آخر تحديث:00:10(بيروت)
الأربعاء 26/12/2018
share

أستاذ موسيقى بلا شهادة.. لمنطقة بلا خدمات

صفاء عيّاد | الأربعاء 26/12/2018
شارك المقال :
أستاذ موسيقى بلا شهادة.. لمنطقة بلا خدمات تضم أكاديمية الموسيقى أيضاً صفوفاً لتعليم الجيدو والباليه والزومبا (المدن)
يكاد مارك أن يقع من وزر الغيتار الملقى على ظهره، حين يهمّ بنزول الدرج متجهاً إلى صف تعلم العزف على الغيتار، داخل أكاديمية المواهب التي أسسسها جهاد رحمة (31 عاماً)، منذ ثلاثة أشهر في بلدة دير الأحمر البقاعية. مارك، ذو الخمس سنوات، وصاحب الخدود الحمراء، ينتظر بفارغ الصبر نهار السبت، لتنفيس شغبه، بالموسيقى، بعيداً عن اللعب في الشارع.

داخل المنزل الحجري المتواضع، الذي تحوّل إلى أكاديمية لاكتشاف المواهب البقاعية، تعلو أصوات الآلات الموسيقية. صفوف منظمة بدءاً من الصولفيج إلى الغيتار، والبيانو، والأورغ والطبلة، والقانون والعود. يتوزع الأطفال والشباب على الصفوف، كلّ حسب رغبته في تطوير موهبته أو شغفه، فينشرون مع جهاد السعادة والترفيه عبر الموسيقى، كل يوم سبت في البلدة المحرومة من أدنى مقومات الحياة، كحال البقاع عموماً.


تحقيق الحلم

حلم جهاد، توفير ما لم يحصل عليه في صغره لأطفال دير الأحمر. ففي سن العاشرة بدأ جهاد باكتشاف موهبته في العزف على الأورغ، ولاحقاً الغيتار، من دون أن يساعده أحدٌ في تنمية مواهبه. إذ تعلّم العزف من تلقاء نفسه، في دير الأحمر، حيث لا وجود لأي أنشطة ترفيهية، أو أماكن مخصصة لتنمية قدرات ومواهب الأطفال، مطوّراً معها موهبة في الغناء.

الدعم العائلي الذي تلقاه جهاد من عائلته، اقتنائه الآلات الموسيقية، الواحدة تلو الأخرى، كهدايا في عيد الميلاد. فمنذ سن المراهقة كان يقال في البلدة بأن: "وين ما في جهاد في موسيقى، وغناء، ورقص"، سواء في الحفلات الدينية، أو المهرجانات، أو حفلات رأس السنة مع العائلة. ولاحقاً، طوّر موهبته عبر دروس خاصة، خلال تحصيله الجامعي في بيروت، في إختصاص تطوير برامج الكمبيوتر.

تطوير الأكاديمية
قرر جهاد، مع شريكه إيلي براك، توسيع فكرة أكاديمية الموسيقى، وتخصيص صفوف للجيدو والباليه، والزومبا، مطلقين على أنشطتهم الموسيقية والرياضية "أكاديمية المواهب – دير الأحمر" .The Talent Academy-Deir EL Ahmar

تطوير الأكاديمية حتّم الإلتزام بدوامات محددة، فتبدأ الصفوف من التاسعة صباحاً حتى الثامنة مساءً، وتضم 55 طفلاً وشاباً، من مختلف الأعمار، ولا تقتصر الصفوف على أهالي دير الأحمر بل تضم أهالي الجوار أيضاً. إذ تستقطب الأكاديمية 20 شخصاً من بلدة القاع، وتستغرق رحلاتهم على الطريق إلى دير الأحمر ساعة ونصف.

البلدة المنسية
دير الأحمر بلدة منسية. بعيدة عن العاصمة. لا أجواء مناسبة فيها لعيش الأطفال طفولتهم. هذا ما يجمع عليه معظم الأهالي، الذي يتوافدون لاصطحاب أولادهم إلى الأكاديمية. وحسب سمعان داغر، من مزرعة السيد البقاعية، وجود الأكاديمية كان بمثابة حبل الخلاص الذي ينقذ أولاده من قضاء الوقت على وسائل التواصل الإجتماعي، أو اللعب في الشارع في أيام العطل المدرسية. ووفق ما يقوله داغر في حديث الى "المدن"، فإن الموسيقى هي "عامل مساعد لتجنيب أبناء القرى المحرومة الإنخراط مع رفاق السوء، والتعرف على آفة المخدرات.. وغيرها، التي تجتاح البلدات النائية".

ثلاثة أشهر من التجربة كانت كافية لأهالي دير الأحمر والجوار، لمطالبة جهاد وشريكه بضرورة الاستمرار بهذه التجربة الفريدة، إذ كانا على وشك الإستسلام، بسبب عدد الرواد الضعيف على الأكاديمية، والسعر الرمزي للصفوف التعليمية التي يتلقاها الطلاب. فتعليم العزف على آلة موسيقية لكل طالب بتكلفة 50 ألف ليرة، وكذلك النشاطات الرياضية، مع تواجد حسم للأشقاء.

أما ما يميّز الأكاديمية عن غيرها، فهو عنصر الترفيه، والإبتعاد عن سياسة التلقين والصرامة، المتواجدة في صفوف الموسيقى الخاصة في المنازل. ناهيك عن المبالغ الطائلة التي تدفع عن كل حصّة تعليمية، التي تترواح بين 20 دولاراً أميركياً و40 دولاراً.

رغم الديون المالية
فكرة الأكاديمية أتت كمحاولة للتخلص من تراكم الديون على عاتق جهاد، بعد زواجه منذ عام. حينها، أخذ يفكر مع رفيقة دربه ريتا جمعة، عن حلول للضائقة المالية التي يمران بها. فكان القرار وتشجيع زوجته ريتا، على تحقيق حلمه بنقل موهبته إلى أبناء بلدتهم، عبر إنشاء إكاديمية للموسيقى، يخدم من خلالها أبناء دير الأحمر، ويحقق مردوداً مادياً في الوقت ذاته.

التخطيط وآلية العمل استغرقت قرابة العام لتنفيذها. تولت ريتا الإهتمام بالأمور اللوجستية للبحث عن مكان ملائم في البلدة، ودراسة الجدوى الإقتصادية للمشروع، مستفيدة من خبرتها كمحاسبة. إضافة إلى التسويق عبر وسائل التواصل الإجتماعي، ومتابعة الطلاب، لتقديم المعلومات عن تطورهم لأهاليهم.

وفي حال غابت ريتا عن التواجد نهار السبت، في الأكاديمية، يصف نفسه جهاد "بالضائع من دونها". أما بالنسبة لريتا، فالأكاديمية فرصة لريتا لتدعم زوجها في مسيرته وأحلامه، ومع ذلك، تعتبر نفسها موظفة لديه. والعلاقة بين الطرفين "تغيرت بعد افتتاح الأكاديمية، إذ تطغى الأجواء الموسيقية على منزلنا، في بيروت. فالبيت عبارة عن حفلة لا تتوقف"، وفق ما تقول ريتا لـ"المدن".

حلم جهاد، لن يكون مقتصراً على دير الأحمر، بل يسعى لنقله إلى بيروت، مع أساتذة متخصصين. وكذلك يسعى لتطوير الأكاديمية في دير الأحمر لتكون إحترافية، عبر إعطاء شهادات لتطوير مواهب الأطفال. فما يقوم به جهاد هو تقديم موهبته من أجل الآخرين، رغم أنه غير حائز على شهادات موسيقية رسمية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها