آخر تحديث:00:16(بيروت)
السبت 17/11/2018
share

آمال جامعتي اللبنانية في حضانة "العِلْم" المقاوم والشرعي

وضاح شرارة | السبت 17/11/2018
شارك المقال :
  • 0

آمال جامعتي اللبنانية في حضانة "العِلْم" المقاوم والشرعي ملأ مقاعد المدرسين طلاب سابقون تتلمذ معظمهم على "رفاقهم" و"إخوتهم"، المناضلين أو المجاهدين (Getty)

 كانت الجامعة اللبنانية مَعْلماً في سير جماعة عريضة من الناس، أنا كاتب هذه الملاحظات منهم. ولما خرجت تظاهرات الطلاب أو التلامذة الثانويين في أواخر العقد السادس من القرن الماضي، غداة "حوادث" 1958 أو "ثورتها" العروبية والأهلية ("الإسلامية")، واستعجلت إنشاء كلية حقوق في إطار هيكل جامعي عام أو رسمي خاوٍ، لم أتردد، شأن آلاف الطلاب الثانويين، في التظاهر تحت سماء ممطرة (كان هذا من موازين "التضحية المتواضعة")، والإضراب عن الدراسة، تأييداً للإنشاء والاستعجال.

 

النزاع الأهلي

ولم يكن سياق أو معرض توسيع الهيكل الجامعي الأفضل أو الأكثر مناسبة ورعاية لمستقبل الجامعة وطلابها وتعليمها ودورها. فالتوسيع هذا انخرط في ذيول نزاع أهلي سبق استقطاباً إقليمياً ودولياً حاداً، وكان ثمرة من ثمرات هذا الاستقطاب. فلم يكن رماد "حرب" 1958 قد برد حين تجددت المطالبة بإنشاء كلية حقوق "وطنية"، تدرس موادها باللغة العربية، ويدخلها الطلاب من غير رسوم مالية ثقيلة، ويتخرجون منها من غير قيد العدد (الذي تفرضه النقابة).

 

وهذه البنود كانت رداً على "احتكار" عملي ومهني نقابي (صنفي، نسبة إلى أصناف الحرف التقليدية) قَصَر دراسة الحقوق، ومزاولة المحاماة والانتصاب للقضاء بعدها، على من وسعهم الانتساب إلى الكلية العتيدة في جامعة القديس يوسف اليسوعية، وتلبية شروطها الثقافية واللغوية والمالية والاجتماعية، معاً. ومعظم هؤلاء من خريجي مدارس الإرساليات والرهبانيات الخاصة، ومن مسيحييهم بديهة. وقلة منهم درسوا في مدارس رسمية أو أهلية إسلامية، أو في جامعة دمشق وجامعة القاهرة. فاستأنفت كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، واستأنف تصدرها التوسيع الجامعي اللبناني صيغة النزاع الأهلي الذي لم يكن مضى يومها على إطفائه أشهر قليلة.

 

 وانعقاد المطالبة على كلية الحقوق- وليس على كلية جامعية مهنية أخرى (شأن الهندسة على اختصاصاتها المعمارية والميكانيكية والكهربائية والإنشائية التحتية... أو الطب أو الصيدلة أو الزراعة أو الكيمياء...)، وهي الكلية الأولى غير التعليمية أو التربوية التي رُفع مطلبها- لبى أولاً حاجة خريجي تعليم ثانوي رسمي وخاص تعاظم عددهم أضعافاً في عقد الخمسينات. وشطر كبير من هؤلاء الخريجين هم أولاد آباء تركوا أريافهم في أثناء العقدين السابقين (الرابع والخامس). وأتاح لهم "النظام اللبناني" (التعليم الخاص، التعليم "المجاني"، المنافسة المقيدة بالعوامل الاجتماعية...)، على قول ألسنتهم المنْكِرة والمنددة، في غضون جيل واحد تقريباً، دخول دائرة طبقات وسطى كثيرة المراتب، ولو من أدنى درجاتها أو أوسطها.

 

الخروج من البؤس

ولم يكن رفع لواء حقوق "الطوائف" (الجماعات الأهلية المذهبية) جديداً، ولا كان جديداً التنبيه إلى دور التعليم ومعايير جودته أو مستواه في ارتقاء أعمال مجزية وحكومية. ولكن المتَعلمين الجدد، القريبين من منابت أهاليهم الاجتماعية والثقافية والعصبية، دمجوا، في برنامج متنافر ومشترك معاً، مطاليبهم الجزئية والصنفية ("كوربوارتيست") الأنانية وشعاراتهم السياسية العريضة، الوطنية- القومية والاستقلالية والانتاجية... وعلى هذا، تصدرت كلية الحقوق- وهي إجابة تعطش جماعة تكاد تكون طفيلية، في ميزان الاحتياجات الوطنية والاجتماعية العامة، إلى وظيفة ومرتبة "محترمتين" تعودان على أصحابهما الجدد بدخل سريع – (تصدرت) الدعوة الى ديموقراطية التعليم وإلزامه ومجانيته.

 

 فالمسألة الملحة على تطلعات الجماعات المدينية الجديدة و"الصغيرة" (على معنى الباب الإحصائي) ، المتحدرة من أشباه مزارعين وفلاحين (من غير اجتماع زراعي) ومن اجتماع سلالي عصبي و"شاويّ"، هي الخروج من بؤس من ولدوهم، ومن تبعيتهم وانكفائهم. والمثال القريب المنشود هو مثال "تمدن" المسيحيين اللبنانيين وحذوه على المثال الغربي الكوني، الذي ألحق به. ولكن على شرط أن يُسلخ "التمدن" من طرائق سياسته أو سياساته، ومن أبنيته وأنظمته الحقوقية والاقتصادية غير العصبية، ويقصر على متعلقات المكانة والريع المعممين، ويدمج في باب هوية أصلية و"خالدة" مقاتلة.

 

 وشهوة الاستلحاق وتقاسم الريع والمكانة، على وجه السرعة، أدت إلى الغفلة عن بناء هياكل تعليم عمومي متين ومتماسك. فيتولى تأهيل أعداد كبيرة من تلامذة متحدرين من مصادر شديدة الاختلاف والتفاوت، تأهيلاً متدرجاً ومتجانساً على قدر الإمكان أو ينزع إلى التجانس والمساواة. وأكلاف الأخذ بهذه المعايير والعمل بها باهظة. وتقتضي، فوق أثمانها، اعتبار الحاجات العامة فعلاً، ونشدان اندماج وتشابك ثقافيين واجتماعيين وطنيين فعلاً، يقرّان بالاختلاف والتفاوت القائمين ويسعيان في مساواة "من فوق". فلا تفرض المساواة بواسطة غلبة سياسية عصبية، تقسر الجماعات والأفراد على الرضوخ لمثال لا يسأل عن جدواه ولا عن مشروعيته. فولدت الجامعة اللبنانية، تباعاً، من إجهاض الهياكل التي لم ترفع ولم تشيّد.

 

القصر الجمهوري والغنيمة

وغداة عقد ونصف العقد على تظاهرات شتاء 1959، توليت التدريس في الجامعة اللبنانية. وذلك طوال 30 سنة كاملة. فكان عليّ أن التمس ساعات تدريس لا تبلغ نصاب التفرغ (6-7 ساعات أسبوعية) من عميد كلية من الكليات المتاحة. واشترطت العميدة الملتمَسة أن يقترح عليها تقرير ساعاتي (أي إقرارها) موظف في القصر الجمهوري! ولما أجبتها أنني لا أعرف أحداً في القصر، قالت لي أن في مستطاع قريب أمي، وهو سياسي قديم وتولى مناصب نيابية ووزارية، حمل الموظف على التماس الساعات منها. وتداولت في الأمر مع وسيطي إلى العميدة، وكان على رأس مجلس طلاب الكلية. فنصحني بتلبية الشرط، إذا كان لي سبيل إليه.

 فقلت: الأحرى بي أن أطرق باب رئيس الجامعة اللبنانية، إدمون نعيم، القانوني الدستوري الكبير. واستقبلني العميد، وبقي لقب العمادة الأولى على رغم الرئاسة، استقبالاً دمثاً، على رغم مسحة كآبة وجفاء لا تفارق التفاتاته. وأبلغني أن صلاحياته الرئاسية لا تخوله المحاماة عن حقوق المرشحين للتدريس في الكليات. فعميد الكلية، والعميدة المسلمة السنية العروبية والمتزوجة عميداً مصرياً بالأحرى، هو سيد كليته وملكها المطاع والآمر الناهي. ورويت الأمر لوالدتي، وجاءني موعد اللقاء برئيس الغرفة المدنية في القصر الجمهوري، بطرس ديب، وهو عميد جامعي سابق ولاحق، بعد نحو الساعة. والتقيت بالعميد ديب، وسردت له قصتي. فنصحني بالتوجه الى رئيس الجامعة وتحكيمه في المسألة، وهي من اختصاصه... قلت له إنني قادم من مكتب الرئيس. سألني: من كان وسيطي عند الرئيس؟ أجبت: لا أحد. قال: هذه المرة لن أفتقر الى الوساطة، فهو وساطتي، ولن أدور في حلقة مفرَّغة، على خلاف ظني...

 

 لم أعد الى مكتب الرئيس الصريح والجاهر عجزه. وانتظرت سنتين. وحين رجعت إلى العميدة اشترطت عليَّ أن يهاتفها قائد قوات السلام المعزز العربية (قوات الردع) اللبناني. فهو قريب أمي من طريق المصاهرة. ولم أشأ توسيط الرجل. وكلمته زوجته، القريبة، وهي بالغة المودة. فلم تكتم ازدراءها الشديد المرجع (ة) الجامعي، وحدست في طلب توسيط زوجها العسكري مقايضة خسيسة، لم تفصح عنها، وسوغت بها وباستحالة استجابتها إحجامها عن طلب الوساطة من "العم". وفي الاثناء اندلعت الحرب المتوالدة. ووضع اليسار "الوطني" ("الإسلامي- الفلسطيني"، على ما وصفته صحافة أجنبية حائرة)، والحركة الطالبية الجامعية رأس حربته وعامل رمحه، يده أو أيديه الكثيرة على المرفق الجامعي العريض. فعادت إليه الكلمة الفصل في توزيع الغنيمة، التدريس والعلامات والمواد والمنهاج والمنح، أو تشطيرها، على قول اليمنيين، على فصائل "الأهل"، الأقرب فالأقرب. وكنت من الأبعدين بعد خروجي من فصيلي وعشيرتي.

 

وعلى رغم هذه الحال، أردتُ توسيط شيوعي مرموق كان يُشاع عنه أنه "منفتح". فقصدت الياس عطالله، ووطنتُ نفسي على أن أطلب منه جواز تعليم جامعي. فاستقبلتني زوجته وسألتني عن اسمي. وغابت قليلاً وعادت لتعلمني بأسفها لأن زوجها مرهق ويغط في النوم. فسألتُ: هل أعودُ مع يقظة الياس، فأجابت أن هذا أمر في علم الغيب. فرجعتُ على أعقابي الأخيلية. وصادف أن كان على رأس كلية التربية صديق صديق قديم، هو أستاذي سابقاً في صف الفلسفة. وعلى خلاف أستاذي وصديقي، لم يكن صديقه "يسارياً". فهو بيروتي محلي. ولم تكن ترفق النسبة البيروتية بالنسبة المذهبية. فيقال بيروتي طيب أو غير محازب، من غير زيادة.

 

لا بحثاً ولا تعليماً

 ويُسْر مزاولة التعليم في التربية اقترن سريعاً بتعسر العلاقة بالطلاب. فهؤلاء أحزاب وعقائد وأهواء. وكانوا اعتادوا، قبل أعوام قليلة، ترتيب مدرسيهم طبقات ودرجات في استفتاءات تخلص إلى أرقام. فمن ليس من حزبهم أو هواهم "يسقط" في الاستفتاء. وقبل أن ابتدئ التدريس أعلمني بعض الطلاب أنني لستُ في عداد من اختاروا لتدريسهم، وهم كانوا سموا حسن حمدان، وهو مناضل شيوعي وأحد دعاة حزبه المقدمين، للمادة التي ندبت إلى تدريسها. وكان اعتذر عن تدريسها لأنه تفرغ للتدريس في كلية أخرى.

 

وكان هذا فاتحة سنن اقتفى عليها، وعلى آثارها العالية، اقتسام "جامعة الفقراء"، وتوزيعها حصصاً، وتكييف مواد تعليمها ومناهج التعليم مع أولاد فقراء "قبضوا" على العلم- على قول زميل تحفظتُ عن ترجمته فقرات من كتاب نقله عن الفرنسية، ونافسوا (وبزوا طبعاً) "النخب" المتسلطة عنوة وثقافتها البالية. فملأ مقاعد المدرسين طلاب سابقون تتلمذ معظمهم على "رفاقهم" و"إخوتهم"، المناضلين أو المجاهدين، واستخلفهم أساتذتهم على منابرهم (من طريق المنح). وأرفقوا "العلم" بالولاء، على قول سيد قطب الذي عدَّ فصل التعلم عن الولاء والثقة في معتقد المعلم انقياداً لفساد الاعتقاد، وقبولاً به. وعلقوا على لوحات الإعلان مواعيد ساعات التدريس المأذون في بعض المساجد.

 

 وحيث فُرَّع التعليم شعباً، خُصّ المعلمون الموثوقون بالعدد الوافر من الطلاب وتلقى هؤلاء عن معلميهم العلم الموجز، والإجابات السديدة والمشهورة، و"مناهج البحث" التي يصح إعمالها في الموضوعات كلها وفيما ليس بموضوع البتة، أي في الخواء المتهالك والمتهتك القماشة. وحملت القراءة على المباهاة والتشاوف، واللغة الأجنبية على البدعة. وطُمئن الطلاب المستقيمون إلى علامات الامتحانات، وفي أحيان مشهورة إلى الأسئلة وهي بعد في ضمير الغيب. وراجت تجارات من نوع غير مألوف. ووسع بعض خطباء المساجد، على شاكلة معمم شاب أمَّ بعض الوقت مصلي مسجد الرسول الأعظم في مطلع الثمانينات، الإدلاء برأيهم في موضوعات بحث الطلاب في خطب لخصتها الصحف، ودلوا على التجسس الذي تنطوي عليه، وأهابوا بوكلائهم بين الطلاب فضخه. وفي الأثناء كان شاغل رابطة الأساتذة المتفرغين، وهي نقابة مدرسي الجامعة اللبنانية، المطالبة الحصرية بزيادة الرواتب ودمج الدرجات واستحداث مخصصات البحث والدخول في الملاك، وإغفال أبسط إشارة إلى مواد التعليم وطرائقه ومراجعه. وحجة الرابطة الدامغة هي حاجة الأستاذ الجامعي إلى البحث مطمئناً إلى معيشته ومعيشة أولاده. ومضت عقود على تطمين الأساتذة من غير أن يردوا دين الوطن عليهم لا بحثاً ولا تعليماً.

 

وعلى هذا، درّس من هم مثلي سنوات طويلة، صفوفاً تعد طالبين أو ثلاثة. وخوَّل زملاء مدرسون أنفسهم إبلاغ المدير أو العميد أن الزميل الفلاني قرأ من القرآن آيات في إحدى المحاضرات، ومس الكتاب الذي لا يمسه إلا المطهرون، وهو ليس طاهراً. وزميل آخر نهى الطلاب، في امتحان مادة أدرسها وكان الزميل من المراقبين على إجرائها، عن استعمال "الطوطم والحرام" الذي أحلت إليه الطلاب، وقال إن الكتاب يعالج مسألة الدين وكاتبه لا يحل له ذلك، ولا يجوز استعمال الكتاب في الامتحانات. وجاز للطلاب الممتحنين، علناً، التشاور في الأسئلة في أثناء نصف الساعة الأول من الامتحان، وتمديد التشاور ثلاث ساعات ونصف الساعة المتبقية. فاستوت الاختبارات هرجاً ومرجاً يدعوان المدرس إلى الخجل بنفسه وبتعليمه وبقراءته الأجوبة وتقرير علاماتها ومناقشتها مع زملاء لم يقرأوا الأجوبة ولا الرسائل. وأكمل الطلاب نقلَ سيطرتهم على الأساتذة والإدارة ومجالس الفروع بزعرور التحكم في مقاصف (كافيتيريا) الكليات. فغطوا جدرانها بصور القادة والشهداء والعلماء، وأسكتوا الموسيقى، وحرموا الغناء بينما البلد يتقلبُ بين أظهر الملاحم العظيمة.

 

ولم يكن التكهن بهذا يسيراً ولا متاحاً في صباحات آذار 1959 الباكرة. ولا وعد المطر الذين وقفوا أمام بوابات مدارسهم، ونزل عليهم خفيفاً وسلاماً، من غير دعوى كلام إبراهيمي، بهذا العكر كله. "وهذه من عجمة لسانه الغريب" (سان جون بيرس).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

وضاح شرارة

وضاح شرارة

أكاديمي وكاتب لبناني