آخر تحديث:21:52(بيروت)
الأحد 04/11/2018
share

لغز ضحية واحدة.. كأنه سر الحرب كلها

علي نور | الأحد 04/11/2018
شارك المقال :
  • 0

لغز ضحية واحدة.. كأنه سر الحرب كلها كيف بقي مصيره لغزاً بعد أن قام الصليب الأحمر بنقلها إلى المستشفى؟ (نبيل اسماعيل)

 

لم يكن المصوّر الصحافي المخضرم نبيل إسماعيل يعلم أنّ اختياره هذه الصورة، ليعرضها السنة الفائتة في برنامج تلفزيوني، سيحل عن طريق الصدفة لغزاً مأسوياً عمره 27 سنة. إنتشرت قصّة إسماعيل، بعدما نشرها على صفحته على الفايسبوك، حيث ذكر أنّه عرض، في سياق الحلقة، صورة لضحيّة سقطت خلال حرب الإلغاء بين القوّات اللبنانيّة ووحدات الجيش الموالية لميشال عون، ليتلقّى بعد حوالى الأسبوع اتصالاً من أحد أقارب الرجل الضحيّة (نسي اسم المتصل واسم الضحية)، الذي أبلغه أنّ عرض الصورة كشف للعائلة مصير إبنها بعد كل هذا الوقت. كما أبلغه المتصل أنّ الرجل الذي ظهر في الصورة هو طبيب نسائي كان يعمل في مستشفى أوتيل ديو، اعتاد في تلك الفترة سلوك هذه الطريق بالذات باتجاه منزله.

 

النائب أسود يتذكر

إسماعيل يقول لـ"المدن" أنّ الصورة التقطها في ذلك الوقت أثناء عبوره السريع بين رصاص القنّاصة والقذائف، خلال عمله مع وكالة الصحافة الفرنسيّة. ورغم أنّه قام بتوزيع الصورة لاحقاً على وكالات الأنباء والوسائل الإعلاميّة، لم تحظ الصورة بأي اهتمام يُذكر، ليتبيّن اليوم أنّها كانت كفيلة بكشف لغز اختفاء رجل لم يُعرف في ذلك الوقت مصيره. يتحدّث إسماعيل بأسف عن سلوك معظم الوسائل الإعلاميّة، التي تتجاهل أثناء وقوع هكذا نوع من الأحداث والقصص البعدَ الفردي والإنساني، والذي يختزل أهم ما يحدث خلال الحروب من مآسٍ ومعاناة شخصيّة.

 

إسماعيل لم يذكر من الإتصال الهاتفي السنة الماضية إسم المتصل أو الضحيّة، لكنّ النائب زياد أسود سرعان ما تذكّر الضحيّة مع إنتشار الصورة السريع بالأمس. إذ تذكّر أسود أنّ الرجل هو "الدكتور صيّاح" (والصحيح طيّاح)، وكان يعمل بالفعل في مستشفى أوتيل ديو. فأسود الذي كان متطوعاً حينها في "الصليب الأحمر"، فرع فرن الشباك، ساهم بسحب جثّة الرجل بعد أن سقط برصاص القنص عند ساحة العدليّة، وسلّم إدارة المستشفى بعض متعلقاته الشخصية، ومنها حقيبة سامسونايت سوداء.

 

 

على الإثر، سرعان ما بدأ آخرون بتذكّر الضحيّة، ومنهم الدكتور جورج حدّاد وهو طبيب نفسي تذكّر "الدكتور طيّاح" جيداً، وقام بمراسلة إسماعيل. وحسب حدّاد، فالدكتور طيّاح كان طبيباً نسائيّاً في أوتيل ديو ومدرّساً في جامعة القدّيس يوسف، كما تذكّر حدّاد أنّ طيّاح ألقى في ذلك اليوم المشؤوم –وكان يوم أربعاء- آخر محاضرة قبل أن يغادر باتجاه ساحة العدليّة. حدّاد عرف الضحيّة فوراً من سيّارة المرسيدس عندما رأى الصور التي قام إسماعيل بنشرها على الفايسبوك، وتذكّر ذلك اليوم الحزين جيّداً.

 

ما وراء الصورة

هنا تتراكم الأسئلة التي تحيط بقصّة طيّاح: كيف بقي مصيره لغزاً، بعد أن قام الصليب الأحمر – حسب شهادة أسود- بسحب الجثّة ونقلها إلى المستشفى؟ وأين عائلته اليوم من كل هذا؟ بدأت الأمور تتضح لاحقاً مع تلقي إسماعيل اتصالاً ثانياً من صديق مقرّب جدّاً من عائلة الطبيب، الذي أخبره أنّ الجثّة بقيت في مكانها على الأرض لفترة خلال الإشتباكات، قبل أن يتم نقلها لاحقاً مع غيرها من الجثث إلى مستشفى أوتيل ديو، من دون أن يتم التعرّف عليها لأكثر من أسبوع، قبل أن يكتشف طاقم المستشفى أنّ الجثّة تعود لطبيب بعد العثور على جهاز "استدعاء طبّي" بجيب الضحية (بايجر). في المحصلة اليوم، لقد حلّت صورة إسماعيل بالنسبة إلى العائلة لغز فقدانه وموته.

 

وعن طيّاح القتيل، فقد كان طبيباً وبروفيسوراً محاضراً، محبوباً من تلامذته ومرضاه. عُرف بهدوئه وطيبته وبكونه شخصاً مسالماً. كان يداوي أصحاب الحاجة بلا مقابل، وعُرف بوهب حياته لمهنته وإنسانيّة عمله. لم تميّز طلقات الرصاص الدكتور طيّاح، وأغلب الظن لم يعرف القنّاص شيئاً عنه يوم اختاره كضحيّة في يوم الأربعاء الحزين. لم تعرفه الصحافة في الصور ولم تعرّفه. عبَر في اللقطات المتناثرة كما مئات آلاف الضحايا الآخرين الذين يصبحون أرقاماً في أخبار الحروب. وحدها قصص كقصّة إسماعيل مع الدكتور طيّاح كفيلة بأخذنا إلى ما وراء الصورة: ثمّة إنسان وسيرة حياة كاملة تعبر في الصحيفة الصباحيّة.

 

قد يكون أهم ما في قصّة نبيل إسماعيل اليوم، أنّها ذكّرتنا بالمفقودين والمجهولي المصير في أزقّة الحرب الأهليّة. فإذا كانت عائلة طيّاح قد عرفت مصير إبنها بعد 27 سنة، فالأكيد أنّ هناك عشرات آلاف أصحاب القصص المماثلة، من أصحاب المصير المجهول الذين لم تعرف عائلاتهم عنهم شيئاً.

 

رئيسة لجنة عائلات المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني تسأل "المدن" بحرقة: ألا يستحق هؤلاء أن يعرفوا مصير أبنائهم كما عرفت عائلة الدكتور طيّاح مصيره؟

 

ألغاز جديدة

قصة الطبيب طيّاح لم تنته بعد. ما اسمه الأول؟ لم يجب أحد على هذا السؤال. أين تقيم عائلته؟ لا أحد تواصل معها. والسؤال الكبير والأهم: إذا استلم مستشفى أوتيل ديو جثمانه، حسب رواية النائب زياد أسود، بل وتعرّف طاقم المستشفى على هوية الطبيب الذي ينتمي إلى "كادرها" الطبي، فلماذا بقي مصيره مجهولاً؟ كيف تصرفت إدارة المستشفى بجثته، والجثث الأخرى التي تسلمتها يومها؟ أين دفنتها؟ بل، هل دفنتها؟

 

غياب الإسم الأول للضحية كما مجهولية إقامة العائلة، وكذلك غموض مصير الجثة وصمت المستشفى المثير للريبة حتى الآن.. كل هذا يعيدنا إلى أصل اضطراب حياتنا كلها منذ انتهاء الحرب اللبنانية. قصة الضحية طيّاح هي السردية الرمزية لخطيئة الحرب بالطبع، لكنها أيضاً شهادة مؤلمة على خطيئة الصمت والنسيان. فمنذ العام 1990 اختار اللبنانيون محو الذاكرة، الإغفال والكتمان والمحو. ولذا، يأتي التاريخ على شكل كوابيس، ينبثق فجأة، كما هنا عبر صورة، ويصفع وعينا المخادع وسلمنا الأهلي المراوغ.

 

يسأل اللبنانيون أنفسهم لماذا نشعر أن الحرب (التي انتهت).. لم تنته؟ والجواب ببساطة، أننا لم "نعترف" بعد، لم ندوّنها ولم نبحث عن خاتمتها، التي تنتظرنا خصوصاً هناك، داخل ملفات المفقودين. فالبحث والبت بمصيرهم، هما تلقائياً أشبه بمحاكمة لما جرى، ولما اقترفناه، سعياً للمصارحة والمسامحة والغفران (لا سعياً لنبش القبور والضغائن)، بل سعي ليكون لنا ذاكرة "وطنية"، كي يكف الماضي عن استئناف نفسه. وهذا، بحسبنا، يعوزه مجتمع آخر، غير الذي دبّرته أيديولوجيا "الطائف": الغفلة والنسيان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها