آخر تحديث:01:06(بيروت)
الإثنين 21/10/2019
share

طرابلس تستعيد لقبها المسلوب: عاصمة لبنان الثانية

جنى الدهيبي | الإثنين 21/10/2019
شارك المقال :
طرابلس تستعيد لقبها المسلوب: عاصمة لبنان الثانية مشهدٍ تاريخي، يرفرف فيه العلم اللبناني دون سواه (جنى الدهيبي)
في هذا اليوم المجيد، الأحد في 20 تشرين الأول، يمكن القول أنّ طرابلس استعادت لقبها، ودورها الحقيقي على الخريطة اللبنانية، وأثبت أنّها تستحق لقبها قولًا وفعلًا: "عاصمة لبنان الثانية". وطرابلس، التي كانت تُصوّر كقرية نائية ومعزولة، محافظة وإسلامية فحسب، ومدينة المعارك وجولات القتال، جاءت هذه المناسبة التحولية في لبنان، وفي لحظة تاريخية سريعة، حتّى تعكس فائضًا من التنوّع الباهر، وخلطة من المزيج الاستثتائي، لدرجةٍ يمكن السؤال: أين كانت تخبئ طرابلس كل هذا؟ أم كان يُخبأ عنها قسرًا؟

مشهد تاريخي
في يومها الرابع، شهدت ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور)، تجمهر أكثر من 100 ألف متظاهر، وفق التقديرات، في وسطها وعند فروعها، في مشهدٍ تاريخي، يرفرف فيه العلم اللبناني دون سواه. وساحة النور، كانت نجمة الساحات في لبنان، وكانت ساحة مدينة حقيقية، تضم أبناءها من مختلف مشاربهم ومذاهب وأطيافهم، وتوحدوا جميعًا على الفرح والغضب والثور، وحملت قضايا جميع أبنائها إسلاميين وغير إسلاميين. وهذه الساحة التي يتربع على عرشها اسم الجلالة "الله"، ومن تحته شعار "طرابلس قلعة المسلمين"، كانت ساحة رحبة لأغانٍ تصدح من الـ"دي جي"، واتّسعت للرقص والدبك، ولمواطنين يرفعون شعار "مني سني مني درزي مني علوي مني شيعي.. أنا لبناني". كانت في هذا اليوم، مدينة الأديان والتنوعات اللادينية، يصعب فيها التمييز بين مؤمنٍ وغير مؤمن. كانوا جميعهم لبنانيين فحسب، خصمهم واحد، وهو السلطة والحكومة والعهد. تفننوا في أدوات التّعبير عن هذه الخصومة إمّا بالفرح وإمّا بالغضب، تحت سقفٍ سلمي وحضاري لا مثيل له، من دون وقوع ضربة كفٍّ واحدة. وهذا التوحد على الخصومة، خلق في هذه التظاهر الشعبية والغفيرة، إطارًا تنظيميًا عفويًا وتلقائيًا، ثابر فيه المعتصمون الذين توافدوا بدعوات فريدة، على الحفاظ على أمنهم وأمانهم، وكانوا متعاونيين مع الجيش والقوى الأمنية والصليب الأحمر والجمعية الطبية الإسلامية، ولم تسجل أي حوادث، لا سيما أن الدراجات النارية مُنعت من الدخول الساحة، ولم تسجل أيّ إصابات سوى بعض حالات الإغماء والضيق بالتنفس التي جرى معالجتها على الفور.

النساء.. تجربة غير اعتيادية
وإلى جانب حضور الأطفال والرجال والشباب والشابات، كان الحضور النسائي لافتًا في التظاهرة، وهو حضورٌ يمكن قراءته من منظار تحولٍ جذريّ في حياة نساء المدينة وضواحيها، وكأنّه تسجيلٌ من نوعٍ آخر لإنخراط "نساء طرابلس" في الحراك السياسي والمطلبي في قلب الحدث والشارع. وهؤلاء، بمختلف طبقاتهن التعليمية والاجتماعية، كنّ متحمسات، جريئات، يرفعن الأعلام واليافطات والشعارات، يصرّحن لوسائل الإعلام عن آرائهن ومواقفهن ومطالبهن، في تجربةٍ غير اعتيادية لهن، وكأنّهن شغوفات بصناعة هذا التغيير. تقول إحداهن: "لا معنى لهذه الساحة من دون وجودنا، ونحن نطالب بقلب النظام اللبناني وتغيير طاقمه عن بكره أبيه".  

وفي أضخم تظاهرة شهدتها المدينة في يومها الرابع على التوالي، وقد تخبئ مزيدًا من المفاجآت في يومها الخامس، مع انقضاء مهلة الـ 72 ساعة التي أعطاها رئيس الحكومة سعد الحريري، رفعت المدينة الأفقر على حوض المتوسط كثيرًا من الشعارات: "ريحة فسادكم وصلت على المريخ"، "كلن يعني كلن"، "يسقط حكم الأزعر"، "، "يلا ارحل ميشال عون، يلا ارحل حريري، يلا ارحل يا بري، يلا ارحل يا باسيل"، "ثورة ثورة"، مع الهتافات على وقع الأغاني والأناشيد الوطنية والثورية والشعارات المطالبة برحيل السلطة السياسية. عند الرابعة عصرًا، كانت مفاجأة هذا اليوم الثوري الطويل، مشاركة ‏الفنان مارسيل خليفة للمتظاهرين في ساحة النور بتحركهم المطلبي، وأنشد لهم أغانيه الوطنية والثورية، فرددّوها بحماسةٍ بالغةٍ، وقد اعتلى خليفة سقف إحدى المباني المهجورة، وكأنه خشبة مسرح، ومن تحته الجماهير تهتف له ومعه.

ليل المدينة عرس مضيء
ليلًا، تحولت ساحة النور إلى مساحةٍ لعرسٍ وطني مطلق، تُضاء فيه الهواتف كالشموع، وتعلو الأصوات وتُرفع الأيادي والأعلام اللبنانية، والكلّ يردد بصوتٍ صارخ: "ثورة ثورة ثورة". وإلى جانب التلاقي بين المتظاهرين حول عربات الشراب والطعام، وبعض المحال الطرابلسية تبرعت في توزيع الطعام مجانًا، كانت سطوح الساحة على أبنيتها مليئة بالشباب والشابات الذين اعتلوها، لرؤية التظاهرة والمشاركة فيها من فوق، كما لو أنّها حدثٌ سينمائي في الهواء الطلق.

كسرت طرابلس كثيرًا من الحواجز، سياسيًا واجتماعيًا، كما فعلت وكسرتْ احتكار قياداتها لها وكذلك رمزيتهم. كانت تظاهرةً مركزية بعد بيروت، توافد نحوها مختلف أبناء الشمال، من عكار والمنية والضنية وبشري والكورة وزغرتا. أحد شباب زغرتا، يضع صليبًا على صدره، يقول لـ "المدن": "نزلت لأطالب بحقي من هذه السلطة الفاسدة، ولأول مرّة أنزل لأشارك في تظاهرة شعبية، وأردت أن تكون مشاركتي حصرًا إلى جانب أهلي، في ساحة عبد الحميد كرامي، لأنّ قضيتنا واحدة ووجعنا واحد".

مشاهد من تظاهرة طرابلس


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها