آخر تحديث:00:12(بيروت)
الخميس 24/01/2019
share

مبادرة فردية لا الدولة.. تبدد ظلام ضهر البيدر

لوسي بارسخيان | الخميس 24/01/2019
شارك المقال :
  • 0

مبادرة فردية لا الدولة.. تبدد ظلام ضهر البيدر عادت هذه الطريق إلى الواجهة، تزامنا مع تساقط الثلوج التي احتجزت المواطنين لساعات بسياراتهم (الإنترنت)

يعتبر طريق ضهر البيدر أهم طريق في لبنان. لكن هذا الطريق الاستراتيجي غارق في الظلام دوماً. هو أيضاً الطريق الخطير شتاء، والمعرّض للإقفال والانقطاع مع كل عاصفة.

بدءاً من الساعة الخامسة، من مساء يوم الجمعة في 25 كانون الثاني، يفترض أن يدخل طريق ضهر البيدر في عصر الإنارة مجدداً. لكن، حتى لا يسترسل البعض في الظن بقدرة الدولة إذا عزمت، ويطمح لمطالبتها بإنارة باقي الأوتوسترادات والطرق، التي يغرق معظمها بالظلام، لا بد من الإشارة إلى أن إنارة ضهر البيدر خلال عشرة أيام من اتخاذ القرار بذلك، ليس سوى تعبير عن يأس بالدولة، يعريها إلى حد كشف عجزها الفاضح، حتى في أبسط المسؤوليات التي تعنى بسلامة المواطنين على الطرقات العامة، ويضع المبادرة في يد متمولين، ستبقى الشكوك تحوم حول مبادرتهم، مهما كان نفيهم قاطعاً لمحاولة استثمارها في كسب الشعبية السياسية.

الظلام والثلوج
طريق ضهر البيدر ستنار إذاً، والدولة ضيفة الاحتفال، الذي بدأ النائب ميشال ضاهر بتوجيه الدعوات إليه، بعد أن استحضر على نفقته ثلاثة مولدات، ستؤمن نقص الطاقة لإنارة مسافة ستة كيلومترات منها، وتعوض عجزاً على المستوى الرسمي دام سنوات، لا بل عقود، عمّ خلالها الظلام شرياناً أساسياً، يكاد يكون الوحيد شتاءً، ويربط محافظة تمثل 42 بالمئة من مساحة لبنان، بباقي أجزائه، ما تسبب بمعاناة متواصلة لمواطنين، إذا نجوا بقدرهم، زاد كفرهم بدولتهم.

قبل أسابيع، عادت هذه الطريق إلى الواجهة، تزامنا مع تساقط الثلوج التي احتجزت المواطنين لساعات بسياراتهم. فشكل ذلك مناسبة لمراجعة ملفات الحلول العالقة لدى الوزارات المعنية، ولا سيما وزارتي الأشغال والطاقة إضافة إلى مجلس الإنماء والإعمار. وكالعادة، اصطدم المراجعون بالروتين الإداري والعجز المالي، الذي لا يزال يحول دون استكمال الأوتوستراد العربي العالق وسط المعوقات، وآخرها ما يتحدث عنه النائب عاصم عراجي لـ"المدن" عن إنزلاقات في أحد الأقسام المخصصة للأوتوستراد، أدت إلى توقف الأعمال كلياً، لا سيما أن كلفة معالجة هذه العقبة المستجدة قد تصل إلى 50 مليون دولار، وهي غير مدرجة في ميزانية الممولين الأساسيين، أي البنك الإسلامي، والدولة اللبنانية.

مبادرة ضاهر
وهنا، برزت مبادرة ميشال ضاهر، وسط تحرك نواب المنطقة، الذين حاول بعضهم أن يبشر بمشاريع مستقبلية، يمكنها أن تنهي المأساة "بعد عمر طويل"، ومنها ما أعلنه النائب سيزار المعلوف عن سلوك مشروع لتجهيز الطريق بنفق، في مساره التشريعي.

باشرت الفرق الفنية، المكلفة من ضاهر، فوراً، بتركيب المولدات وتجهيزاتها. ولم يتطلب ذلك سوى موافقة شفهية من وزير الأشغال يوسف فنيانوس، من دون أن تمر هبة المولدات في المسار الروتيني لقبول الهبات.

قد تعكس اندفاعة ضاهر لتكفل إنارة الطريق على نفقته، رغبة بحفظ ماء الوجه، بعدما صدّق الوعود الرسمية بإنارة طريق ضهر البيدر سابقاً، إلى حد تبني إعلانها على هامش انعقاد خلوة "تكتل لبنان القوي" في زحلة، بعيد الانتخابات النيابية منذ شهر حزيران الماضي، من دون أن يتحقق ذلك. فقد فهم ضاهر أن حساباته قد لا تنطبق على واقع "البيدر وضهره"، بعد أن جوبه 23 نائبا اجتمعوا مع وزير الأشغال يوسف فنيانوس، في محاولة لخلق قوة ضغط بقاعية من أجل إنتزاع مشروع إنارته، برد فنيانوس القاطع بأن لا إمكانية لإنارة هذه الطريق، طالما أن لبنان "لا يزال يغرق بالتقنين القاسي"، وهو ما يعتبره ضاهر أمراً منطقياً، في بلد لا تصل فيه كمية الإنتاج إلى نصف كمية الحاجة للتغذية.

بذريعة التقنين الكهربائي
ويبدو أن هذا التقنين شكل ذريعة لإهمال الصيانة الدائمة للمصابيح، وخطوط الجرّ، والعلب المجهزة على عواميد الإنارة العامة، بعد تعرضها لسرقات متكررة وأعمال تخريب. علماً، أن وزارة الأشغال تقوم بتلزيم أعمال الصيانة، بشكل دائم، على هذه الطريق. فبعد أن أمن ضاهر المولدات للتغذية الدائمة بالكهرباء، تبين أن هناك واقعاً يرثى له في العلب المجهزة على أعمدة الإنارة، إضافة إلى الحاجة لاستبدال نحو 130 مصباحاً عليها، والحاجة إلى وصلات لربط بعض العواميد. وهو ما بوشر بتأهيله من قبل شركة الصيانة المكلفة من قبل وزارة الاشغال، مقابل استمهال صيانة باقي تجهيزات الإنارة، على أقسام أخرى من الطريق، ومن بينها تلك التي تشغلها الطاقة النظيفة، والتي ستبقى كجزيرة مظلمة بعد إنارة جوارها.. إلى أن يتم التوصل لحل لها أيضاً، من ضمن المبادرة نفسها، كما يؤكد النائب سليم عون.

بيع الأوهام
ولكن على رغم الفرحة بإنارة هذا الشريان الأساسي، يبدو مؤسفاً للنائب عاصم عراجي الاستسلام لفشل كل الجهود التي بذلت سابقاً، من زيارات ومراجعات وملاحقات ومتابعات، لم تثمر ولو إنارة جزئية للطريق. ويرفض عراجي في المقابل أن يفسر ذلك فشلاً لنواب المنطقة، "لأننا كسلطة تشريعية نقوم بواجبنا، من خلال اقتراح المشاريع والحلول، ومنها ما وقّع عليه عشرة نواب مؤخراً لإنجاز نفق حمانا، ولكن لا نريد أن نبيع الناس أوهاماً، هذه مشاريع كلها تحتاج إلى أموال".

يتفوق ضاهر على زملائه بـ"قدرته المالية" طبعاً. وهو، حسب عراجي، قد يكون قادراً على تمويل ولو جزء من حل لمشكلتنا. ولكن هذه حلول لا يمكن أن تكون سوى وقتية، لأن المولدات بالنتيجة تحتاج إلى تشغيل، فمن يضمن تشغيلها إذا لم يعد ضاهر قادراً على تحمل النفقات. من هنا تبدو الصورة سوداوية لدى عراجي، الذي يرى أن البلد مقبل على مشكل اقتصادي، سيؤثر بشكل أسوأ على مشاريع متوقفة بالأساس.

شتم النواب!
بالمقابل لا تبدو ملاحقة النواب للوزارات، بشأن إنارة طريق ضهر البيدر، كافية بالنسبة للنائب سليم عون، الذي يشير في تصريح لـ"المدن" إلى أن أول من يُشتم عند سلوك المواطنين الطريق المظلم هم نواب المنطقة، مع انهم يعيشون معاناة كل الناس. ومن هنا، يثمن خطوة النائب ضاهر، التي يرفض اعتبارها استثماراً بالسياسة. برأيه: "لو كانت الدولة قادرة لما بادر سواها. علما أن العقبة ليست في الكلفة، التي لا تعتبر باهظة، إنما في الروتين الإداري، الذي يغرق به مطلق مشروع ينفذ على مستوى الإدارات الرسمية، فضلا عن اللامبالاة التي يتعاطى بها حتى الموظفون الإداريون مع الملفات الحياتية.. مبرزاً مثالاً على ذلك مشروعاً آخر متعلقاً بالطريق نفسها، لا تزال الإدارات تماطل به منذ فترة طويلة، وهو تزييح الخط الفاصل وتجهيزه بالإشارات الضوئية التي تخفف من الحوادث.

إذا كان فرداً قادراً على إنارة طريق ضهر البيدر، فما هو الحائل على المستوى الرسمي؟ بالنسبة لضاهر، المشكلة لا تنحصر بطريق ضهر البيدر، بل "لا يوجد طريق في لبنان إلا ويعاني الظلمة. وعليه إما أن نستمر بالـ"نق" والشكوى من التقصير، أو نبادر. ويضيف: "البعض قد يسخّف ما نفعله، ولكن هؤلاء كانوا في السلطة لـ30 سنة، ولم يبادروا إلى حل، ربما لأن الأفكار لم تكن موجودة لديهم، أو أن أموالهم عزيزة، إلى حد لا يمكن أن الاستفادة منها في الشأن العام."


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها