آخر تحديث:00:04(بيروت)
الأحد 25/11/2018
share

مع هكذا تلوّث.. فلنهرب جميعاً إلى الجنوب

باسكال بطرس | الأحد 25/11/2018
شارك المقال :
  • 0

مع هكذا تلوّث.. فلنهرب جميعاً إلى الجنوب جونيه اليوم من أهم البؤر الساخنة لمراكز تلوث الهواء في العالم (الإنترنت)

يومَ قرّرنا السّكن في مدينة جونيه، المشهورة بطبيعتها الخلّابة، والغنيّة بالتلال التي تكسوها الأشجار الخضراء، المُطلّة على البحر، كنّا على شبه قناعة أنّنا نتّخذ الخيار الأفضل، حفاظاً على صحّتنا وصحّة أولادنا، بعيداً عن تلوّث العاصمة بيروت وضوضائها.. لنُفاجأ، راهناً، بتقرير صادر عن منظمة "غرينبيس"، الذي يكشف أنّ جونيه الساحلية تحتلّ المرتبة الخامسة عربياً والـ 23 عالمياً من حيث المدن الأكثر تلوثاً؟!

حقيقةٌ مرّة لا تعكس فقط مدى سوء إدارة الملف البيئي، في بلدٍ كنا نتغنّى بهوائه النقي، ومائه العذب، وشواطئه الذهبية، وجباله الخضراء، وإنما تؤكد أننا شعبٌ نفرّط بنعمة الحياة، ولا نجيد الحفاظ عليها. 

العار
إذاً، جونية التي لطالما تميّزت بكونها من أجمل السواحل الموجودة في الجهة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط، باتت اليوم من أهم البؤر الساخنة لمراكز تلوث الهواء في العالم، من حيث نسبة الغاز الملوث ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء NO2 ، فيما استُثنيت صور وبنت جبيل تماماً من أي مواد ملوثة قياسا على سائر المناطق اللبنانية وذلك استنادا إلى المعايير العالمية. يا لسخرية القدر! يا للعار!

تقرير يتضمن نتائج تحليل "غير مسبوق" لبيانات حديثة صادرة عن الأقمار الصناعية في الفترة الممتدة من 1 حزيران الى 31 آب الماضي.
أن يكون الهواء ملوثا في بعض المناطق اللبنانية، فالأمر معروف، لكن أن تُسجِّل مناطق لبنانية وتحديدا جونية وجوارُها مرتبة قياسية في هذا المجال فهنا المفارقة.

يوضح مسؤول حملات غرينبيس المتوسط، في العالم العربي، جوليان جريصاتي في حديث لـ "المدن"، أنّ "ثاني أكسيد النيتروجين يعتبر غازاً ملوثًاً خطيرًا، وينبعث في الهواء عند حرق الوقود الأحفوري مثل الزيت والديزل". وإذ يعرب عن تفاجئه "بأن تحتل جونيه أعلى نقطة للتلوث في لبنان ومرتبة أعلى من المدن الكبرى مثل القاهرة ونيودلهي"، يلفت إلى أن "المصادر الرئيسية لانبعاث مادة الغاز الملوث ثاني اكسيد النيتروجين في لبنان بشكل عام وجونية بشكل خاص، هي: قطاع الطاقة ومعامل إنتاج الكهرباء، بدءاً من محطة الزوق لتوليد الطاقة، والسفن الكهربائية، ومولدات الديزل المنتشرة على طول البلاد، وصولا إلى قطاع النقل"، كاشفا أن "التعرّض الحادّ لهذه المادة يؤدي إلى أمراض رئوية والتهابات بالجهاز التنفسي، فضلا عن أن التعرض الطويل الأمد لثاني أكسيد النيتروجين قد يزيد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة وزيادة معدلات الوفيات في جميع أنحاء العالم. ففي الاتحاد الأوروبي مثلا، بينت آخر الدراسات أن التعرض لهذه المادة يؤدي إلى ما يقدر بـ75 ألف حالة وفاة مبكرة كل عام.


سبل الإنقاذ
أما بالنسبة الى الحلول الجذرية للتخفيف من التلوث، فيشدد جريصاتي على أن "الحل يكمن في في وقف الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وعن طريق تخفيض عدد السيارات التقليدية ذات الاحتراق الداخلي، لصالح وسائل النقل الشخصية والعامة التي تعمل على الطاقة الكهربائية كجزء من نظام النقل المشترك"، داعيا السلطات اللبنانية إلى إطلاق ورشة إنقاذ للتصدي للخطر الذي يداهم لبنان، وتكثيف العمل في هذا الاطار بشكل عاجل وتوفير الهواء النظيف للجميع، ما سيخرج البلاد من الظلام إلى مستقبل صحي ومشرق".


الرد على غرينبيس
في المقابل، تعتبر مصادر وزارة الطاقة أن "السبب الرئيسي للتلوث الكبير في جونيه والجوار، هو المولدات الخاصة لتوليد الطاقة الكهربائية، المنتشرة في الأحياء السكنية"، مشيرة إلى أن مدينة بيروت، التي يفوق عدد سكانها عدد سكان جونيه، لا تضم في أحيائها السكنية مولدات خاصة، فضلا عن أن أحد أسباب التلوث أيضا في جونية، ناتج عن معمل الزوق، الذي يحرق فيول بكميات كبيرة، أكثر مما هو مصمّم له". إلى ذلك، ترى المصادر أن "حل مشكلة السير في كسروان ستحل مع توسيع الاوتستراد على أن يعتمد فيما بعد حل شامل"، وتختم المصادر مؤكدة أن "حل مشكلة التلوّث ليس في يد وزارة الطاقة وحدها، إنما في يد مجلس الوزراء مجتمعا".

هذا وكانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أصدرت بيانا تعقيبا على تقرير "غرينبيس"، توضح فيه أنها، "انطلاقا من حرصها على صحة المواطنين القاطنين في محيط معمل الذوق الحراري، سبق واتخذت إجراءات عدة لتخفيض نسبة أكاسيد النيتروجين NOx في المعمل إضافة الى سائر الانبعاثات، بحيث باتت مطابقة لمعايير وزارة البيئة اللبنانية"، مذكّرة بأن "تقرير وزارة البيئة "الاستراتيجية الوطنية لإدارة جودة الهواء 2015 - 2030" لحظ أن 52 في المئة من أسباب تلوث الهواء في لبنان بأوكسيد النيتروجين NOx يعود الى قطاع النقل فيما الـ 48 في المئة المتبقية تتقاسمها ثلاثة مصادر هي: المصانع والمولدات الخاصة ومعامل الكهرباء. وبالتالي فإن معامل الكهرباء تشكل نسبة قليلة من أسباب تلوّث الهواء بالـ NOx في لبنان". وتؤكد المؤسسة أن "قطاع الكهرباء هو شبه الوحيد الذي يتخذ بشأنه ما يلزم من إجراءات لتخفيض التلوث الناجم عنه في جميع المناطق اللبنانية التي يتواجد فيها معامل إنتاج وليس فقط في الزوق"، مشددة على أنها "ستواصل اتخاذ ما أمكن من إجراءات لحماية صحة المواطنين القاطنين في محيط هذه المعامل، وذلك في انتظار توفر الغاز الطبيعي الأقل تلويثا للبيئة لتشغيل هذه المعامل على ضوء الإجراءات والمناقصات التي تقوم بها وزارة الطاقة في هذا الشأن".


نقاء هواء الجنوب
إلا أنّ مفاجأة ايجابية برزت في التقرير المذكور اذ لحظ أن نسبة التلوث المخيفة هذه لا تطال جميع الأراضي اللبنانية. وبالتالي، لاستنشاق هواء نظيف في لبنان، على اللبنانيين التوجه جنوباً. فأحدث بيانات للأقمارالصناعية، حسب المنظمة البيئية العالمية، تكشف بأن الهواء في الجنوب، وتحديداً في قضائي صور وبنت جبيل، مستثنى تماماً من أي مواد ملوثة قياسا على سائر مناطق لبنان أي أنهما يطابقان المعايير العالمية. وهنا يوضح جريصاتي أن "محطات الطاقة، المصدر الاساسي لانبعاثات ثاني أوكسيد النيتروجين، تتركز على الساحل من بيروت وصولا الى الشمال، في وقت تختلف الطبيعة الجغرافية للجنوب عن مدن الساحل والشمال، نظراً إلى ارتفاعها أكثر عن سطح الأرض، وانخفاض نسبة التجمّعات الصناعية في مناطقه".


نواب الأمة
غير أنّ اللافت هو حالة اللامبلاة التي ظهرت إبّان هذا التقرير الخطير جداً، فلم يحرّك أحد ساكناً أو يعترض أو يثور تجاه هذه الفاجعة. إكتفى الجميع بالتفرّج على اجتماع فلكلوري لنواب المنطقة، إنضمّ اليهم الوزير المستشار مُبرّراً أعماله ومُحمّلاً غيره مسؤولية التلوث، فيما تجرّأ أحد النواب الجدد على إلقاء التهمة على الشّعب، كونه لا يملك ثقافة بيئية!؟ وكان بالحريّ عليه أن يقول إننا شعب لا يحسن الاختيار، كون البعض منّا اختاره نائباً ومُشرّعاً ومحامياً عن حقوقه وممثلاً عن الأمة جمعاء!

اختتم اجتماع نواب المنطقة من دون أية توصية عملية، في وقت يدرك الجميع أنّ الحلول لمعالجة هذه الأزمة الموروثة، موجودة، وعلى رأسها خطة النقل العام المجمدة حالياً في انتظار الحكومة الجديدة، علما بأنها ليست الأولى، إذ تم تقديم عشرات المشاريع الحديثة، التي لا يزال معظمها في أدراج النسيان نتيجة المحاصصة السياسية في البلاد. وإلى ذلك اليوم الموعود، ربما علينا الهرب بأولادنا من بيروت وجونيه نحو الجنوب هذه المرة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها