آخر تحديث:00:31(بيروت)
الثلاثاء 04/12/2018
share

هذه ليست آرمة.. إنها أرواح زائلة

لوسي بارسخيان | الثلاثاء 04/12/2018
شارك المقال :
  • 0

  • هذه ليست آرمة.. إنها أرواح زائلة
    آرمة محل الأقمشة الذي أسسه والدي (لوسي بارسخيان)
  • اللوحات المتناثرة على حيطان مشغل آفو
    اللوحات المتناثرة على حيطان مشغل آفو
  • بدلا من الألوان سيطر اليأس والغبار على المكان
    بدلا من الألوان سيطر اليأس والغبار على المكان
لم يخطر لي عندما حملت "آرمة" محل الأقمشة، الذي أسسه والدي الراحل قبل نحو 50 سنة، لإعادة تأهيلها، أنني سأعيد فتح الأبواب على ذكريات زمن، لا يزال يمكننا تلمس معالمه، كما هو حال هذه اللوحة. ولكننا عندما نحركه يمكننا بوضوح أن  نسمع قرقعات الحطام الذي يخرج من الصميم.

من دون تفكير توجهت إلى الخطاط، الذي يعرفه الجميع في مدينة زحلة: آفو. فإذا بي أحمل له مع ذكرى والدي، ذكريات والده المؤسس، الخطاط هاكوب، الذي لم يكن ليُخرج عملاً من دون توقيع، لأن اللوحة بالنسبة له، لم تكن مجرد "آرمة"، وإنما فن، يعكس كل حرف فيه ما اختزنه من ثقافة وذوق، استطاع من خلالهما أن يحافظ على قيمة مضافة لعمله، بين غزوة "الآرمات" التجارية، التي يفتقد بعضها الجمالية، فوجدته متعطشا ليخبر عن فن كان يمكن أن يطعم خبزاً بفترة من الفترات، ولكن نهايته كتبت على يد المكننة والتطور التكنولوجي الذي رافقها.

العودة من الدانمارك
لم يتعلم آفو بالأساس مهنة التخطيط من والده هاكوب، الذي كان خطاطاً شهيراً.  بل هي موهبة تسير في عروق العائلة بالفطرة كما يقول، بحيث انه يمكن في عائلته اكتشاف أكثر من موهبة فنية.

وعلى خلاف والده الذي امتهن التخطيط في سن مبكر، غادر هو إلى الدانمارك بحثا عن "قصة مختلفة"، ولكنه عاد منها بعد سبع سنوات، ليفتح مشغله الخاص منذ أكثر من ثلاثين سنة. كان حينها مدخوله اليومي يوازي بقيمته مئتين إلى ثلاثماية ألف ليرة كما يقول، وكان المشغل الصغير لا يكفي أحيانا لعدد اللوحات التي ينجزها في نهاية كل يوم.

فقد آفو حماسته للمهنة، عندما تراجع عدد زبائنه الذين أغرتهم إنتاجات الكومبيوتر. لم يستطع أن يواكب النقلة السريعة في المهنة، ولم يقدّر جيداً قدرة هذه الآلة الصغيرة على القضاء على "إنسانية" مهنته وجماليتها. بين اللوحة المرسومة بخط اليد، وتلك التي تجسدها آلة، مال الكثيرون إلى الثانية كونها أسرع وأقل كلفة، فلم تعد الأجواء ملائمة  ليكمل "جنونه" في لوحاته.

موت الألوان
من الممكن من كمية الغبار المتراكمة على واجهة المشغل، أن يُستدل على تراجع نشاطه. فهنا جلس آفو لـ 30 سنة مع صحن الألوان. يتفنن بكل حرف "يرسمه" على لافتة، وعندما ينتهي، لا يفارق خلطتها إلا متى طبعت في لوحة من اللوحات المتناثرة على حيطان مشغله. بعض تلك اللوحات ورثها عن والده، وبعضها الآخر ينتظر اكتماله منذ سنوات، إلا ان آفو لا يزال ينتظر الحافز، الذي يعيد تفجير ذلك الجنون، الذي كان يرافقه عند تجسيد لوحاته.

بدلا من الألوان سيطر اليأس على المكان. ويكاد الحائط الذي كان يسند اللافتات وحده ينبض بخربشاتها، إلا أن الصور التي علقت فوقه، تخبر بأن الحاجة إليه قد انتفت أيضاً.   

فبدلا من الحائط، استبدلت المهنة عدتها بحيطان افتراضية عبر شاشة كومبيوتر، "تخرج" بواسطتها اللوحات في دقائق معدودة وبأشكال وألوان مختلفة، ليختار الزبون إحداها، من دون أن يبدي منتجها رأيا في حرف، أو حتى في صياغة لغوية تسقط قواعدها وجماليتها على عتبة المحلات التجارية أو الطرقات أو حتى في  العالم الافتراضي.

صحيح ان اللافتات و"آرمات" المحلات لا تزال حاجة، ولكنها لم تعد ترتبط حاليا بمهنة التخطيط. فالأخيرة كما يقول آفو تحتاج إلى قلم وألوان وإلى يد ماهرة تعرف كيف "تزوزق" الحرف وتعطيه اللون المناسب.

الأرمني والخط العربي
فالخطاط فنان كما يقول أفو، "ولأنني فنان، يمكنني أنا الأرمني الذي لا يتقن اللغة العربية بشكل جيد، أن أجسد الحرف العربي بأجمل حلة، وأن أميّز بين الخط الرقعي والديواني والفارسي وغيرها من عشرات الخطوط، التي كان يمكن أن تتجسد في لوحة واحدة،  كما أجسد الحرف الأجنبي بأشكال جمالية. ذلك لأن الحرف ليس حرفا بالنسبة للخطاط وانما صورة".

الحنين والأرواح الزائلة
بأسى يعيد نظره إلى الآرمة التي حملتها له. يتوقف خصوصا عند حروفها الأجنبية التي تفنن بها والده بذوق، مبدياً استعداداً تاما لنسخها كما هي. ففي ذلك استعادة للوالد الذي عمل لفترة طويلة بمطبعة "زحلة الفتاة" العريقة، واكتسب شهرته فيها. تلك المطبعة التي ساهمت في مرحلة من المراحل بصناعة الرأي العام الزحلي وحتى اللبناني، انتهى دورها في المدينة أيضاً منذ مدة، كما دور الصحيفة التي قُضي عليها كلياً مع التبدل الجنوني الذي طرأ على عالم الصحافة، وانتهى دورها عندما صار وجودها مقرون بالمال وليس بالرأي العام. فيما لا يزال يشار إلى موقع "زحلة الفتاة" ومطبعتها في ساحة الليدو على بولفار زحلة، في مواجهة "السينما"، التي هجرت وسط مدينة زحلة إلى إطرافها، من دون أن تجد ما يعوض فراغها.

وكأنني في قرقعة "الآرمة" التي حملتها، رحت أقلب ذكرى أكثر من مهنة هوت، أو في طريقها إلى الزوال. وما محاولتي لإنقاذ لوحة محل والدي وشقيقي الراحل من بعده، من التحطم، سوى تعبير عن "حنين" لروحيهما، التي تحطمت كما أرواح أخرى، على أبواب مهن هي أيضا بطريقها إلى الزوال، بعد أن غزت العولمة الأسواق، متفوقة عليها بالأسعار لا بالنوعيات، فلم  تعد تلك المهن خيارا يلجأ إليه جيل الكومبيوتر والعولمة.  
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها