آخر تحديث:08:03(بيروت)
الأربعاء 27/09/2017
share

أحب هذا البيت كثيراً

رنا قاروط | الأربعاء 27/09/2017
شارك المقال :
أحب هذا البيت كثيراً يروقني أن أدخن سيجارة على شباك مطبخي (علي علوش)

أحب هذا البيت كثيراً.

غرفة الجلوس والسفرة فيه كبيرة ورحبة وفيه نور دافئ ونسيم هواء يروح ويجيء حتى في أيام الحر القاسي. أعدت تجديد القديم فيه، وأحييت ما كان عندي ومازال بحالة جيدة. وضعت أغطية ملونة فوق الطاولات، وأزهاراً وشتولاً، هي اصطناعية صحيح، لكن اخترتها من نوعية جيدة لتبدو حقيقية.

هنا أعمل طوال النهار حتى عودة ابني الكبير من المدرسة. يبقى الصغير معي. يجلس في حضني وأنا أنقر حروفي لتصير جملاً، فمقاطع، فصفحات. يقف على الكرسي خلفي ويسرح شعري... وشعوري. يدور حولي بسيارته ويعبر فوق شرائط الكهرباء التي تصل اللابتوب والتليفون ببريز الحائط. يطرح عليّ سلسلة من الأسئلة التي لا تنتهي ليستحوذ اهتمامي. أرد أحياناً، وأحياناً لا. فأندهش مما يخرج ساخراً وساحراً من هذا الفم المنمنم الرقيق. مرّة قال لي: "ردي! شو ما بتحكي يا مدام؟". ضحكت من قلبي، واعترفت أن له علي حق، وأن حقه علي.

طاولة الطعام، مكتبي. على يميني دائماً فنجان قهوة. عادة جعلتني أعشق تسوق الفناجين الجميلة. أختارها من فخّار، وبلا زخارف وبلون واحد، بارد أو حار. المهم أن يكون لوناً أحبه واستكين له إذا وقع عليه نظري من طرف عيني. لا عيار ثابتاً لقهوتي. قهوتي يدوزنها مزاجي: مرة قوية ومرة أغلب عليها الكريما. مرة مُرة ومرة حلوة قليلاً. على يميني أيضاً قنينة ماء أنكهها بثمرة من الموسم مع عود قرفة أو نعناع. عادة أخرى جعلتني أعشق تسوق الأكواب. أحبها من زجاج شفاف، كبيرة وطويلة، كي لا أضطر إلى أن أكرر السكب لنفسي كل لحظة.

أنا ربّة عملي وأملك وقتي وإداراتي وإرادتي. أنهي دوامي قبيل عودة طفلي من المدرسة. تعود طاولة السفرة إلى وضعها الأساسي، مع آنية زجاجية أنيقة في الوسط، وضعت فيها كتباً لبضعة عناوين يهمني الاطلاع عليها. هي للقراءة السريعة فحسب. أحمل واحداً منها عندما أشاء، وأختار جزءاً بسيطاً أطالعه بحرية.

يأتيني دائماً أصدقاء. جدد وقدامى. وحدهم أو بصحبة آخرين أو مع أولادهم. أعد لهم شيئاً ليشربونه، أو يعدونه بأنفسهم بحسب كل واحد وشخصيته، وكيف يرتاح وكيف أكون أنا مرتاحة أيضاً. أدعو البعض إلى العشاء أحياناً. أحضر طبقاً رئيسياً واحداً بلا مكونات معقدة. أؤمن أن المطبخ الجيد لا يقوم على التعقيد، بل بالعكس تماماً، يكتفي بالمكونات الأساسية، شرط أن تكون من نوعية ممتازة وطازجة. أصنع سلطة وأرتب المائدة بصحوني وشوكي وملاعقي وأكوابي، التي أراها جميلة بعدم تناسقها. أدوات المطبخ تجذبني. هي تضيف شيئاً إلى الطعم، تضفي عليه جواً. عندما قال لي صديقي: "شو حلو جاط السلطة!"، اعتبرت الأمر مديحاً كبيراً. كأنه يشيد أمام جمهور بلوحة عظيمة رسمتها.

أحب هذا البيت كثيراً. ارتفاعه الواطئ من دون أن يبتعد عن الأرض ولا يقترب من السماء يجعل فيه طاقة إيجابية تدعمني. طاقة تساعدني لأفكر بصفاء أغلب الأحيان، فأولد فكرة وأنتج وأحاول أن أحضر لجديد فيه أمان واستقرار. وعندما تنفذ الطاقة، ألبد، أرتاح. أتركها تروح، لتعود وتجيء في الوقت المناسب.

يروقني أن أدخن سيجارة على شباك مطبخي الذي يطل على مساحة غضة وندية تفصلني عن بيت عشت فيه وأنا صغيرة القسم الأكبر من حياتي. أفكر كيف درت ثم عدت إلى حيث أتيت. يجذبنا مكان مولدنا كالمغناطيس عبر شيء بالماورائيات نعجز عن تفسيره، لكننا نستشعره بالوعي من دون أن ندرك تماماً ما هو. بين البيتين بيت ثالث، أرضي، أسر طفولتي. تأملته كثيراً من واجهته الأمامية عندما كنت أعيش هناك. أتأمله اليوم من الخلف وأنا أعيش هنا. بيت قديم من طبقتين لعائلة ميسورة، بلا تفاصيل معمارية لافتة، فقط طلاء أبيض مع أباجورات خضراء تتماهى مع شجر الفيكوس الذي يلفه. ما زال الضوء الناعس نفسه يتسلل من خلف ستارة الشيفون الخفيفة كل ليلة، منذ نحو عقدين من الزمن. كنت قد كونت قناعة أنها غرفة الخادمة، تسهر فيها على التلفزيون بعد يوم عمل طويل. تتمدد في سريها والشاشة قبالة قدميها الحافيتين. مرة انتحرت خادمة كانت تعمل في ذاك المنزل. رمت بنفسها إلى الأسفل، أحسب من هنا.

أحب هذا البيت كثيراً، ولا أخرج منه إلا قليلاً. اضطررت إلى أن أذهب في مشوار قريب منذ فترة، فخرجت. كنت أود المشي، أنا التي أهوى التسكع في شوارع مدينتي، لكن بيروت كانت رائحتها نتنة جداً في ذلك اليوم. لم أحتمل أن أتنشق الهواء العفن المسموم. كنت على وشك الغثيان. أوقفت سيارة أجرة ورحت نحو مقصدي ثم عدت على عجل إلى ملاذ حريتي، إلى المكان الذي يشبهني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها