آخر تحديث:17:46(بيروت)
الخميس 17/10/2019
share

"الموازنة" وأهل السلطة: فجور الضرائب ينقلب تشليحاً شاملاً

وليد حسين | الخميس 17/10/2019
شارك المقال :
"الموازنة" وأهل السلطة: فجور الضرائب ينقلب تشليحاً شاملاً كلفة الفساد سيدفعها اللبنانيون بالمزيد من الضرائب (Getty)
عندما توالت خطب نواب حزب الله ومسؤولوه عن رفضهم التام لأي ضرائب قد تطال الطبقات الفقيرة والمتوسطة في ميزانية العام 2019، استبشرنا خيراً. وقلنا إن الحزب بنفوذه وسلطته وسطوته سيخفف الأعباء عن كاهل الموظفين والمواطنين، وسيفرض تمويل الدولة المتهالكة من جيوب المصارف و"حيتان المال"، كما يلغو حلف الممانعة، وليس من محدودي الدخل. وما زاد في قناعتنا بأن حزب الله يختلف في مواقفه عن بقية الأحزاب في السلطة، كلام أمين عام الحزب حسن نصر الله، الذي أكّد أكثر من مرة، وبلهجة حادة وحاسمة، رفض حزب الله تحميل أصحاب الدخل المحدود كلفة الفساد التي يدفعها اللبنانيون اليوم.

أقرت الموازنة وطالت بنودها التقشفية حتى رواتب المتقاعدين، الذين يفترض أنهم دفعوا ما يكفي من ضرائب خلال سنوات وجودهم في الخدمة، وتآكلت رواتب جميع اللبنانيين بفعل فرض ضرائب واستحداث رسوم على البضائع، وما سمي كماليات، التي أدّت إلى ارتفاع معظم أسعار السلع.

ربما لم يلتفت الكثير من اللبنانيين بداية إلى الارتفاع الطفيف الذي طال معظم السلع، خصوصاً أولئك الذين يبتاعون أغراضهم بشكل يومي. ولكوني من متبضعي السوبر ماركات مرة في الأسبوع، بدا لي مستغرباً فرق المدفوعات التي وصلت إلى حوالى الخمسين ألف ليرة لقاء السلة ذاتها التي نحتاجها كعائلة أسبوعياً. فبعد إقرار الموازنة بتنا ندفع لسلة التموين الأسبوعية في البيت نحو 350 ألف ليرة، بينما كنا قبل إقرار الموازنة بأشهر ندفع ما بين الـ270 والـ300 ألف ليرة.

ولكوني من آكلي الباستا بشكل يومي، وأعد منها ما لذ وطاب من الأطباق، بفعل عيشي لفترة وجيزة في إيطاليا، لاحظت بداية أن سعر النصف كيلو من ماركة الباريلا ارتفع 150 ليرة وبات بـ2300 بعد أن كنت أدفع ثمنه 2150 ليرة. وكذلك الأمر بالنسبة للأرز والسكر والملح والزيت وغيرها من المواد الغذائية للحاجات اليومية، إذ نادراً ما نلتفت إلى ارتفاع أسعارها عندما لا تتجاوز بضعة عشرات أو مئات الليرات.

هذا الارتفاع في الأسعار تضاعف بعد أزمة سعر صرف الدولار، خصوصاً في دكاكين الأحياء والمحال الصغيرة وبائعي التبغ الذين رفعوا ثمن السجائر بنحو 500 ليرة، مستبقين بذلك الارتفاع المحتمل بعد إقرار موازنة العام 2020. إذ اقترح مجلس الوزراء في الجلسة المخصّصة لمناقشة مشروع الموازنة وضع رسم على السجائر، قد يصل إلى 2000 ليرة، ورسم على التخابر المجاني عبر واتسآب قد يصل إلى 6 دولارات شهرياً، إضافة إلى رسوم "إصلاحية" أخرى على المشتقّات النفطية، ورفع الضريبة على القيمة المضافة.

رغم الغلاء الذي بتنا نشعر به يومياً، ولجوئنا إلى صرف ما بحوزتنا من دولار لدى الصيارفة بسعر 1580 ليرة للدولار (كما حصل معي اليوم) لشراء حاجاتنا بالعملة المحلية، تستمر القوى السياسية بالتنصل من مسؤوليتها في تجفيف جيبونا بالضرائب والرسوم لملء خزينة الدولة المفلسة. وتراهم يلغون برفض تحميل الطبقات الفقيرة تبعات الأزمة الاقتصادية والمعيشية رفضاً تاماً، لكسب رضى الجماهير، لكن في النهاية يبصمون على الموازنة، على غرار الصراخ الذي أطلقه نواب حزب الله سابقاً.. وحالياً. وها هو النائب في كتلة الوفاء والمقاومة إبراهيم الموسوي يعيد تكرار ما نهج عليه زملاؤه سابقاً. وأطلق تغريدة قائلاً: "يجري التداول أننا مع زيادة الضريبة على السلع بما يضر الفقراء والسواد الأعظم من الناس. نؤكد أننا ضد الضريبة المضافة إلا على الكماليات، وكماليات الكماليات، مثل السيجار والكافيار واليخوت وأمثالها، وسنرفض أي ضريبة مباشرة تمس السلع الأساسية ولقمة عيش الناس".

ولكون الناس بدت غير مقتنعة بهذا الكلام، خصوصاً بعد تأكيد وزير الإعلام جمال الجراح أن الـ20 سنتاً في اليوم على "الواتساب" أقرت في مجلس الوزراء وسيبدأ العمل بها في مطلع العام المقبل عاد الموسوي وغرّد: "إخواننا وأخواتنا وأهلنا جميعا، ولكل اللبنانيين، أرجو عدم التعجل بالحكم على الأمور، ولعلمكم أن وزراءنا لم يوافقوا على فرض رسم 20 سنتا على مكالمات الواتساب، بل أن الحزب أبلغ رفضه الأمر بشكل رسمي، فاقتضى التوضيح". أما زميله الوزير محمد فنيش فاستمر في لغوه أن حزب الله "يرفض أي ضريبة تمسّ بالمواطنين، وبالأمس رفضنا زيادة الضريبة على الواتساب إنما جرى تمريره مع تسجيل تحفظنا".

أما الأسوأ من وزراء حزب الله ونوابه، فهم أولئك الذين يدعون الحرص على "الهيكل" و"أبوة الصبي"، تحت شعارات أن الضرائب المفروضة "إجراءات غير شعبية"، لكن ضرورية وعلى الجميع تحملها كي لا تنهار الدولة على الجميع. وها هي "المصادر الرفيعة" في التيار الوطني الحر تسرّب أن الضرائب المستحدثة هي "إصلاحات"، مهددة بأن التيار لن يسير في موازنة غير مقرونة بسلة إصلاحات بنيوية. فهل لنا أن نسأل عن هذه الثقة الزائدة بالنفس لدى سياسيينا بعدم خروج الناس إلى الشارع لـ"قلب الطاولة" عليهم وعلى تلك "الإصلاحات".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها