آخر تحديث:01:40(بيروت)
الثلاثاء 06/11/2018
share

لا أحد ينقذ معرض طرابلس من الانهيار الوشيك

جنى الدهيبي | الثلاثاء 06/11/2018
شارك المقال :
  • 0

لا أحد ينقذ معرض طرابلس من الانهيار الوشيك في آخر عاصفة، سقطت من القوس قطع وكتل كبيرة

 

يبدو أنّ التحذيرات من انهيار مباني معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس، لم تجدِ نفعًا. فهذه المباني، وهي "تُحف فنيّة" في الهواء الطلق لنحات وشاعر العمارة المهندس البرازيلي أوسكار نيماير (1907- 2012)، يستمر تآكلها وتدهورها نتيجة الإهمال منذ 50 عامًا. المصير القاتم يهدد المنشآت المعرض بسبب عدم القيام بأعمال الصيانة المطلوبة لها، فيما هي بُنيت من الباطون العاري، أيّ لها عمر محدد وقدرة محدودة على مقاومة عوامل المناخ، لا سيما أنّها غير محميّة بأيّ طلاء أو مواد عازلة.

فهل بدأ العدُّ العكسي لانهيار مباني المعرض كاملةً في ظلّ اشتداد العوامل المناخية وانعدام المسؤولية في حمايتها؟

 

ربع الساعة الأخيرة

في الواقع، دخلت مباني المعرض مرحلة الانهيارات الجزئية، ما يعني أنّنا أصبحنا في مرحلة متقدمة جدًّا من "مرض" الباطون، كأنّنا في ربع الساعة الأخيرة. كيف ذلك؟ يكشف رئيس اتحاد حوض المتوسط للمعماريين UMAR المهندس وسيم ناغي، في حديث إلى "المدن"، عن نوعية الأمراض التي تصيب باطون المباني، مشخّصاً أنّ "ارتفاع نسبة الكربون وتصدؤ الحديد وتدهور سطح الخرسانة، مع تداعي وسقوط قطع منها، ساق إلى انهيارها جزئيًّا، وهو ما قد يؤدي لاحقًا إلى انهيارها كاملةً".

 

ناغي، وهو القابض على كشف أسرار ملف الانهيارات التي تصيب مباني المعرض، يعتبر أنّه لا بدّ من مداخلة طارئة، وإلّا ستبدأ الانهيارات الدراماتيكية. فـ"هناك علامات بدأت بالظهور على قاعة المعارض لجهة البحر، وهناك انهيارات لكتل كبيرة، أوزانها بالأطنان، تشكل خطرًا كبيرًا على السلامة العامة للمشاة في المعرض، إذ قد تقطع من ارتفاع سبعة أمتار، وأقل قطعة تقع يفوق وزنها نحو مئة كلغ".

 

وفيما يخصُّ المسرح العائم، أو ما يعرف بـ "المسرح في الهواء الطلق"، يشير ناغي أنّ السقف السفلي الخاص به سقط في 2016، خلال عطلة عيد الميلاد. بعد ذلك، لم تبادر أي جهة رسمية للتدخل من أجل ترميمه، أو تدعيمه لإيقاف حال التدهور بشكل جدّي.

 

 

أما برج خزان المياه والمطعم، ذات البناء الاسطواني، المغطى بمظلة رشيقة من الباطون المسلح، فهو مصاب بحالة تلف شديد، ومعرّض للانهيار في أيّ لحظة. يقول ناغي: "القوس الكبير عند مدخل المسرح المكشوف، يتعرض سطحه الخرساني للتآكل. وفي آخر عاصفة هوائيّة، سقطت من القوس قطع وكتل كبيرة بحجم طابات، وهو مؤشر خطير جدا، اذ وقعت بعد العاصفة الرعدية نتيجة ارتجاجات واهتزازات، وبالتالي أصبحنا نتعامل مع مبنى هش وضعيف معرض للسقوط، وهو عبارة عن قوس، ما يعني أن توازنه شديد الحساسية، ويمكن أن يفقده ولو بانهيار أجزاء صغيرة منه".

 

حتّى الآن، لم تستنفر الجهات المسؤولة جهودها لحماية مباني المعرض، رغم الصرخات التي دعت إلى المسارعة في ترميمه. وحسب ناغي، فإنّ الاكتفاء المرحلي بتدعيم هذه المباني الخرسانيّة وتأهيلها لوقف حالات الانهيار، كلفتها المالية زهيدة جدًّا. هذه الخطوة، "كفيلة في حال تنفيذها أن تكون علاجًا استباقيًّا للتدهور، وتُعتبر فتات أموال مقارنة مع ما كلف الدولة بناؤه واستملاك عقاراته مئات ملايين الدولارات".

 

المفارقة اللافتة، أنّنا نعيش القلق على بقاء هذا الصرح الهندسي والاقتصادي، بدل الحديث عن تشغيل المعرض واستثماره، أو التفكير بالحركة الاقتصادية التي يمكن أن يشكلها في المدينة، بل ويتزامن إهماله القاتل مع ترشيحه على لائحة التراث العالمي للاونيسكو، "بكلّ ما تعنيه الكلمة من شهرة عالمية وجذب سياحي واستثماري". ويلوّح ناغي بكلامه عن نيّة التحضير لمبادرات فردية من المجتمع المدني، بغية رصد الأموال، والتحضير لمبادرات انقاذية، "لأنّ السكوت لم يعد مسموحا". لكن، يبقى الأنفع هو الوصول لحلٍّ من قبل المسؤولين والمعنيين، "لأن امكانياتنا الفردية تبقى محدودة، أمام مهزلة كبيرة بحق الذاكرة الجمعية لأهل المدينة".

 

 

مبان عارية

عمليًّا، تشبه مباني المعرض الانسان الذي يقف في العاصفة عاريًا، ويصبح معرّضًا لشتّى أنواع الأمراض والمخاطر. وقد وصلت إلى هذه المرحلة الخطرة، بعد أنّ بلغت الانهيارات الحدود الأقصى لقدرة المباني على التحمّل، على الرغم من أنها تحمل قيمة تراثيةً وثقافيّة كبيرةً جداً، تُضاف إلى قيمتها التشغيلية والاقتصادية.

 

تاريخيّاً، صُمم المعرض في العام 1962، وبدأ تنفيذه عام 1964، وانتهى العمل فيه في العام  1975، وهو مبني من الباطون المسلّح بطرقٍ متقدمة. وهي تُعتبر من أهم ابداعات الهندسة الانشائية. أمّا مساحته، فتبلغ نحو مليون متر مربع ويضم 120 ألف متر من الحدائق، 33 ألف متر من البرك المائية، 20 ألف متر مخصصة لقاعات المعارض والمؤتمرات، ونحو 20 ألف متر كسقف يمكن استغلاله وضمه لقاعة المعارض. وهو ينقسم إلى 18 قسماً: المسرح المكشوف، المسرح التجريبي، صالة العرض المقفلة، الجناح اللبناني، صالة المؤتمرات، المطعم والتراس، المكاتب ومركز الأعمال، الفندق، متحف الفضاء، مكتب الإدارة، بيت الضيافة، قاعة المعارض، برج خزان المياه، متحف السكن، البيت النموذجي، مبنى الجمارك والدفاع المدني، مباني الخدمات للحمامات العامة، والكافيتيريا.

 

الإدارة تحذر

يرفض رئيس معرض رشيد كرامي الدولي أكرم عويضة اتهام الإدارة بالتقاعس والتقصير. وفي اتصال مع "المدن"، يشير عويضة أن الإدارة في صدد وضع دراسة كاملة للمعرض بعهدة وزارة الاقتصاد ووزارة المالية ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. فـ"نحن ننتظر منهم التمويل بسبب شحّ واردات المعرض، على عكس ما يظنون، إذ يحتاج مبلغ ثلاثة ملايين دولار أميركي لتغطية نفقات تدعيم للمباني الداخلية".

لكنّ السؤال المحوري، هل ما جرى بناؤه في الجمهورية الأولى قبل الحرب على يد مصمم عالمي، سنشهد على انهياره التدميري في الجهورية الثانية، التي لا يبدو أنها تحسن التشييد ولا إعادة الإعمار؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها