهدت أشخاصاً رواتبهم آلاف الدولارات ينخرطون في الثورة ويطالبون بالتغيير، بمقابل أصدقاء لي في المنطقة تراجع مستواهم المعيشي بسبب طردهم من العمل في مؤسسات الحريري وهم كُثُر، أكان في التلفزيون أو الجريدة أو حتى بالحراسة، خرجوا بلا نيل حقوقهم، واضطروا إلى نقل أولادهم إلى المدارس الرسمية. لكنهم حتى هذه اللحظة يفضلون عدم المشاركة! أتفهّم تململهم في الأيام الأولى، فربما الصورة لم تكن واضحة. والخوف من استهداف الحريري خيّم في نفوسهم، لكن أن تخرج النبطية وصور وبعلبك لتكسر أصنامها وتشارك بالثورة، فيما تبقى الطريق الجديدة صامتة، فهذا خنوع"!

الشوكة المكسورة
تقول ميريام (38 عاماً) التي كانت تسكن في الطريق الجديدة وتركتها بعد زواجها: "لدى أهالي المنطقة إحساس بأنهم لا يحلّون ولا يربطون، وأن شوكتهم مكسورة. ورغم عدم موافقتهم على خيارات الحريري السياسية الأخيرة، لكنهم يعتبرونه مهدَّداً. وهذا ربما سبب التخاذل"، تروي ميريام قصة طريفة عن شاب كان في طريقه إلى التظاهرة، فسأله أهالي الحي عن وجهته، فقال لهم: "ذاهب إلى التظاهر في وسط بيروت"، فقالوا له: "تعا شفلنا ليش مقطوعة الميّ!". تختم ميريام حديثها بهذه الرواية وتقول: "اللامبالاة عندنا بلغت هذا الحد!".

وفيما يرى البعض أن الطريق الجديدة عالقة بين الغضب من الحريري، وعدم الرغبة أن تكون الطائفة السنّية كبش فداء أو مكسرَ عصا، يرجح آخرون أن يكون السنّة وأهالي الطريق الجديدة خصوصاً مربكين بتصنيف سقوط الحكومة إن حصل، أهو انتصار أو هزيمة؟

من عبد الناصر إلى الحريري
يكشف عدنان (49 عاما) أن "التململ والقرف في الشارع السني ممزوج بعامل الخوف. فلدى الطائفية الشيعية قطبان كبيران هما حركة أمل وحزب الله، فيما لدى الطوائف المسيحية الكثير من الأحزاب والأقطاب والزعامات المستقلة. هذا عكس الحال لدى سنّة العاصمة الذين يخافون على زعامتهم البيروتية الوحيدة ربما. فالحريري هو نافذتهم إلى الخارج والواجهة الوحيدة للطائفة رغم معرفتهم المسبقة بضعفه، وارتهانه للعهد وحزب الله بسبب تنازلاته، فإذا رحل من هو البديل؟". ويضيف عدنان "علاوة عما سبق، يجب ألا ننسى مخزون الذاكرة لدى السنّة الذي شهد اخفاقات عربية كبيرة من أيام عبدالناصر وأبو عمار وصولاً إلى رفيق الحريري.. هذا كله خلق حال من اللامبالاة أيضاً".

أما فراس (47 عاما) فيؤكد أن "الطريق الجديدة متريثة. لكن في حال استقال الحريري من الحكومة فسيشارك أبناؤها بكثافة، لأن الاستقالة ستكون بمثابة الشرارة التي ستطلق موجة الغضب ضد شركاء الحريري الحاليين في السلطة، أي التيار الوطني الحرّ وحزب الله، لأنهم سيتهمونهما بعرقلة عمله وبهزيمته كزعيمهم الأوحد". وتقول مها (28 عاماً) "لابد من تنظيم أي تحرك في الطريق الجديدة، حتى لو كان تجمعاً رمزياً في ساحة الملعب البلدي، أو حملة إزالة صور كدليل على الامتعاض من تأخر الحريري بالاستقالة.. فنحن في الطريق الجديدة الوحيدون الذي لم نحرك ساكناً حتى اللحظة، وهذا معيب!".

ماذا ينتظرون؟
في اليوم الأول للثورة، خرج مئات الشبان من فقراء الضاحية الجنوبية إلى الطرقات برد فعل عفوي وصادق. أحرقوا الإطارات وقطعوا الطرقات. وحين أطلّ الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، أجبر جمهوره على الانكفاء تدريجياً. هذه الحركة العفوية لم تشهدها الطريق الجديدة أبداً. اقتصر الأمر على قليل من التجمهر في منطقة قصقص لملاقاة شباب الضاحية، إضافة إلى تجمعات محدودة عند أطراف كورنيش المزرعة. حتى كلمة الحريري التي شكر فيها المتظاهرين لمساعدته على تمرير ورقته الإصلاحية، وباح خلالها أنه مع مطالب المتظاهرين المحقة، لم تكن حافزاً ولا حجة لأهالي الطريق الجديدة بغية ملاقاة المتظاهرين في الساحات.. فماذا ينتظرون؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها