آخر تحديث:16:47(بيروت)
الإثنين 05/09/2016
share

هم يحبّون زراعة التبغ.. وهي لا

نبيلة غصين | الإثنين 05/09/2016
شارك المقال :
هم يحبّون زراعة التبغ.. وهي لا لا تقدم الريجي أي مساعدات تذكر للمزارعين (علي علوش)

شتلات التبغ اليابسة في معظم الحقول تقف منتصبة عارية. بعضها يحوي أوراقاً قليلة، ومنها من احتفظ بالزهرة الوحيدة عند رأس الشتلة لحفظ البذور. عند منعطف النهر وتحت هضبة تبعد قليلاً عن الطريق العام يمتد حقل أخضر كثيف الأوراق. تحت قطعة الأرض هذه يقف "التراكتور" أو الجرار، لا صوت يأتي من تلك الناحية، لا همسة ولا حتى ضحكة، وحده السكون، سحر الشروق ورائحة الندى تأتي ممزوجة بطعم القمح المدروس وعشبة الطيون.

يتوقف الأب غازي جعفر (55 عاماً) عن العمل قليلاً. وحده رب العائلة مسموح له التلهي. أما الأولاد فعليهم المثابرة قبل سطوع أشعة الشمس واشتداد الحرارة. تتألف عائلة غازي من أبوين وثمانية أولاد، ثلاثة شبان وخمس بنات. جميعهم كبروا وتربوا وارتادوا المدارس والجامعات بفضل شتلة التبغ.

تشارك العائلة كلها في عملية الإنتاج، الأطفال والشباب وحتى النساء. كل يساهم بحسب قدرته البدنية. يبدأ نهارهم عند الرابعة فجراً ويتقاسمون المهمات اليومية في ما بينهم. ففي حين تبقى الوالدة والأخت الكبرى التي تدربت على إنجاز الأعمال المنزلية في البيت، يذهب البقية إلى الحقول لقطف الدخان. أما مَن لديه دوام في الجامعة فيصر غازي على عدم تفويتهم أياً من المحاضرات، على أن يعودوا سريعاً للمساعدة. يحدد غازي، الذي يلعب دور ضابط الإيقاع، عدد الخيشات الواجب ملؤها في اليوم الواحد، وبالتالي لا تعود العائلة إلى المنزل إلا بعد الإنتهاء من تعبئة الخيشات المحددة.

علي وحسين وأحمد
ورث غازي زراعة التبغ من والده. فهو نشأ وترعرع مع مواسم الدخان، كذلك أولاده الذين نزلوا إلى الحقل وهم أطفال.

علي، الابن البكر في العائلة، يخدم حالياً في الجيش وخلال عطلته يعود لمساعدة أهله في أعمال الزراعة. نزل علي إلى الحقل بعمر التاسعة. كان يستيقظ مجبراً عند الخامسة فجراً. يعي اليوم أن كل هذا التعب كان من أجل تربيتهم. هم يتذكرون معاناتهم اليومية ويضحكون. يقول حسين، وهو طالب جغرافيا في الجامعة اللبنانية، إنهم تعوّدوا على الاستيقاظ باكراً حتى مع انتهاء موسم القطاف. "طول عمرنا منفيق بكير. لا نعرف نوم الصبح".

أما أحمد، طالب الثانوية، فيتحسر على أيام الصيف التي تضيع في العمل والكد، وتقتصر متعة العطلة الصيفية على أيام معدودة، يقرر فيها رب العائلة أخذ إجازة، شرط أن يثابروا على العمل قبل وبعد يوم العطلة للتعويض، وغالباً ما يمضون يوم الإجازة في التنزه بالنهر.

ميساء
يشارك الجميع في سرد ذكرياتهم وأخبارهم. أما ميساء فتعمل بصمت. هي في الثالثة عشر من عمرها، بعكس إخوتها تكره زراعة الدخان بسبب الإستيقاظ المبكر، وبسبب التعب والجهد طوال العام. تحب الأدب. تمضي وقتها بعد الانتهاء من أعمال الزراعة في القراءة، وهي ستكمل دراستها الجامعية في الأدب العربي.

تعمل ميساء مثلها مثل إخوتها "الصبيان". تستيقظ في الوقت ذاته. تقوم بالمهمات ذاتها. تزرع. تقطف. تحصد. تشك. تدرس. لكن هناك مهمات إضافية على عاتقها كونها أنثى، كالتدرب على الأعمال المنزلية. ورغم تقديرها فضل شتلة التبغ في تربيتها وتعليمها، إلا أنها لن تتزوج مزارع تبغ، بل تحلم بالشاب البيروتي الذي، في رأيها، سيخلصها من عيشة الضيعة ومن شك الدخان.

لقطاف التبغ لباسه الخاص كون هذه الشتلة تحتوي على مادة لاصقة. لذا، يرتدي المزارعون ثياباً سميكة وقمصاناً بأكمام. يضعون القفازات في أكفهم. وينتعلون الجزمات السوداء النايلون منعاً لتسرب التراب والمياه إلى أرجلهم. لا يستغرق قطاف الشتلة الواحدة جزءاً من الثانية بين أيديهم. يبدأون قطاف الأوراق من أسفل الشتلة وتسمى "التكعيبة". منهم من يرمي هذه الورقة لرداءة نوعيتها ومنهم من يحتفظ بها. ثم ينتقلون إلى الأوراق الوسطى وتسمى "الصليبي" وتتميز بكبرها وعرضها. أما "الرقبة" و"الطربونة"، وهما آخر الأوراق التي يتم قطفها في الشتلة، فتتميز بصغر حجمها وقلة سماكتها. وهذه الأوراق تعطي أجود أنواع التبغ. لذلك، فسعر الكيلو منها أغلى من بقية أوراق الشتلة.

الساعة الثامنة
عند الساعة الثامنة صباحاً أطلق غازي صفارة النهاية. حزموا خيشاتهم. تسلقوا التراكتور وعادوا إلى المنزل. ألحق بهم إلى منزلهم. حالما يصلون تجلب والدتهم الفطور الذي يكون جاهزاً. بعد إستراحة قليلة ينثرون أوراق الدخان على الأرض ويبدأون بالشك، حيث يقومون بإدخال الأوراق بسيخ حديدي يسمى "الميبر". تصف الأوراق بحسب مقاسها، ويتجلى مفهوم "العونة" في هذه المرحلة حيث يتساعد الجيران والأقارب للانتهاء بوقت قصير. فتجدهم يأتون ويجلسون مباشرة على الأرض من دون دعوة ويبدأون المساعدة.

خلال الجلسة تدور أخبار القرية وأهلها ومشاكل البلدية والمخاتير. عندما تمتلئ "الميابر" يقوم الوالد بتفريغها تباعاً عبر تفريغ الدخان المصفف بخيطان خاصة، وتعليقها في الهواء الطلق كي تيبس. عند الساعة الثانية عشر تقريباً تنسحب الوالدة مجدداً لتحضر طعام الغذاء، ولا تقوم العائلة إلا مع إنتهاء شك آخر ورقة.

14 شهراً
لا ينتهي موسم الدخان مع إنتهاء فترة القطاف. يقول غازي إن العمل في الدخان يحتاج إلى 14 شهراً في السنة، حيث تبدأ زراعة المشاتل في كانون الأول والثاني. في البداية يتم رمي البذور في قطعة أرض صغيرة، بعدها يتم زرع الشتلات الصغيرة في المشاتل. وفي 20 آذار تبدأ زراعة الحقول، في حين يبدأ موسم القطاف، وهو المرحلة الأصعب، من 20 أيار حتى أواخر شهر آب تقريباً. بعدها يبدأ المزارعون بمرحلة "بسط" الدخان، أي فكها من الخيط بعد أن تصبح يابسة من الجهات كافة، ليتم وضعها في طرود خاصة إستعداداً لتسليمها.

يسلم كيلو الدخان إلى مصلحة التبغ والتنباك (الريجي) بـ11 ألف ليرة و14 ألف ليرة لبنانية للنوعية الجيدة، حيث يحدد الخبير المكلف جودة المنتج من لونه ورائحته وحتى طريقة صفه. يعتبر غازي أن السعر المحدد لا يفي كلفة إنتاجه. فالكيلو في رأيه يُكلّف 20 الف ليرة لتغطية نفقاته، وهو يعتبر أن زراعة الدخان هي عملية غير مربحة، ضارباً المثل القائل "القرقشة ولا الجوع". أي أنه مضطر إلى القبول بالخسارة على البقاء بلا دخل. تنتظر القرية بأكملها تسليم المزارعين للدخان. معظم المزارعين يعتاشون طيلة العام بالإستدانة من الدكان أو اللحام وحتى صاحب الفرن على أن يتم دفع الديون عند التسليم، لتبدأ بعدها مرحلة استدانة جديدة. ومنهم من يأخذ قرضاً من البنك وتكون ضمانته هي رخصة الدخان نفسها، ويتم إيفاء الدين مع تسليم موسم الدخان.

لا تقدم الريجي أي مساعدات تذكر للمزارعين، وفق غازي، فحتى الأدوية التي توزعها غالباً ما تكون منتهية الصلاحية. وهو يطالب بإقرار الضمان الاجتماعي للمزارع كي يبقى للحقول والأودية من يزرعها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها