آخر تحديث:11:49(بيروت)
الإثنين 10/09/2018
share

اكتشف البقاع الحقيقي: رحلة تراثية سياحية

لوسي بارسخيان | الإثنين 10/09/2018
شارك المقال :
  • 0

اكتشف البقاع الحقيقي: رحلة تراثية سياحية رحلة بين المعابد الرومانية المنتشرة على طريق القوافل (لوسي بارسخيان)
"لا يمكن اختزال البقاع بقلعة بعلبك أو قلعة عنجر أو وادي البردوني، ولا سهله بتجارة الحشيشة والممنوعات، ولا انهره بالتلوث، ولا أهله بالخروج على القانون وافتعال المشاكل الأمنية... إنما في هذا الجزء من لبنان، غنى حضاري مغمور، زادت في طمسه، "نمطية" التعاطي مع المكان وأهله، انطلاقاً من صورة يتغلب فيها الجزء على الكل، لتخفي مميزات معالم، يمكن بالاضاءة عليها أن تحوّل البقاع وضيعه المنسية وجهة سياحية غنية بتنوع، يعطي لكل موسم نكهته".

انطلاقاً من هذه الجدلية، ومن سعي لكسر الصورة النمطية حول البقاع، كانت فكرة "المسارات" التراثية التي اقترحها فريق من المتطوعين في مشروع "تراثي" يقوده شباب من مختلف المناطق، ويجمع أفراداً من المجتمع المحلي على تنوع خلفياتهم، للاحتفال بالتراث الثقافي للبنان، وقد موّله صندوق الحماية الثقافية التابع للمجلس البريطاني، وتتولى تنفيذه منظمة البحث عن أرضية مشتركة، بالشراكة مع جمعيات اركانسييل، بلادي، ونحن. فكانت وجهة فريق المتطوعين الأخيرة إلى البقاع، قبل الانطلاق في دعوة "الراغبين في وجهات سياحية مختلفة" للتعرف إلى المسارات التي اقترحها المتطوعون بدءاً من طرابلس إلى الصرفند، فبكفيا وبيت شباب وصليما وصولاً إلى زحلة وقضائها.

طريق القوافل
من زحلة امتدت مسارات متطوعي فريق البقاع إلى قصرنبا عند حدودها مع البقاع الشمالي وقب الياس عند حدودها مع البقاع الغربي، مقترحين ثلاثة مسارات، يرتبط كل منها بخاصية موجودة في القرى، تؤمن للزائر "قيمة مضافة" يبحث عنها في رحلاته.

عليه، انطلقت رحلة فريق تراثي من "طريق القوافل والمواسم"، الذي يأخذ السائح، وفقاً لشرح المشروع، "في رحلة بين المعابد الرومانية المنتشرة على طريق القوافل ما بين قصرنبا، تمنين الفوقا، نيحا، والفرزل".

الدعوة ليست لزيارة المواقع الاثرية فحسب، إنما للتعرف إلى خصوصيات القرى وسكانها، الذين تنتظم حياتهم حول المواسم الزراعية المتتالية، بدءاً من موسم الورد وقطافه وتقطيره الذي يميز قصرنبا، خصوصاً في شهري نيسان وأيار، إلى موسم حواش ورق العنب في نيسان أيضاً، وصناعة حامض الحصرم في تموز، وموسم العرق وتقطيره عرقاً وتخميره بين أواخر أيلول وتشرين.

في هذا المسار، تعرف فريق تراثي على عنب العبيدي في النبي ايلا، وهو من أصناف العنب ذات الاصول اللبنانية، وفق الدراسات الجينية لـWINES MOSAIC. لم يكن سهلاً على المنظمين أن يجدوا كرم "عبيدي" بعدما تراجعت زراعته لمصلحة الأنواع المستوردة. من هنا، كان هدف الزيارة دعوة اللبنانيين إلى "حسن تقديره"، سعياً للحفاظ على ميزة لبنانية، تعرف إليها فريق "تراثي" لاحقاً في خمارة سان توماس، على لسان جو أسعد توما وهو من جيل صانعي الخمرة الخامس في عائلة توما، ومن أدخل العبيدي في صناعة النبيذ.

مسار المياه والشمس
انتقلت الرحلة إلى المسار الثاني المقترح من قبل فريق تراثي: "قب الياس مسار المياه والشمس".

شرح توما الظروف التي دفعت بسان توماس إلى انتاج النبيذ من العبيدي، بما تحمله التجربة من مغامرة، خصوصاً أن النبيذ منتج دقيق تتأثر جودته بأصغر العوامل المرافقة لعملية التصنيع.

ما لاحظه توما من خلال المشاركة في معارض النبيذ في الخارج أن السؤال الذي يطرح فور تذوق نبيذ لبناني، هو عن نوعية العنب المستخدم في المنتج. وكان كثيرون يتفاجأون باستخدام العنب المستورد، مع أن لبنان عرف بانتاج النبيذ منذ 4 الاف سنة. فـ"بحثنا عن أنواع العنب اللبناني التي يمكن استخدامها في النبيذ، وذلك بهدف ربط النبيذ اللبناني بهوية العنب المنتج بأرضه أيضاً. فكان سهلاً أن تبدأ تجربتنا بالعبيدي المستخدم أساساً في صناعة العرق، كما أنواع المرواح والمغدوشي والبخوري والزيتوني والصباغية وغيرها، التي للتأكد من أصولها اللبنانية أرسلت لتفحص في مختبرات فرنسا وسويسرا، فتبين من العينات أن جينات العبيدي وحدها لبنانية مئة في المئة من بين 3600 نوع عنب من بلدان العالم تحفظ هذه المختبرات أصولها". 



حيدرة
بمزيد من الوعي بشأن ضرورة التمسك بالتراث الزراعي اللبناني، مع جرعة تذوق لطيب انتاجه، أكمل فريق "تراثي" مساره في قب الياس. البقاع الغربي في المقابل هو وجهة يبحث فيها كثيرون عن هواء عليل يملأون به صدورهم المتخمة بالتلوث المحيط بهم. ولكن، في طريقهم إلى عميق، كفريا، مشغرة، وصولاً إلى القرعون، لا يتنبه كثيرون لمحطة في قب الياس تتميز بغنى ايكولوجي وطبيعي، وتاريخي، يعود إلى زمن الحضارات الآرامية والآشورية مروراً باليونانية والفارسية فالمسيحية والإسلامية، فيها بعض من قصص نشوء لبنان في زمن الصراعات الكبرى.

أبرز محطات مسار قب الياس، إلى حيدرة، وهي آثار لمعبد محفور في الصخر، فيه 3 أبواب أكبرها الاوسط، يمكن مشاهدته من أمام سوق الخضار المركزي في البلدة الذي يؤمن الانتاج لكل لبنان، أو الاقتراب أكثر لرؤية تفاصيل ما يعتقد أنه كان معبداً للشمس بحجارته المصقولة التي تعكس اشعة الشمس. علماً أنه واحد من المواقع التي يعمل عليها "مشروع السياحة البيئية والحفاظ على التراث في قب الياس"، في إطار برنامج بناء التحالفات للتقدم والتنمية والاستثمار المحلي- بلدي.

إلى "العلالي" يأخذ هذا المسار، وصولاً إلى آخر جدار صمد من قلعة قب الياس التي انتقلت منها غزوات عدة خلال التاريخ وخربتها الحروب والزلازل، ليستكمل باكتشاف تعدد العهود التي مرت على حجارة مسجد قب الياس، والتوغل أكثر إلى شوشان، وهو "الاسم الآرامي للسوسنة، حيث الحي القديم لقب الياس بعمارته التراثية، والتنوع الايكولوجي، الذي يجمع حدة العيش في المغاور المحفورة بالصخر وعذوبة الهواء الطلق". لتختتم الجولة بزيارة لكنيسة مار جرجس بمزرعة بمهريه، التي تشكل أحد معالم السكن في هذه المنطقة قديماً.

مهرجان العرق
ختام جولة فريق تراثي، بعد التوقف في مهرجان العرق الذي بات تقليداً تنظمه اركانسييل منذ ثلاث سنوات في خان المقصود بتعنايل، بما يجسده من قدرة على تعريف اللبنانيين إلى بيوت الطين التي سكنها الأسلاف، كان في زحلة أيضاً. وإذا كانت هذه الجولة قد بدأت في مقام سيدة زحلة والبقاع الذي يشكل محجاً دينياً للبنانيين من مختلف المناطق، فإن ذلك لم يكن إلا لإلقاء النظرة على زحلة من فوق، ليكتشفوا اختلافها من "تحت".


داخل الزواريب جال الفريق في زحلة، ليتعرف إلى المدينة من خلال كنائسها، بمسار ضمن الأدراج، يخبر قصة مدينة تختزن رغم صغر سنها (نحو 300 سنة) كثيراً من حكايات ناس أسهموا ببنائها، فشكلت علامة فارقة بين مختلف المدن الكبرى، جعلتها عاصمة للبقاع، وكان لها علمها، ونشيدها، وتمثالها وحتى نظامها الخاص الذي أدارت من خلاله شؤونها منذ عهد المتصرفية. لتنتهي الرحلة في حديقة "الممشية" التي سميت بحديقة الشعراء، تمسكاً بهوية زحلة "مدينة الشعر والخمر".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها