آخر تحديث:00:24(بيروت)
الأحد 16/12/2018
share

ولادة أطفال معدلين وراثياً.. خوف علمي وأخلاقي

سامي خليفة | الأحد 16/12/2018
شارك المقال :
ولادة أطفال معدلين وراثياً.. خوف علمي وأخلاقي يحمل التعديل الوراثي للجنين البشري مخاطر كبيرة، أو حدوث طفرات غير مرغوبة (Getty)
صدمة كبيرة تلقاها الوسط العلمي يوم 26 تشرين الثاني 2018، بعد أن زعم الباحث الصيني "هي جيانكوي"، من جامعة ساوثرن للعلوم والتكنولوجيا، في مدينة شنجن الصينية، أنَّه ساهم في تخليق أول أطفال معدلين وراثياً في العالم، وهما طفلتان توأم، قام بتعديل حمضيهما النوويين، بوسيلة جديدة وقوية، قادرة على إعادة كتابة الحمض النووي كاملاً.

في الفيديو الترويجي الذي نُشر على اليوتيوب، قال الباحث الصيني إن الفتيات التوأم - لولو ونانا - ولدتا قبل بضعة أسابيع، بعد حمل طبيعي. وهما الآن في المنزل مع أمهما، وهي امرأة تدعى غريس، وأبوهما، مارك، وهو رجل مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، ولا يريد نقل عدواه إلى ذريته. ولكن ما الذي حدث تحديداً؟

تعديل الجينات
خلال السنوات الأخيرة، اكتشف العلماء طريقةً سهلة نسبياً لتعديل الجينات، وجدائل الحمض النووي، التي تتحكم في الجسم. وتمكننا هذه الأداة، المسماة CRISPR-cas9، من العمل على الحمض النووي لإدراج جينٍ ضروري، أو تعطيل إحدى الجينات المسببة لمشكلةٍ ما.

أجرى الباحث الصيني تجارب تعديل الحمض النووي على الفئران والقرود وأجنة البشر، في المختبر، لعدة سنوات. وتقدم بطلب للحصول على براءات اختراع للأساليب التي يستخدمها. وحسب ما يزعم، فإنه اختار تجربة تعديل جينات الأجنة، للقضاء على مرض فيروس نقص المناعة البشري، لأنَ هذه العدوى تُعد مشكلةً كبيرة في الصين.

عمل جيانكوي على تعطيل عمل جين CCR5، الذي يشكل منفذاً بروتينياً، يسمح بدخول فيروس نقص المناعة، الذي يتسبب في مرض الإيدز إلى الخلية. وزعم في خلاصة تجربته الصادمة، أن تحرير الجينات قد عمل بأمان، وأن الفتيات في أمان وصحة مثل أي أطفال آخرين، رغم أنه لم يقدم أي دليل يدعم هذه المزاعم.

أجرى جيانكوي التعديل الوراثي خلال عملية التلقيح الصناعي في المختبر، من خلال غسل الحيوان المنوي لفصله عن السائل المنوي، الذي يستطيع فيروس نقص المناعة التسلل إليه. ومن ثم وُضع حيوان منوي واحد في بويضة واحدة لخلق جنين. ثم أُضيفت أداة التعديل الوراثي.

عندما أصبح عمر الجنين من ثلاثة إلى خمسة أيام، أُزيلت بعض الخلايا، وفُحصت لتعديلها وراثياً. وقد تم تعديل 16 جنيناً من إجمالي 22 جنيناً، واسُتخدم 11 جنيناً منهم لزراعتهم في أرحام الأمهات. وفي النهاية، نتجت حالة حمل واحدة، وهي حالة الطفلتين التوأم.

خوف واستنكار
ولادة أول إنسان مصمّم وراثياً، ستكون إنجازاً طبياً مذهلاً، لكنها سوف تكون مثيرة للجدل أيضاً. حيث يرى البعض فيها شكلاً جديدًا من أشكال الدواء يزيل المرض الوراثي، في حين يرى البعض الآخر منحدرًا خطيراً، وأطفالًا مصممين، وشكلاً جديداً من علم تحسين النسل.

لم يتردد عدد كبير من العلماء من إبداء قلقهم مما حصل. وبرأيهم، يحمل التعديل الوراثي للجنين البشري ذي الحجم الصغير مخاطر كبيرة، بما في ذلك مخاطر إدخال طفرات غير مرغوبة، أو إنتاج طفل يتكون جسمه من بعض الخلايا المعدلة وغير المعدلة. وتشير بيانات موقع التجارب الصينية إلى أن أحد الأجنة هو "فسيفساء" من الخلايا، التي تم تعديلها بطرق مختلفة.

قام عالم تعديل الجينات، فيودور أورنوف، وهو المدير المساعد لمعهد ألتيوس للعلوم الطبية الحيوية، التي تعتبر منظمة غير ربحية مركزها سياتل، بمراجعة الوثائق الصينية وقال: "على الرغم من أنها غير مكتملة، إلا أنها تظهر أن هذا الجهد يهدف إلى إنتاج إنسان"، مع جينات معدلة. وقد وصف أورنوف المشروع بأنه سيتسبب بالندم والقلق، انطلاقاً من حقيقة أن تعديل الجينات - وهو أسلوب قوي ومفيد - قد استُخدم "في بيئة لم تكن ضرورية". ففي الواقع، الدراسات جارية لتعديل الجين ذاته في أجسام البالغين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. 

من جهته قال كيران موسونورو، وهو خبير في التعديل الوراثي بجامعة بنسلفانيا، ورئيس تحرير دورية متخصصة في علم الوراثة: "إن هذا البحث غير مقبول أخلاقياً.. إنَّه تجربة على البشر لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً".

شكوك حول التجربة
أشار بعض العلماء إلى وجود أدلة على عدم اكتمال هذا البحث، وأن واحدة من الطفلتين على الأقل تبدو كنسخةٍ مرقعةٍ من الخلايا، بها تغييرات متعددة. فتعديل بعض الخلايا فقط "لا يُعد تعديلاً جينياً"، لأن الإصابة بعدوى فيروس نقص المناعة تظل ممكنة.

وبالنسبة للعلماء، فحتى إذا نجح التعديل الوراثي من دون مشاكل، يواجه الأشخاص الذين ليس لديهم جين CCR5 الطبيعي مخاطر أعلى للإصابة بأنواعٍ معينة أخرى من الفيروسات، مثل فيروس غرب النيل، أو الأنفلونزا المميتة.

وقد ذهبت وكالة الأسوشيتد برس، التي كانت أول من كشف عن هذه التجربة، إلى طرح علامات استفهام حول الدليل على نجاحها مع عدم وجود أي براهين حتى الأن، باستثناء العالم الأميركي، الذي شارك في هذا التعديل الجيني بصورة جزئية، أستاذ الهندسة البيولوجية والطبيب، مايكل ديم، وهو عضو الهيئة الاستشارية العلمية في شركتين تابعتين للعالم الصيني جيانكوي.

علماء يدينون
فتحت السلطات الصينية تحقيقاً في عملية الهندسة الجينية، ووصف أكثر من 100 عالم، معظمهم في الصين، تعديل الجينات البشرية بأنّه "جنوني"، و"لا أخلاقي"، فتعديل جينات الأجنة البشرية، محفوف بالمخاطر، وغير مبرَّر، و"يضرّ بسمعة وتطور أوساط الطب الحيوي في الصين".

وقال العلماء في الخطاب المكتوب باللغة الصينية: "فُتحت أبواب جهنم، ربما ما يزال هناك بصيص أمل لإغلاقها قبل فوات الأوان". في حين ذهبت جامعة ساوثرن للعلوم والتكنولوجيا، التي يعمل فيها هي جيانكوي أستاذاً مساعداً، للقول إنها لم تكن على علم بمشروع البحث، وإنه في إجازة من دون أجر منذ شباط الماضي.

وذكرت اللجنة الوطنية للصحة في الصين، أمس، أنّها تشعر "بقلق شديد"، وأمرت مسؤولي الصحة في الأقاليم "بإجراء تحقيق فوري وتوضيح الأمر".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها