آخر تحديث:00:03(بيروت)
السبت 03/11/2018
share

البطاقة الصحيّة.. الدولة تبيعنا وهماً

محمد غندور | السبت 03/11/2018
شارك المقال :
  • 0

البطاقة الصحيّة.. الدولة تبيعنا وهماً من يعرقل البت في مشروع البطاقة الصحية؟ (علي علوش)

في موازنة عام 2010، التي أُرسلت إلى مجلس الوزراء، ثمة صفحة بالملحق القانوني تفيد بأن "تجيز الحكومة لوزير الصحة (محمد جواد خليفة) إصدار البطاقة الصحية والبدء في العمل"، لكن الحكومة استقالت آنذاك، ولم يكن خليفة من ضمن الحكومة التالية ليُكمِل ما بدأه.

 

حتى اليوم لم تصدُر البطاقة، وربما لن يتلمّسها اللبنانيون قريباً، لأسباب عديدة أهمها: ضبابية تصريحات المعنيين بهذا الملف، والوعود المطاطية والمماطلة في مقاربته بشكل موضوعي، والارتباك في إدارته، كونه يطال نصف المجتمع تقريباً، والمفاهيم غير الواضحة حول البطاقة، وما تقدّمه.

 

غموض إداري

لكن الحديث عن البطاقة "العجيبة والسحرية" عاد مجدداً الى الواجهة في الفترة الأخيرة، من دون شروح وافية حول ماهيتها، وتم الاكتفاء بتناول بعض النقاط التي أثارت تساؤلات إضافية حول كيفية إدارة المشروع وتمويله، والعلاقة مع بعض الجهات الضامنة، ومدى القدرة على السيطرة عليه من دون نظام الكتروني، والمبلغ الواجب دفعه من قبل المواطن للحصول على "بطاقة النجاة".

 

وفي هذا السياق، يقول رئيس لجنة المال والموازنة في البرلمان اللبناني ابراهيم كنعان، إن اللجنة "أنهت النقاش العام بالبطاقة، لكن البحث لا يزال قائما بين النواب، حول التمويل والجهة التي ستدير المشروع". ويضيف: "أكدنا على مبدئها وحدّدنا المستفيدين منها من كل قطاع، وركزنا على أن إقرار التغطية الشاملة لا يلغي أي جهة ضامنة ولا يتناقض مع عملها، بل يحدد من خلالها الجهة الراعية صحيا لكل مستفيد، ما يخفض الفاتورة الصحية ويخلق إطاراً تنسيقيا من مختلف الصناديق، للوصول الى توحيدها في مرحلة لاحقة".

 

وتشمل هذه البطاقة، حسب كنعان 4 ملايين لبناني، وتتضمن التاريخ الصحي لكل مواطن وتسهل عملية المعالجة المطلوبة، من دون حاجة المريض لتقديم تقارير طبية بتاريخه الصحي في كل مرة. لا جديد بما تقدم، لأن مشروع البطاقة الأول عام 2010 تناول تلك النقاط وشرحها، ما يُبيّن هدراً للوقت والجهود المبذولة.

 

يوضح وزيرالصحة غسان حاصباني أن هذه البطاقة تقدّم "فحوصاً سنوية لجميع اللبنانيين من أجل ملفهم الصحي، وهكذا نكون خففنا الحاجة لزيادة الإنفاق بشكل كبير". (والكلام هنا ليس بجديد أيضاً). لكن كتلة اللقاء الديموقراطي النيابية، لم تستهو هذه التصريحات، ودعت عبر النائب بلال عبدالله إلى إعادة النظر بمشروع قانون البطاقة الصحية، الذي أشار إلى أنه، حسب ما ورد في المشروع، ستوضع البطاقة من قبل شركة خاصة، ما يعني أن قسماً من الشعب اللبناني سيكون تحت سلطة القطاع الخاص.

 

الإفلاس والفشل

ثمان سنوات من النقاش والحوار والدراسة، لم تُنتج توافقاً على بطاقة صحية، ولم تُنتج موقفاً واضحاً تجاه فئة كبيرة من الشعب تحتاج أقل ما يمكن من دواء وطبابة، وأقل ما يمكن من وقت للبحث عن سبل للهدر والفساد.

 

في المقابل، يبدو أن الجهات الرسمية، تتناسى أن ثمة أحزاباً سياسية، تُصدر بطاقات صحية لمؤيديها للطبابة والاستشفاء بأسعار شبه مجانية، ما ينسف فكرة الدولة من أساسها في مناطق تواجد هذه الأحزاب. يبدو وزير الصحة السابق ومؤسس المشروع محمد جواد خليفة، منزعجاً ومتشائماً في الوقت ذاته مما يسمعه من كلام حول المشروع. ويقول في حديث لـ"المدن": " أسست المشروع وعملت عليه منذ العام 2008، وساعدني فريق من أشهر الشخصيات العلمية في البلد مجاناً، في حين صرف المعنيون على الدراسات الحالية مبالغ كبيرة. فإذا أرادوا متابعة المشروع بالطريقة التي يفكرون بها، سيُفلس ويفشل، حتى أنهم شوهوا قسماً كبيراً منه".

 

ويضيف: "للأسف كل من يتكلم بخصوص البطاقة يطلق شعارات لا تعتمد على أرقام ولا على دراسات ولا يعلمون ماذا يتكلمون. وبكل صراحة، في كل مرة أقرأ ماذا يكتبون وبمَ يُصرّحون، أبصِرُ أننا في طريقنا إلى كارثة في مجال التطبيب".

 

فساد إضافي

والمستغرب، حسب خليفة، أن المسؤولين لا يوضحون أن 90 في المئة من هذه البطاقة هو لمكافحة الفساد والهدر، وبدلاً من أن تعطي الدولة المواطن أمواله وتمنح المستشفيات سقفاً مالياً، تقدم اليه بطاقة للطبابة أينما يريد وفي المكان الذي يجده مناسباً، وحينئذ ستفرش المستشفيات السجادة الحمراء للمريض، للطبابة لديها، بدلاً من أن تعيّره بأنه مريض وزارة.

 

ومن خلال المعلومات التي توفرها البطاقة لم يعد يحق لأحد امضاء نصف السنة في المستشفى بسبب وجع ظهر بسيط، لأن صاحب مستشفى ما طلب منه الدخول، ليكلف الدولة يومياً 300 ألف ليرة.

 

ويرى الوزير السابق أن قضية التمويل غير صحيحة، لأن الدراسة أجريت من المال الموجود بالوزارة في ذلك الوقت.  ويشير الى أنه حاول ألا يدفّع المواطن أي تكلفة، وتصبح البطاقة مجانية، فنقول على سبيل المثال أن الشخص يكلف الوزارة 350 ألفاً ولدينا منها 250 الفاً فقط، فيما تدفع الدولة الباقي عبر قرار سياسي، أو أن يدفع المواطن نصف المبلغ، أو لا يدفع المواطن شيئاً، فتأتي الدولة بالباقي من النظام الضريبي فتفرض ضريبة مثلاً على السجائر لأنها تقتل الناس بالسرطان، أو على كل ما يضر المواطن ويستفيد منه التاجر. في حين أرادت فئة فرض ضريبة على العقارات، ولكن ماذا يحدث في حالة الكساد؟

 

نظام الكتروني

وكان وزير العمل السابق شربل نحّاس قد تقدّم بمشروع قانون لتطبيق نظام موحد للتغطية الصحية يشمل كل المقيمين اللبنانيين يكون ممولا من الضرائب المباشرة على الثروة والدخل والريوع.  إلّا أن المشروع رُفض من قبل جميع القوى السياسية.

 

وفيما يختص بموضوع إدارة المشروع، اقترح خليفة انشاء المكتب الاستشفائي الموحد، فبدلاً من أن يكون للجيش إدارة والضمان إدارة والوزارة إدارة، وشراء نظام معلومات System   Information للجميع مع المحافظة على خصوصية كل إدارة. وكي لا يخلق مشكلة طائفية آنذاك، طالب بالهيئة الاستشفائية الموحدة التي تضم ممثلاً عن كل ادارة لمراقبة تكلفة كل مريض في الإدارات المعنية، ومعرفة أمكنة الهدر والمقارنة بينها.

 

ويشدّد خليفة أن لا وجود للبطاقة الصحية من دون النظام الإلكتروني، ويسأل: "كيف يمكن مثلاً تسجيل المرضى، بالورقة والقلم؟". ففي الجامعة الأميركية مثلاً وهي مستشفى وليست وزارة صحة، لا مشكلة ان احترقت كل الاوراق الطبية، لأن المعلومات مسجلة إلكترونياً، فلو تناول المريض دواءً منذ 10 سنوات يظهر على النظام، في حين تعلم الادارة تكلفة طبابته سنوياً كمريض لديها.

 

ويبقى الأهم أن خليفة استعان بهذا النظام لأنه "يضع حداً للفساد ويلغي السقف المالي للمستشفيات، كما يلغي أيضاً كل ما اسمه أسرّة وزارة الصحة، وحينئذ يقصد المريض المكان الذي يظن أنه يقدم أفضل خدمة طبية".

 

طبابة طائفية؟

ولكن ماذا يحدث حالياً مع الوزارة؟ يجيب خليفة أنها "تضع سقفاً مالياً وتوزعه على المستشفيات توزيعاً طائفياً ومناطقياً، فإذا كان لدينا مثلاً مستشفى ومليار ليرة وليس لدينا مرضى، تطلب الادارة  من الأطباء إدخال كل من لديه ولو ألماً بسيطاً في الرأس أو البطن أو الظهر، فتُصرف الأموال، وبوقت قصير تتبخر ميزانية وزارة الصحة. من هنا استنتجنا أن البطاقة الصحية لا تحتاج سقفاً مالياً". واستند خليفة في دراساته وأبحاثه على "قاعدة بيانات" جمعها خلال سنوات من الضمان والجيش والدرك وتعاونية الموظفين وشركات التأمين.

 

ويعتمد الضمان الاجتماعي في لبنان نظام بسمارك الألماني، الذي يفيد بأنه يجب على الدولة دفع قسم من الضمان، وقسم على رب العمل فيما يدفع المضمون القسم الآخر.

 

ويبقى الأهم أن البطاقة لا تُميّز بين  المواطنين فالجميع بالدرجة ذاتها أكان مسجلاً بالضمان أو عبر وزارة الصحة. ورمز A أو B هو فقط لمعرفة مصدر التمويل من أين. فأنت إذا لم تكن موظفاً اليوم ودرجتك  Bوغداً بدأت وظيفة جديدة فالضمان ينقلك تلقائياً إلى A فقد أصبح لديك رب عمل.

 

ومن خلال قاعدة البيانات الكبيرة التي جمعها خليفة، استنتج أن مشروعه لن يفشل إذا طبّق بالطريقة الصحيحة، إذ قسّم الأموال على الـ40 في المئة من المواطنين الذين ليس لديهم إستشفاء وضمان اجتماعي، من دون أن ينسى ان بعض هؤلاء أغنياء، ومنهم من يملك تأميناً صحياً خاصاً، ومنهم من لا يتعالج على حساب الوزارة ومنهم من هو خارج البلد، فعملياً المواطن لا يحتاج الى دفع حتى ليرة واحدة.

 

ولكن كيف وصل الوزير السابق الى هذه النتيجة؟ يجيب خليفة ببساطة : "احتسبت التسعيرة وفقاً للضمان والجيش والدرك والشركات الخاصة التي تؤمن تجمعات كمستشفى الروم التي تعمل لطائفة الروم، فأخذت مثلاً هذه الطائفة وعدد من يتداوى في المستشفى والذي يصل الى 50 ألف مواطن مضمون، وقد يدخل من هؤلاء نحو ألفي مقبول سنوياً إلى المستشفى. فوجدت أن الكلفة متقاربة. فقلت إذا كان لدينا 40 في المئة من المواطنين مرصود لهم مثلاً 100 مليون ليرة، إذاً أنا أوزّع موازنة الوزارة بالتساوي، واحتسبت كم يكلف الشخص الواحد استشفاء في السنة، فوجدت أنها 400 دولار، وإذا سألتني كيف؟ أقول أخذت كل المضمونين بالجيش وكل المضمونين في التعاونيات والتأمين والضمان وغيرها وأجريت حسابات بطريقة واحدة على الدرجة الثالثة فوجدت التكلفة للاستشفاء فقط 400 دولار وليس على الفحوص الخارجية، فقلت إذا كان لدينا كدولة لكل مواطن 250 دولاراً، والمواطن إذا أراد ان يشتري بطاقة سيدفع 100 دولار كتأمين صحي سيصبح المجموع 350 دولار فتكون المشكلة محلولة. وإذا كان المواطن لديه 4 أولاد فلا يدفع عن الباقين. يدفع عن الـ4 فقط. فتسألني عن الفقراء والمعوقين، فأجيب، كل من أعطته وزارة الشؤون بطاقة إعاقة، فعلى وزارة الشؤون أن تشتري له بطاقة صحية من وزارة الصحة، لأن موازنة هذا المواطن أساساً هي في وزارة الشؤون، فإذا الشؤون أعطت 50 ألف بطاقة إعاقة فعليها شراء 50 بطاقة صحية من وزارة الصحة لمرضاها. وإذا كنت في قرية يوجد فيها 10 نساء فقيرات من دون أم أو أب، فالبلدية تتولى شراء البطاقات الصحية لهم".

 

إذاً، ثمة من يعرقل البت في مشروع البطاقة الصحية، وتأجيل إستفادة المواطنين من خدماتها، لأسباب قد تكون سياسية أة طائفية، أو ربما لعدم ايجاد حتى الساعة الطريقة المناسبة للهدر أو السرقة، على غرار ما يحصل دائماً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها