آخر تحديث:00:15(بيروت)
الأحد 18/11/2018
share

كأنها جامعة الأحزاب المتحاربة

مريم سيف الدين | الأحد 18/11/2018
شارك المقال :
  • 0

كأنها جامعة الأحزاب المتحاربة الجامعة اللبنانية نموذج مصغر عن منازعات لبنان وانقساماته (Getty)

تبدأ كليات الجامعة اللبنانية، الواحدة بعد الأخرى، بإقامة احتفالات ونشاطات، إحياء لذكرى تأسيسها (1951). هذا التأسيس المتدرج كليّة بعد كليّة، استمر عملياً حتى العام 1970.

بعد مرور 67 عاماً، لا تبدو الجامعة اللبنانية في عز عطائها. سنينها الذهبية مضت، تسير كعجوز مرهقة تبتعد أكثر فأكثر عما يتمناه أبناؤها. إلا أنها "عجوز طيبة"، ما زالت تحتضن كل الفئات. فالجامعة اللبنانية وإن ابتليت بما ابتلي به الوطن كله، وأصبحت نموذجاً مصغراً عنه باختلافاته وانقساماته، إلا أنها لا تزال ممراً إجبارياً لنهوضه وإنمائه، وما زال بالإمكان إصلاحها. فهي جامعة لبنان كله. ليست جامعة "فقرائه" كما يسميها البعض، بل هي جامعة الوطن التي ترفض التخلي عن فقرائه.

 

الهيمنة والمحاصصة

تضج مسارح الجامعة بالاحتفالات والمؤتمرات بين حين وآخر، لكن ما يجري على خشبات المسرح مختلف عما يراه طلابها. والخطابات هناك عاطفية أكثر منها حقيقية. خطابات تجميلية لا تعكس حقيقة الجامعة التي يدركها طلابها أكثر من أي صاحب مركز. فحال الجامعة ينقلها من عاش في كلياتها ومن بقي على تماس مع قضاياها وطلابها.

 

لا شك أن النظام التعليمي في لبنان بات كله بحاجة إلى إعادة نظر. والجامعات التي نبتت في السنوات الأخيرة والتي تعمل على استغلال آلام "اللبنانية" لجذب طلابها إليها ليست أفضل حالاً.  لكن الجامعة اللبنانية تحمل مسؤولية أكبر من أي صرح آخر، بأن تحافظ على مستواها لتكون خياراً مناسباً لجميع الفئات. فهي الجامعة التي تتغنى بكونها من الأهم والأكبر في الشرق الأوسط وتضم ٧٩ ألف طالباً وطالبة.

 

في الأرقام التي نشرتها الجامعة، يظهر أنه في العام الدراسي 1982-1983 ضمت حوالي 37.2 في المئة من طلاب لبنان. ارتفعت هذه النسبة تدريجياً خلال السنوات اللاحقة، وبلغت ذروتها في العام 2003-2004 بنسبة 50.4 في المئة، لتتراجع هذه النسبة لاحقاُ وبعد الإنقسام السياسي الكبير وازدياد نفوذ الأحزاب، لتصل إلى نسبة 37.8 في المئة في العام 2016-2017.  أسباب عديدة تبرر هذا التراجع أبرزها الهيمنة السياسية والمحاصصة التي تعمل على إضعاف الجامعة. وحسب أرقام العام 2016-2017 فإن الجامعة اللبنانية ضمت 75956 طالباً، 71 في المئة من الإناث في مقابل نسبة 29 في المئة من الذكور. في حين بلغ عدد الطلاب في الجامعات الخاصة اللبنانية حوالي  124851 بنسب متقاربة بين الذكور والإناث.

 

الحرب وما بعد

في البداية تركزت كليات الجامعة اللبنانية في بيروت وضواحيها. ساهمت الحرب اللبنانية وصعوبة التنقل، في نشوء فروع لعدد من كليات الجامعة خارج بيروت. بعد انتهاء الحرب ظلت هذه الفروع متلونة بألوان أصحاب النفوذ في المناطق الموجودة فيها. وازداد الانقسام السياسي في الجامعة بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. بعد الجريمة، ترافقت الإنتخابات الطالبية مع إشكالات بين الطلاب دفعت إدارة الجامعة إلى تعليق الإنتخابات منذ عشر سنوات وحتى اليوم. رغم تحسن الأوضاع الأمنية وتراجع حدة الخطاب السياسي والمذهبي، الذي انتشر في تلك الفترة، غير أن الانتخابات لم تُسترجع.

 

في العام 2016 حدد موعد لإجراء إنتخابات طالبية، لكن الإنتخابات طارت بضغوط من أطراف سياسية في مجلس الجامعة. فحصول انتخابات لن يعني، على الأغلب، بروز قوىً طالبية جديدة أو وجوه مستقلة. لكنه سيعني بالتأكيد تبدلاً في بعض مجالس الطلاب حيث تستفرد أحزاب معينة بالهيمنة على بعض الكليات.  

 

لم تخرج المجالس الطلابية من لعنة التمديد التي خرج منها المجلس النيابي. فباتت الانتخابات حقاً خسره طالب اللبنانية، ولا يدرك موعد استرداده. بينما هو حق يتمتع به طالب الجامعة الخاصة ولو أتى مصحوباً بإشكالات عابرة. وبات أفراد مجلس الطلاب يخلفون بعضهم بالتعيين من قبل أحزابهم. تستفرد المجالس بإقامة الإحتفالات والندوات. بينما تشكو المجموعات المستقلة من التضييق والمنع في بعض الأحيان. في وقت يطلب مدراء بعض الكليات من بقية الطلاب الاستحصال على إذن من مجلس الطلاب في حال رغبوا بإقامة نشاط في الكلية.

 

يطالب عدد من الطلاب باسترداد الحق بالانتخاب، في وقت يقول فيه رئيس أحد المجالس الطلابية، المعيّن من قبل حزبه أن رئاسة الجامعة هي التي تقرر موعد إجراء الإنتخابات، التي صارت أحد أكثر مطالب الطلاب "رفاهية". في حديث مع "المدن" عبّر العديد من الطلاب عن مطالبهم ونظرتهم للجامعة. شكى البعض من الهيمنة السياسية، هيمنة ينكرها بعضُ من في المجالس، ويصفون واقع هذه السيطرة بالممارسة الديموقراطية وحرية التعبير. في حين يبدو واضحاً سيطرتها على الحياة الجامعية، بل وعرقلتها للحياة التعليمية. وهو ما اعترف به العديد من أساتذة الجامعة في حوارات سابقة.

 

المناهج القديمة

الأمور السياسية تطال أيضاً شؤون الطلاب اليومية. فبمقابل شكوى الطلاب من تراجع التجهيزات في الكلية، يعترف أساتذتها بصعوبة إجراء المناقصات وما تكلّفه نتيجة المحسوبيات.  تشكو إحدى الطالبات من النقص الذي تعانية المكتبات، "فهي لا تسد حاجة الطلاب خصوصاُ طلاب الدراسات العليا، ويعاني الطالب لاكمال بحثه". تضيف: "المناهج قديمة". ومشكلة المناهج أنها إن تطورت ببطء في حين أن علومها وموادها في العالم تتطور بسرعة هائلة.

 

يبدي رئيس مجلس الطلاب في كلية الإعلام حسين مبارك، في حديث إلى "المدن"، رضاه عن برامج الكلية، التي تخرج طلاباً يتجهون نحو قطاع يعاني من الأزمات، ومن سرعة تطور وسائطه. ويقول أن "الكلية تجهز الطالب بالشكل المطلوب، أما من يشكو من البطالة فهو الذي يجلس في منزله". ويتحدث مبارك عن "أداء ممتاز" يتمتع به أساتذة الكلية. في حين يخالفه الرأي عدد من الطلاب، الذين هم بدورهم ينظرون إلى أعضاء المجالس الطلابية كأصحاب إمتيازات. خصوصاً أن عدداً منهم يتمتع بوظيفة في الجامعة نفسها عن طريق التعيين لا الإمتحان.

 

تشكو طالبة من عدم كفاءة الأساتذة في حين يشكو غيرها من تغيّبهم. أما حال بعض المباني فتلخصه الصور التي تنشر على مواقع التواصل الإجتماعي بين حين وآخر. وتُسأل الطالبة عن إيجابيات الجامعة فتجيب: "القسط زهيد". وعلى الرغم مما يشكوه الطلاب إلا أن خريجي الجامعة يفتخرون بشهاداتهم. البعض يرى في الصعاب المذكورة إمتحان جدارة في تخطيها، وهي شهادة إضافية.

 

ورغم كل المشهد الكئيب، لا تزال كليات عديدة تتمتع بسمعة لائقة، تحديداً الكليات الطبية وكلية الهندسة، والتي يتطلب الدخول إليها تخطي إمتحانات صعبة. في حين يشكل مجمع رفيق الحريري الجامعي في الحدث صرحاُ مهماً ومساحة واسعة للطلاب، تميزه عن باقي المباني الجامعية، وتوفر فضاء رحباً وإن كان مهدداً الآن بالمصادرة السياسية والأيديولوجية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها