آخر تحديث:00:19(بيروت)
الخميس 06/12/2018
share

محنة اللبناني في طريقه من الشمال إلى بيروت

جنى الدهيبي | الخميس 06/12/2018
شارك المقال :
  • 0

محنة اللبناني في طريقه من الشمال إلى بيروت لكلّ يومٍ من أيام الأسبوع نكهته في "رحلات السفر" من الشمال إلى بيروت (Getty)
لأهالي الشمال قصصهم مع الطريق إلى بيروت. سؤالٌ واحدٌ عن معاناتهم وأخبارهم أو ربما طرائفهم، وهم يقضون الساعات إيابًا وذهابًا إلى العاصمة، كان كفيلًا لتنهال مئات الروايات والحكايا. لا تهم وسيلة تنقلك. في سيارتك الخاصة، في فانات "الموت" السريع، في باصات الأحدب، أو في باصات الكونيكس المرفهة. فمع كلّ وسيلةٍ نقل، ثمّة قصص لا تشبه قصص التنقل في وسيلةٍ أخرى. وداخل كلّ واحدةٍ، مئات التجارب المتشابهة، والفريدة أيضًا.

يوم الإثنين.. يوم الجمعة
لكلّ يومٍ من أيام الأسبوع نكهته في "رحلات السفر" من الشمال إلى بيروت. يوم الإثنين، هو يوم الذهاب الأعظم. يوم الجمعة، هو يوم الإياب الأعظم. لا تسأل في هذين اليومين عن الزحمة. فهما، موعد كفر الناس من الازدحام الخانق. وبدل قضاء ساعةٍ ونصف على الطريق، اضربهم باثنين وأنت مرتاح البال. أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، لا تخلو من الزحمة، وهي فعليًا، "أنت وحظّك". لكنّ، حسبك أن يغدرك الطقس بجوٍّ عاصف وأمطارٍ غزيرة، فحينها سيغدرك الوقت حتمًا. أمّا السبت والأحد، فهما يوما الاستمتاع بالطريق من دون زحمة. ومع ذلك، احذر طريق الآحاد في الأعياد.

تتمايز قصص الرجال والنساء عن بعضها في الطريق من الشمال إلى بيروت، والعكس أيضًا. كأنّ لهذا الطريق سجلٌ احتل حيزًا من الذاكرة الجماعية والفردية. كيف لا، فيما هي تستنزف عمرًا من حياة الذاهبين والآيبين. وفي سؤال "المدن" لعددٍ من الشباب والشابات والراشدين عن محنتهم مع الطريق، تقاطعت الحكايا في جوانب، وتباينت في جوانب أخرى، عن طريق يُخبئ كثيرًا من الأسرار، ويكشف كثيرًا من السلوكيات وتحولاتها أيضًا. 

تسلية وحيوانات
ريم التي تنتقل في سيارتها من طرابلس إلى بيروت لوظيفتها الرسمية، تضطر صباح الاثنين أن تنطلق قبل الساعة الخامسة فجرًا حتّى تصل إلى الدوام الذي ينتهي الثالثة عصرًا، إذ تحتاج يوميًا نحو 4 ساعات أقلّه على الطريق. أمّا هذه الساعات التي تعتبرها وقتًا ضائعًا، تقضيها ريم على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم اعترافها أنّها المسبب الأكبر للحوادث. لكن، "لا غنى عنها للتسلية"، تتابع مستغربةً: "ما بعرف كيف كانوا قبلها يموهون عن أنفسهم على الطريق".

أّما رستم الذي جاء من بيروت إلى طرابلس لتعليم الموسيقى، فأكثر المشاهد التي تُطبع في ذاكرته على الطريق، هي مشاهد جثث الحيوانات من كلابٍ وقطط مشلوحةٍ على الأوتوستراد، إثر اصطدامها بالسيارات والمركبات الكبيرة. فـ"ما يؤسفني ويحرق قلبي هو الحيوانات المقتولة بسببنا،  وبسبب غياب الإنارة على الاوتوستراد، من دون أن يكترث أحد لذلك".

تقصد ريان من طرابلس يوميًا جامعتها في الحدث. لكنها تفضّل الذهاب في سيارتها الخاصة، حتى تتحكم بوقتها ومشوارها وتأخذ راحتها، رغم معاناتها من جنون الفانات العابرة على طريقها: "في سيارتي، أقضي الوقت بإرسال التسجيلات الصوتية وسماعها، مع تناول الشراب والطعام وكيس المخلوطة".  لكنّ رامي، الذي قضى على طريق طرابلس – بيروت أكثر من 8 سنوات، وهو يتوجه بسيارته لوظيفته، يعتبر أنّ هذا الطريق سرق جزءًا كبيرًا من عمره، يقول: "لا أحب أن اننتقل للعيش في بيروت مع عائلتي، لأنني أحبّ مدينتي. ورغم هذه السنوات الطويلة، ما زلت أجهل كثيراً شوارع بيروت الضيقة ومحالها، لأنّ ضيق الوقت لا يسمح لي بالتجول فيها".

جنون الفانات
أكبر معاناة عامر أثناء تنقله بالفانات السريعة إلى بيروت، يعبّر عنه بسخرية، وهي معاناته مع الروائح. يقول: "في كلّ مرّة أصعد الفان، أحمل في جيبي عطرًا لأرشحه من كلّ الجوانب. والغريب أنّ المقصود يسأل دائمًا: عنجد في ريحة قوية؟".

وفيما يحكي بشار عن هوايته بفتح نقاشٍ سياسيٍ مع الجالسين قربه في الباص، "تنطّ" المدام "الكلاس" من ورائه، لتقول له: "نوّس صوتك بدّي نام". لكن شابًا آخر، يتحدث عن معاناته على الطريق في الفانات بسبب دوامه الليلي، وهو لا يملك سيارة خاصة. فبعد أن يسرّب من عمله عند الثالثة فجرًا، يواجه كمًا هائلًا من الشواذات والمضايقات ومحاولات التحرش على الطريق وفي الفانات. في إحدى المرات، "اعترضتني مجموعة من الشباب السكارى، وأطلّ أحدهم من سيارته ليضربني ببيضة، شعرت كأنّها رصاصة أصابتني". أمّا علاء، فيعتبر أنّ الفانات التي يتنقل بها أسبوعيًا من طرابلس إلى بيروت، حسّنت من ذوقه الفني في سماع الأغنيات الصاخبة التي كان يجهلها.

طريق النساء
تعترف أورنيلا، وهي من سكان زغرتا، أنّها بسبب طلعتها الأسبوعية من بيروت إلى الشمال، لقضاء العطلة مع عائلتها، أصبحت لا تطيق قيادة السيارة. وحين تصل إلى زغرتا، تركن سيارتها جانبًا، ولا تستعملها اطلاقًا، فيتولى أصدقاؤها مهمة توصيلها في مشاويرهم. أكثر ما يزعج أورنيلا على الطريق هو الضجر، فـ "المشوار يبدو لي مشقة". ماذا تفعلين في هذه المشقة إذن؟ "أصبحت أول واحدة من بين أصدقائي وصديقاتي أعرف الأغاني الجديدة المطروحة في السوق من خلال الراديو. كذلك، أقوم بجميع الاتصالات المتعلقة بالواجبات العائلية والاجتماعية ومع صديقاتي المسافرات. وحين أكون منزعجة، أقضي طوال الطريق بالبكاء".

تأخذ رُوى النقاش عن مشقات الطريق لقضية تعني جميع النساء، وهي "التحرش". لكنها تسرد إحدى قصصها بأسلوبٍ ساخرٍ ومهضوم. مثلًا، هناك نمط "شاب الفوميه"، كما تسميه رُوى،  تصادفه تقريباً بشكل يومي في طريقها من جبيل إلى بيروت. فـ "هذا النوع من الشباب، يُغمّز بأضوية سيارته، ويحاول أن يقطع عني، ثمّ يقترب قليلًا ليسدل نصف شباك سيارته". و"قال يابا نحنا مفروض نسوسح من الغمزة".

في مرةٍ من المرات أيضًا، قطعت روى عن إحدى السيارات، لكن صاحبها بقي يلاحقها طوال الطريق من أنطلياس إلى جبيل، وهو يحاول أن يلصق بسيارتها حتى كادا أن يصطدما. وفيما تسأل مستنكرةً إن كانت رجولة أحدهم تتهدد إذا تجاوزتهم سيارة امرأة، تتابع روى: "في ذلك الوقت، قمت بتصوير لوحة سيارة، ونشرتها على صفحتي في فايسبوك، إلى أن تواصلوا معي من مخابرات الجيش، بعد أن تبين أنّ تلك السيارة تعود لأحد العمداء، وتعرض على إثرها للمساءلة".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها