آخر تحديث:00:16(بيروت)
الجمعة 18/01/2019
share

حان وقت التحدث عن التحرش بالشبان أيضاً

حلا نصرالله | الجمعة 18/01/2019
شارك المقال :
حان وقت التحدث عن التحرش بالشبان أيضاً مجتمع يرفض أصلاً الاعتراف بحقوق فتاة تعرضت للتحرش، فكيف إذا كان الضحية رجلاً؟ (المدن)

كانت واحدة من أصعب المواقف التي واجهتها، حين لاحظت آية أن سائق التاكسي يتحرّش بشاب، يجلس في المقعد المجاور له.

لسنوات تستقل آية سيارات الأجرة للوصول إلى عملها. إذ تمنحها زحمة السير وقتاً كافياً لقراءة كتاب والاستماع إلى الموسيقى، ريثما تصل إلى وجهتها، فلا تراقب سائق السيارة، ولا تلتفت للزبائن الذين يصعدون وينزلون على طول الطريق. لكن ما صعقها هو عندما لمحت فجأة يد السائق، التي أخذت تروح وتجيئ أمام ناظريها، تعلو وتمتد في مشهد تحرش جسدي واضح يحدث على بعد سنتيمترات منها.

كانت الفتاة العشرينية تجلس في المقعد الخلفي، تماماً وراء الشاب. لتتحول السيارة لأكثر من ثلاث دقائق إلى حلبة صراعٍ مغلقة بين متحرّش وقح، وضحية مرتبكة.

سائق السيارة لمس أذن الشاب مرتين، ومرر يده اليمنى على وجنة الشاب اليسرى، بينما الأخير اتخذ وضعية التضاؤل والانكماش، لاصقاً جسده بالباب.

بذريعة المزاح
أسئلة كثيرة جالت في رأسها. فالسائق يتكلم مع الشاب كأنه يعرفه، ويخبره تفاصيل حياته اليومية، فسألت نفسي لربما يكون والده. الإجابة كانت حاسمة، "كلا" ليس والده. ولكنهما يعرفان بعضهما البعض، فالسائق لا يتجاوز الأربعين عاماً، بينما الشاب يقارب العشرين عاماً. وكان الأخير ينفض يد السائق، التي تلمس شحمة أذنه، ويطالبه بلغة متلعثمة، خافتة وخجولة، أن يكفّ عن فعل ذلك. وكان السائق يرفع وتيرة استفزازه للصبي بمخاطبته بصيغة الأنثى.

حاولت آية توثيق ما يحدث، لكنها لم تفلح في التقاط صورة واضحة. لأن السائق كان يسدّد نظراته نحوها عبر المرآة، وكانت النظرات بينهما سبباً كافياً لردعه.

في مثل هكذا مواقف، تتداخل مشاعر آية بسرعة. ومن مساوئ ارتباكها حين تتورط في مأزقٍ، أن تحمرّ أذناها فتصيرا كقطعة ثلجٍ. وهو ما شعرت به حين سألها السائق، "يبدو أن شيء ما أزعجك؟"، فلم تجبه. حينها غدا السائق كائناً ساخراً خبيثاً. فصارت هي هدفه الجديد، مبدِلاً صوته إلى النغمة النسائية وهو يخاطبها.

طلبت آية من السائق أن يتوقف، لأنها ما عادت راغبة أبداً بالوصول إلى منطقة الصنائع، وجهة عملها. نزلت آية من السيارة مكملة طريقها مشياً إلى العمل. ففكرت بأسباب عجزها عن مواجهته، وعن استقالتها السريعة من مساءلته عمّا يفعله. وما زالت إلى اليوم، تصارع ملامح وجه الشاب، الذي حفظت أجزاءه، من خلال مرآة السيارة الأمامية، فتتذكر شعره الأشقر ووجهه الوردي وذقنه الفتيّة، المملؤة بالفراغات.

برع السائق في تلوين أفعاله المنحطة بثوب المزاح. وهو حال أغلب المتحرّشين، الذين يبتدعون أساليب ملتوية، فيسقطون تحرّشهم في خانة المزح، كآلية للهرب من الموقف في حال فضحه. لذلك، كان السائق يسارع بالرد على انزعاج الشاب بالقول "أنا أمزح معك".

جرأة النساء.. خجل الرجال
عندما ينفّذ المغتصب جريمته، فإنه يكشف عن طبيعة عدائية. بينما يُخفي المتحرّش عدوانيته بالمرونة، مبيحاً لنفسه الاعتداء على الآخرين، بأساليب ناعمة، تحت ستار العبثية والتملق والسخرية. وبين جدية تحرّشه وتوخيه الحذر من أي رد فعلٍ، قد تخرج عن سيطرته، يمرر عدوانيته وفظاظته ضدنا.

متى كان ضحيّة التحرّش ذكراً لا أنثى، تصبح القصة مختلفة. عام 2017، تجرأت نساء من حول العالم على فضح أسماء من تحرّش بهنّ. وهنّ يخضن حاليأ حملات إعلامية وتوعوية قوية، على وسائل التواصل الإجتماعي، ضد ظاهرة التحرّش. بينما قلة قليلة من الرجال تجرأوا على فضح أسماء رجال آخرين تحرشوا بهم.

يقول أحد ضحايا التحرّش، واسمه ع. ز، لـ"المدن": "لدى كل شابٍ ذكريات سرّية مؤلمة يُقفل عليها، وأسوأها تجارب التحرّش. إذا سألنا عدداً كبيراً من الشبان: هل تعرّضوا لتحرّش جنسي؟ أغلبهم سيجيب: نعم."

حسب ع. ز، الرجل لا يفصح عن هكذا مسائل حساسة، لأنها محرجة جداً. فكشف القصة أمام الآخرين قد تعرّضه لأسئلة حول رجولته، أو ما هي الأسباب التي دفعت رجلاً إلى التحرّش به جنسياً: "تلام الأنثى حين تتعرّض للتحرّش، ويقال لها مثلاً أن ملابسك كانت سبباً لما حصل لك، بينما الشاب ستوجّه إليه أسئلة محرجة عن ميوله الجنسية، وسيخترعون قصصاً حوله لا تنتهي. لذلك يفضّل الشاب أن يسكت، بدلاً من خوض معركة ضد مجتمع يرفض أصلاً الاعتراف بحقوق فتاة تعرّضت للتحرّش، فكيف إذا كان الضحية رجلاً؟".

"أنا أيضاً"
يشغل سؤال "ما السبب الذي يجعل الرجال مترددين في فضح من يتحرّش بهم جنسياً"، مساحة مهمة من المواضيع التي تناقشها الصحف ومراكز الأبحاث الأجنبية، بعد أن تبيّن أيضاً، على وقع حملة "أنا أيضاً"، عدم تجرّؤ الذكور على الحديث عن تجاربهم.

ورغم العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنجم عن التحرّش الجنسي ضد النساء، فإن التحرّش ضد الرجال لا يُؤخذ على محمل الجد، من قبل الرجال  أنفسهم، ولا يتم رفعه إلى مستوى "قضية نضال" لهم، تواكب حركات التحرر النسوية. لذلك، فإن فضح الرجال لمن يتحرّش بهم يتوازى مع سمة العار، وشبهة نقص الرجولة وضعفها. فالرأي "الذكوري" السائد، أن الرجولة تفرض على الشاب الدفاع عن نفسه.

أغلب الدراسات والإحصائيات جديدة التي تتناول التحرّش، بدأت تجري دراسات موحّدة على الذكور إلى جانب الإناث، كأفراد يتعرّضون للتحرّش، في العمل أو في أماكن أخرى. ويظهر محرّك البحث "غوغل" وجود عشرات التقارير والأبحاث حول قضية التحرّش ضد النساء، بينما المواد البحثية التي تتناول التحرّش بالرجال تتصف بالندرة.

العمر والطبقة الاجتماعية
من بين المقالات، واحدة تشير إلى أن الأكثر عرضة للتحرّش هم الرجال النحيفين جسدياً، أو الذين تتخذ ملامح وجوههم شيئاً أنثوياً، أو المنتمين إلى الأقليات الجنسانية، والمنخرطين في ميدان الدفاع عن الحقوق النسوية.

في دراسة لديبورا زلسني بعنوان "عندما يتحرّش الرجال بالرجال"، إشارة أن متى وقع تحرّش جنسي من رجل ضد رجل، تعود الفكرة التي تجعل الضعف والعجز عن الدفاع عن النفس كمسألتين تتنافيان مع الذكورة، التي من بين ما تفترضه قوة الدفاع عن النفس، والصلابة لردع الاعتداء.

يتعرّض الذكور للإستغلال الجنسي حين يكونون في مرحلة المراهقة، وأولى مراحل العشرينات من عمرهم، أو حين ينتمون إلى طبقات اجتماعية متدنية، أو حين يتولون وظائف متدنية المستوى والقيمة، فيكونون عرضة لشتى أنواع المضايقات اللفظية، عبر كلمات نابية، تشمل أعضائهم الجنسية، من قبل من هم أعلى منهم وظيفياً. وتشبه آليات التحرّش بالذكور تلك التي تعترض لها الإناث. فينعت المتحرّش الأنثى أنها عاهرة، بينما يُفضّل نعت الشاب بألفاظٍ  تسيء لرجولته أو تنتقص منها.

من هوليوود إلى العالم العربي
في أميركا وأوروبا، نجحت حملة "أنا أيضاً"، التي خاضتها نساء في فضح أسماء متحرّشين، بإعادة النقاش مجدداً حول التحرّش، وزيادة الوعي حول الظاهرة، وكسر المخاوف المحاطة بها. بالتوازي مع الحملة، خرجت دعوات تشجّع الذكور، للتحدث عما يتعرّضون له من تحرّش. وقد بيّنت دراسة أميركية، أجريت على 522 شخصاً، أن 37 في المئة من الرجال الذين شاركوا بالدراسة، اشتكوا من تعرّضهم للتحرّش في العمل.

ومع حملة "أنا أيضاً"، وزيادة مساعي دمج الذكور فيها، يحاول متخصصّون ومرشدون نفسيون إرشاد الذكور في كيفية حماية أنفسهم من حوادث المضايقة الجنسية، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المتحرّشين. فقد أفصح الممثل الأميركي تيري كروس عن تعرضه للتحرّش من مدير تنفيذي مرموق في هوليوود. وبعدها صرح الممثل جيمس فان دير بيك أنه تعرّض للتحرّش من رجل قوي في هوليود، ورجحت الصحف أن يكون المتحرّش منتج الأفلام هارفي وينستاين.

في البلدان العربية، مازالت معركة النساء ضد القوانين المجحفة بحق اللواتي يتعرّضن للتحرّش أو الاعتداء أو الاغتصاب، في بدايتها. علماً أن الحركة النسوية، في عدد من الدول العربية، نجحت في تحسين المسار القضائي المتعلق بمحاسبة المحترّش، وتشجيع النساء على الإبلاغ عن متحرّش لدى الأجهزة الأمنية، بينما الذكور ما زالوا يخوضون معركة صامتة، ضد تابوهات وضعها المجتمع، من ضمنها العار وانتقاص الرجولة، في حال أفصح عن تحرّشٍ وقع ضحيته.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها