آخر تحديث:00:09(بيروت)
الأربعاء 30/01/2019
share

تجربة ميريام في شاتيلا: نساء لا يسمع أحدٌ صوتهن

المدن - مجتمع | الأربعاء 30/01/2019
شارك المقال :
تجربة ميريام في شاتيلا: نساء لا يسمع أحدٌ صوتهن مواجهة الذل والتمييز يوميّاً، واللايقين إزاء المستقبل (الأرشيف)

في السنوات الأخيرة فقط، بدأ الاهتمام الجدي بالصحة النفسية للاجئين، ولضحايا النزوح أو الحرب أو الكوارث أو حتى ضحايا التمييز الاجتماعي. وبات إيلاء الأهمية لهذا الجانب، من قبل المؤسسات التي تتولى رعاية هذه الفئات من السكان، يوازي أعمال الإغاثة والإيواء والعناية الطبية.

ميريام سليخانيان، بدأت العمل كأخصائية نفسية في عيادة منظمة "أطباء بلا حدود"، بمخيم شاتيلا، في بيروت. وهي إذ تروي تجربتها، تضيء على أحوال أهل هذا المخيم، بضراوة الحياة اليومية وصعوبات مواجهة الفقر وفقدان الأمان الاجتماعي والشعور باللااستقرار: "كنت قد توقعت أن عملي مع اللاجئين سيرتكز على التعامل مع حالات الصدمات النفسية، من جرّاء تجارب قاسية عانوها في الماضي. لكن، سرعان ما تبيّن لي أنّ التحديات اليومية التي يعيشها اللاجئون هي محور الحالات التي أتابعها".

النساء أولاً
تأسس مخيم شاتيلا في العام 1949 لاستقبال وإيواء اللاجئين الفلسطينيين. أما اليوم، فهو يستضيف السوريين والفلسطينيين، بالإضافة إلى أقليّات أخرى مثل الإثيوبيين والفليبنيين.. يعيش جميعهم في ظروف مزرية.

يعاني سكان المخيم مرارة الحرمان من أبسط احتياجاتهم. ويصارع اللاجئ عموماً، وبشكلٍ يومي ليؤمن طعامه، وليضمن أمنه وسلامته، وليحظى بالاحترام، وليتمكن من تطوير نفسه وتحقيق إمكاناته. وفضلاً عن ما يختزن ماضي اللاجئين من صدمات، وما يثقل كاهلهم من فقدان أحبائهم، وخسارة ممتلكاتهم، ونزوحهم إلى أرض غير أرضهم، يستمرّون بمواجهة الذل والتمييز يوميّاً. ويعيشون في حالة دائمة من عدم اليقين إزاء المستقبل. وكل ذلك يترك أثراً على صحتّهم النفسّية.

ومن ضمن المرضى الذين يستفيدون من الخدمات الصحية التي تقدمها عيادة منظمة أطباء بلا حدود في مخيم شاتيلا، عدد من اللاجئين السوريين، وبالأخص النساء منهم، حيث يسعون للحصول على خدمات الرعاية النفسية التي تقدّمها.

تقول سليخانيان: "في ظل الظروف المعيشية الصعبة، نجد أن بعض الأزواج يلجأون إلى تفريغ إحباطاتهم على نسائهم بأشكال متعدّدة، فيتعرض عدد من النساء بشكل منتظم إلى مختلف أنواع العنف، الاجتماعي والاقتصادي واللفظي والجسدي. وليس مفاجئاً في هكذا أحوال، أن النساء يلتزمن بالصمت ويتحلّين بالصبر، بغض النظر عما يختلجهنّ من مشاعر. وتَراهن يكدَحن في سبيل أزواجهنّ وأطفالهنّ، بينما الألم يسكن قلوبهن. إنّ تلك النساء اللاتي لا يسمع أحدٌ صوتهن، ولا يكترث أحدٌ لدموعهن، متعطشاتٌ للرعاية والعطف".

تسرد الأخصائية النفسية: "قابلت بعض النساء من ضحايا العنف، اللواتي يلجأن إلى صبّ جامّ غضبهنّ على أطفالهن، غير أنّه كان باستطاعتي تلمّس مدى الحب والحنان الذي يكنّهنّ لأطفالهنّ، من خلال ما يذرفنه من دموع الندم".

ثلاثة آلاف حالة!
توفّر منظمة أطباء بلا حدود خدمات الرعاية النفسية المجانية لسكان مخيم شاتيلا ومحيطه، منذ العام 2013، و"أنا أنتمي إلى فريق من الأخصائيين النفسيين الذين يؤمّنون الدعم النفسي، الفردي والأسري والجماعي لجميع الفئات العمرية، ومختلف الجنسيات. وقد قدمنا أكثر من 3000 استشارة نفسيّة فرديّة في العام 2017، في عياداتنا في مخيّميّ شاتيلا وبرج البراجنة". 

تشير سليخانيان: "يعاني المرضى الذين أستقبلهم من مجموعة متنوعة من الأعراض، المتعلّقة بالصحة النفسية، وغالبيتها ناجم عمّا عاشوه من محنٍ، وما يختبرونه من ظروف صعبة في حياتهم اليوميّة. وتمثّل الكآبة والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، أبرز الحالات التي نتابعها.. يتمثّل عملي في مساعدة المرضى على التأقلم مع مشاكلهم العاطفية والنفسية من خلال الاستماع إليهم، والتعاطف معهم، والإقرار بمشاعرهم. وأنا أعمل على تثقيفهم بشأن ما يعانونه من أعراضٍ وآثارٍ، تنجم عن التعرّض إلى المِحَن، كما أرشدهم إلى كيفية التغلّب على ما يواجهونه من مصاعب، تترك أثرها على الصحة النفسية. ويعتبر احترام السرية والخصوصية من أهم مبادئ عملنا. ونحن نعمل في الغالب ضمن فرق متعددة الاختصاصات، مؤلفة من عاملين اجتماعيين وأطباء وممرضين، وذلك من أجل ضمان خدمة شاملة لمرضانا على المستوى الجسدي والنفسي والاجتماعي.

عالقون في الزمن
تنتبه سليخانيان إلى سمة أساسية عند سكان المخيم: "على عكس الأماكن الأخرى التي عملت فيها، ينطوي عملي كأخصائية نفسية في مخيم شاتيلا على الكثير من التحديات، ذلك أن المشاكل التي نواجهها لا تتعلق بالصحة النفسية وحسب. فمن الصعب تقديم المساعدة إلى شخص يعاني من مشكلة نفسية، في حين تؤرقه عدم قدرته على تأمين الغذاء لأطفاله أو توفير سكن لائق وآمن لهم". 

تلاحظ أيضاً: "من خلال عملي هنا، بتّ أعرف أنّ اللاجئين عالقون ما بين الماضي والحاضر من دون أي مخرج يلوح في الأفق. فمن جهة، هم يتوقون إلى العودة إلى ديارهم، لكن غالبيتهم تدرك صعوبة الأمر، فبيوتهم حطام، ومعيشتهم تقطّعت سُبُلها. ومن جهة أخرى، هم يتوقون إلى العثور على الأمان، إنما لا غذاء يكفيهم ولا سقف يأويهم، وقليل من الناس من يحترمهم". وتضيف "إنّ العمل مع اللاجئين هو كالعلاج بالنسبة لي، فقد اضطررت مراراً أن أكبح مشاعري أثناء أدائي عملي، لكن في الوقت ذاته، أجد أنّ معنوياتي ترتفع، فالتغيّر الذي يطرأ على حياة الناس، بعد الاستفادة من خدماتنا، هو المكافأة التي ابتغيها من عملي في المخيم. لقد لمست كيف يبدأ الناس بتقبّل واقعهم وببناء قدرتهم على الصمود، ورأيت كيف يستطيع بعض الناس تغيير ظروفهم بعد تلقيهم للدعم النفسي، كما رأيت كيف أنّ باستطاعة الناس أن يستعيدوا الأمل بالإنسانية بعد أن يدركوا أن ثمّة من يهتم بهم".

"أطباء بلا حدود" في شاتيلا
يُذكر أن منظّمة أطباء بلا حدود تتواجد في مخيم شاتيلا منذ العام 2013، وتدير عيادة للرعاية الصحيّة الأوليّة بالإضافة إلى مركز رعاية صحيّة للنساء، وتركّز على تقديم الخدمات الصحيّة المجانية في مجالات رعاية الأمراض المزمنة، واللقاحات، والصحّة النفسيّة بالإضافة إلى حزمة شاملة من خدمات الصحّة الإنجابيّة. كما وتعمل على التشبيك مع منظمات وجمعيّات محليّة ودوليّة لتأمين شبكة إحالة فعّالة للمرضى. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها