آخر تحديث:16:44(بيروت)
الأربعاء 23/05/2018
share

"الحوت الأزرق"يتسبب بسقوط ضحية في لبنان:كيف،ولماذا لا يُمنع؟

إيناس شري | الأربعاء 23/05/2018
شارك المقال :
  • 0

"الحوت الأزرق"يتسبب بسقوط ضحية في لبنان:كيف،ولماذا لا يُمنع؟
نوبات خوف، قلق غير مبرر، سهر طوال الليل وقضاء ساعات على الهواتف أو الأجهزة اللوحية، وشوم غريبة وأسئلة حول الإنتحار.. هذا ما لاحظه ذوو أطفال أو مراهقين أقبلوا على الإنتحار في بلدان مختلفة وقيل إن لعبة "تحدي الحوت الأزرق" كانت السبب.   

قبل أيام، حدث الأمر في لبنان، وشغل اللبنانيين بعدما كانوا يقرأون تلك القصص المفزعة باعتبارها بعيدة منهم. سقط ليث أشرم (16 عاماً) من شرفة منزله في الطبقة الرابعة من أحد أبنية بيروت، وعائلته تتحدث عن احتمال انتحار وعن تغيرات ظهرت في سلوكه، منها تعلّق غير طبيعي بالهاتف، وسهر طوال الليل، والمشي على حافة الشرفة، وصولاً إلى السؤال عما إذا كان الانتحار جريمة يعاقب القانون مرتكبها في حال لم تنجح المحاولة، وفق ما نقلت وسائل إعلام. خبر ليث، وأخبار الإنتحار التي ارتبطت بلعبة "تحدي الحوت الأزرق"، تثير أسئلة علمية جدية بشأن كيفية سيطرة هذه اللعبة على المستخدم وإيصاله إلى الإنتحار، ومدى قدرتنا على السيطرة عليها تقنياً.   

"الحوت الأزرق" ليس السبب المباشر
على الرغم من ربط "تحدي الحوت الأزرق" بانتحار عدد من الأطفال والمراهقين حول العالم، لا دليل علمياً اليوم على أن هذه اللعبة هي السبب المباشر للإنتحار. وهنا يقول أستاذ علم النفس التربوي في الجامعة اللبنانية، الدكتور بسّام سكريّة، إنه مما لا شك فيه أن هذا النوع من الألعاب يتحكم بالطفل أو المراهق وصولاً إلى التحدي الأخير، وهو تحدي الإنتحار، وأنه قد يكون هناك رابط بين اللعبة والإقدام على الإنتحار، إلا أنّ هذا الأمر لا ينفي وجود عناصر أخرى أساسية يجب التعامل معها قبل الحديث عن اللعبة بحد ذاتها، لا سيما أن انتحار المراهقين هو موضوع قائم بحد ذاته.

ويشرح سكريّة أنّه في حين يجب القلق من مخاطر هذه اللعبة، لا يمكن إلقاء اللوم  عليها بالكامل، خصوصاً أنها تكون أكثر قدرة على التحكم بأطفال ومراهقين يعانون أصلاً مشاكل نفسية، أهمها التقدير السلبي للذات، والشعور بعدم الكفاءة، والرفض أو الإهمال من قبل المحيط، بدءاً من العائلة وصولاً إلى المدرسة. ويضيف أنه عندما يشعر الطفل أو المراهق بالإهمال أو بالرفض، يبحث عن إثبات الذات بطرق قد تكون واحدة منها قبول تحدي "الحوت الأزرق"، وكلما نجح في تحدٍّ، ارتفعت عنده جرعة الإحساس بإثبات الذات، ليشعر بأنه فرد له قيمه وأنه قادر وموجود، فيزداد تعلّقاً باللعبة.

ويضيف سكريّة أن عامل التحدي هو أساساً جزء من مرحلة المراهقة. فكلنا يعرف كيف يتحدى المراهقون بعضهم البعض في أمور صغيرة، لذلك تسهل السيطرة عليهم من قبل القيمين على لعبة "الحوت الأزرق"، خصوصاً إذا كانوا يعانون مشاكل نفسية.

ويرى سكرية أن المراهقين والأطفال الذين يفتقدون الإهتمام في المنزل، أو يتعرضون للتنمر في محيطهم، لا سيما في المدرسة، أو يتعرضون للتحرش الجنسي، قد يهربون من عالمهم الحقيقي إلى العالم الإفتراضي، ظنّاً منهم بأنّ هذا العالم هو أكثر أماناً، وهنا قد يصطادهم القيمون على "الحوت الأزرق"، مضيفاً أنه عندما يشعر الطفل أو المراهق بالضعف نتيجة العوامل المذكورة، يأتي تحدي "الحوت الأزرق" فيشعره بأنه قوي.

الإنتحار لا يأتي فجأة
عندما نقرأ قصص مَن رُبط انتحارهم (أو محاولة الانتحار)، بلعبة "تحدي الحوت الأزرق"، نلاحظ كيف أعطى هؤلاء مسبقاً، إشارات معينة لم تصل ربما إلى محيطهم. وفي هذا الصدد، يقول سكريّة أن الانتحار لا يأتي فجأة، أي أن الطفل أو المراهق، وقبل إقدامه على الإنتحار، يعطي إشارات يجب التنبه لها ومعالجتها، وأهمها تغيّر الروتين اليومي للطفل أو المراهق، وفقدان الإهتمام بأنشطة كانت محط اهتمامه من قبل، إضافة إلى نوبات غضب أو بكاء غير مبرّرة مترافقة مع صعوبات في النوم وربما مشاكل في الشهية.

ويضيف الدكتور أنّه، من الإشارات التي يجب التنبه إليها أيضاً، ابتعاد الطفل أو المراهق عن محيطه الإجتماعي، وتفضيله العزلة، وجلوسه لساعات على الهاتف أو الأجهزة اللوحية، شارحاً إن هذه العوارض لا تعني بالضرورة وصول الطفل إلى الإنتحار، لكنها بالتأكيد تشير إلى مشكلة نفسية يجب معالجتها قبل فوات الأوان. ويعتبر سكرية أنّه من الصعب لألعاب مثل "الحوت الأزرق" السيطرة على مراهق أو طفل يعيش في كنف أسرة، أفرادها موجودون فعلياً وليس شكلياً، مشيرا إلى ضرورة البحث دائما عن أنشطة مشتركة يقوم بها الطفل أو المراهق مع أفراد الأسرة، بالإضافة إلى عنصر الحوار، وطبعا إلى مراقبة أنشطة الطفل الإلكترونية وتحديد ساعات استخدام الإنترنت.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان من الجيد أن يخبر الأهل أطفالهم، الذين لا يعرفون "الحوت الأزرق"، عن اللعبة وأضرارها، يرى سكرية أنه يجب القيام بذلك، لأنّنا لا نستطيع السيطرة على كل المعلومات التي تصل إلى الطفل، فهو قد يسمع عن اللعبة من أصدقائه في المدرسة على سبيل المثال، لذلك من الأفضل أن يعرف المعلومة الصحيحة ومن مصدر موثوق أي الأهل.

وسائل التواصل تسهّل اصطياد الضحايا
غالباً ما يعبر المراهقون عن مشاعرهم وحالاتهم النفسية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، والتي من خلالها يستطيع القيمون على لعبة "الحوت الأزرق" اختيار المستخدم الأكثر هشاشة وتقبلاً لهذه اللعبة، ما يجعله "ضحية" أكيدة.

وفي هذا الإطار، يقول أيمن صلاح، الصحافي المتخصص في المجال التقني ووسائل التواصل الإجتماعي، إن المعلومات  التي ينشرها المستخدم نفسه في الصفحات الخاصة به في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تشكل قاعدة بيانات يختار القيمون على اللعبة من خلالها المستخدم الذي يمكن أن يكون أكثر تقبلاً وتفاعلاً مع هذا النوع من الألعاب. فكما تُستغل هذه البيانات في مجال السياسة والانتخابات، كذلك في مجال التسويق والإعلانات يمكن استغلالها لنشر لعبة معينة.

ويضيف صلاح أنّه بالإضافة إلى قاعدة البيانات، تعتمد اللعبة ايضاً على مفهوم "التقارب"، فلكل شخص في "فايسبوك" مثلاً مجموعة من الأصدقاء الذين يشبهونه فيقوم هو بدعوتهم.

تقنياً، حظر اللعبة ليس سهلاً
بعد الضجة التي أثارتها لعبة "الحوت الأزرق" مؤخراً في لبنان، وبيان الـمديـرية العـامة لـقـوى الأمن الداخلي الذي حذر من مخاطر هذه اللعبة، يبقى السؤال: لماذا لا تحظر هذه اللعبة من الإنترنت نهائياً؟ لكن، يبدو أنّ الموضوع ليس بهذه السهولة، لا سيّما أن هذه اللعبة تقوم على نظام الدعوة التي ترسل عبر وسائل التواصل الإجتماعي، خصوصاً "فايسبوك".

يقول مسؤول المحتوى الرقمي لدى جمعية "سمكس"، عبد الغني قطايا، إنّه في حين يمكن لـ"فايسبوك" حظر لعبة "الحوت الأزرق" كتطبيق طرف ثالث، فيمنعه من استخدام موقع التواصل لتسجيل اللاعبين أو نشر روابط اللعبة، كما تفعل مع محتويات أخرى، إلّا أن الأمر يبدو صعباً لأنه لا يوجد تطبيق خاص أو موقع إلكتروني رسمي لهذه اللعبة، ودعوات الانضمام إليها تأتي كلّ مرّة من رابط مختلف ومن منصّة مختلفة.

ويضيف قطايا إن هذه اللعبة يديرها أشخاص حقيقيون، يتواصلون مع اللاعبين ومع من يريد أن ينضمّ إليها، عبر اللعبة نفسها، ومن خلال شبكات ومنصّات عديدة مثل vk.com وغيرها. وهذه المنصات، بخلاف "فايسبوك" و"تويتر"، بعيدة من عيون الرقابة، بالإضافة إلى صعوبة العثور على القيّمين على اللعبة ضمن منصّة واحدة، إذ يمكنهم الانتقال من منصّة إلى أخرى إن شعروا بأنهم ملاحقون.

ومن العوامل التي تصعّب ملاحقة التطبيق أو رابط الدعوة إليه، أن القيمين عليها ينشرون اللعبة نفسها بأسماء مختلفة عن الاسم المعروف "الحوت الأزرق" (BlueWhale)، وبتوصيفات (description) مختلفة أيضاً.

وبالتالي، بحسب قطايا، لا يمكن للدولة اللبنانية، أو مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية، التدخل لحظر اللعبة محلياً. ففي كلّ الأحوال، التطبيق محذوف من متجر التطبيقات "بلاي ستور"، ولا يمكن العثور عليه بسهولة إلا بدعوة من أحد الأشخاص، أو البحث عن المنصّات التي تنشر هذه اللعبة. ويؤكد قطايا أنه ضد الحجب، الذي لا يعتبره حلّاً مناسباً في معظم الأحيان، وأن الحماية تبدأ من المنزل.

فكيف نحمي أطفالنا؟
يرى قطايا أن الحل التقني لحماية أطفالنا في شبكة الإنترنت، يكون عبر تحديد التطبيقات التي يمكن للأطفال تحميلها على هواتفهم وأجهزتهم العاملة بنظام "أندرويد"، باستخدام "غوغل بلاي". وذلك بالذهاب إلى القائمة الرئيسية، ومن ثمّ "الإعدادات" (settings) والنزول إلى "عناصر تحكّم المستخدم" (user controls)، فالانتقال إلى "التحكّم الأبوي" (parental controls) وتشغيل "الرقابة الأبوية" (On). وبعدها إنشاء "رقم تعريف شخصي" مختلف عن كلمة مرور الخاصة بالهاتف، والدخول في القائمة نفسها إلى "التطبيقات والألعاب"، ومن ثمّ اختيار الفئة العمرية الأقصى المسموح بها.

ولأنّ الطفل يمكن أن يقوم بتحميل تطبيق من خارج متجر "غوغل بلاي"، ينبغي الذهاب إلى إعدادات الهاتف، ومن ثمّ "شاشة القفل والحماية" (lock screen and security)، والنزول إلى كلمة "مصادر غير معروفة" (unknown source)، والتأكّد من إزالة العلامة لعدم تمكين الهاتف من تحميل تطبيقات من خارج المتجر الرسمي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها