آخر تحديث:08:52(بيروت)
الخميس 02/06/2016
share

إلغاء المحكمة العسكرية في لبنان.. ممكن؟

يارا نحلة | الخميس 02/06/2016
شارك المقال :
إلغاء المحكمة العسكرية في لبنان.. ممكن؟ إقرار قانون لتقليص صلاحيات المحاكم العسكرية في لبنان يتطلب إرادة سياسية (محمود الطويل)
منذ العام 2011، ومع إندلاع الثورات العربية، وإستخدام الحكومات القضاء العسكري لإرهاب المحتجين وفض حراكاتهم، اتفق حقوقيون في عدد من البلدان العربية على شعارٍ مشترك هو "لا لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية". لكن اللبنانيين تأخروا في حمل هذا الشعار حتى العام 2015، تزامناً مع الحراك الذي عمدت السلطات اللبنانية إلى ضربه بطرق عدة، كان الإعتقال التعسفي للمتظاهرين وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية إحداها.

تمثّل المحاكم العسكرية الدليل الحيّ على إفتقاد المنطقة العربية للديمقراطية والقضاء العادل والمستقلّ. لكن السؤال الذي يطرح هنا: هل غيّرت الثورات العربية هذا الواقع؟ إنطلاقاً من هذه الإشكالية، نظّمت "المفكرة القانونية" مؤتمراً بعنوان "إنتهاكات المحاكم العسكرية العربية: أي منعطف بعد 2011؟"، في 31 أيار و1 حزيران في فندق "كومودور" في الحمرا، بالتعاون مع "اللجنة الدولية للحقوقيين"، و"المعهد العالي الدولي للعلوم الجنائية في إيطاليا".

إلغاء أم تقليص صلاحيات؟

عرض المشاركون في المؤتمر، من محامين وقضاة وحقوقيين ونواب عرب، واقع المحاكم العسكرية في بلدانهم. ورغم اتفاقهم على رفض محاكمة المدنيين عسكرياً، وذلك تكريساً لحق المواطن بمحاكمة عادلة، إلا أنهم إنقسموا في ما يخص المحاكمة العسكرية للعسكريين. فبعد طرح السؤال البديهي: لماذا يُقاضى المدنيون أمام المحاكم العسكرية، تساءل المشاركون: لماذا يقاضى العسكريون أمام المحاكم العسكرية؟

عن السؤال الثاني، أجاب مؤيدو الإبقاء على المحكمة العسكرية لمحاكمة العسكريين فقط، بأن "المؤسسة العسكرية تحتاج إلى سلكها القضائي الخاص". أما مناصرو إلغاء المحاكم العسكرية بشكلٍ قاطع ونهائي، فانطلقوا في موقفهم من "خطر هذه المحاكم على مؤسسات الدولة والجيش، وإمكانية إستخدامها لإضعاف الجيش نفسه، وفسحها المجال للتعسف". بالإضافة إلى "إرتباط آليات عمل هذه المحاكم وأحكامها بالتراتبية والتعليمات والأوامر"، وهذا ما قد يُعرِّض عناصر الطبقات "الدنيا" في الهرم العسكري لتعسّف العناصر "الأعلى".

التجربة اللبنانية
أما في ما يخصّ النموذج اللبناني، فقد تناولته جلسة بعنوان "الإصلاحات الدستورية والقانونية في لبنان: مشروع قانون وتوصيات على ضوء المعايير الدولية". في هذه الجلسة، عرض المحامي فادي بركات تجربة "التيار الوطني الحرّ" مع المحكمة العسكرية في العام 2001، عندما أُحيل عدد من الناشطين العونيين والمستقلين إلى هذه المحكمة على خلفية معارضتهم الوجود السوري في لبنان. وقد وجهت إليهم، آنذاك، تهم تعكير صفو الدولة والإساءة إلى علاقة لبنان بدولة شقيقة. ويشير بركات إلى أن المخالفات التي تخلّلتها هذه المحاكمة ارتبطت بتجاهل المادّة القانونية التي تمنح المحامين الحصانة، وإطلاق سراح المعتقلين في منتصف الليل من أجل تأمين أموال الكفالة ومن دون قرار قضائي. في الختام، اختزل بركات الإختلاف في الملاحقة القضائية بين المحكمة المدنية والمحكمة العسكرية بالقول إن "المحكمة العسكرية لا تعلّل قرار إعتقال المواطن".

لعلّ التجربة الأبرز في هذا المجال، لبنانياً، هي تجربة حراك صيف/ خريف العام 2015، والتي عالجها أحد محامي الحراك مازن حطيط، متحدثاً عن "ترهيب المواطن" و"التصدي للحراك" من خلال المحكمة العسكرية. ولفت حطيط إلى إتخاذ القضاء العسكري موقفاً من الحراك ومن محاميه، وتقديم نفسه على أنه "الأب الروحي للحراك، وحاميه، ومهمته تنظيف الحراك من المندسين"، على حدّ تعبيره. وأصدر قاضي التحقيق العسكري قراراً ظنياً ضمّنه فقرة كاملة لذم محامي الحراك وانتقاد أساليب دفاعهم، ولا سيما تصريحاتهم الإعلامية. ما اعتبره المحامون أنه يحمل رأياً شخصياً.

أما النائب غسان مخيبر، فأشار إلى أن إقرار قانون لتقليص صلاحيات المحاكم العسكرية في لبنان يتطلّب بالإضافة إلى بلورة التقنيات المطلوبة لصوغ النص، "إرادة سياسية" أيضاً. وأكّد أنه، وللمرة الأولى في لبنان، هناك إمكانية فعلية لتمرير إقتراح حصر المحاكمات العسكرية بالعاملين في السلك العسكري، لكن ذلك يتطلّب زخماً إعلامياً بهدف دفع لجنة الإدارة والعدل إلى وضع هذا المشروع على جدول أعمالها.

التصدي للمحاكم العسكرية
أخيراً، عرض المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية" المحامي نزار صاغية الإشكاليات الأساسية التي انبثقت من النقاشات. أهم هذه الإشكاليات، التي أحاطها جدال كبير، هي "هل نلغي المحاكم العسكرية أم نحولها إلى محكمة متخصصة؟". ففي حين أن المعايير الدولية تمنع المحاكم الإستثنائية وتسمح بالمحاكم المتخصصة، إلا أن هناك "خوفاً يتبلور في هذا المجال من امكانية الإنزلاق إلى تحويل المحاكم المتخصصة إلى استثنائية عند أول منعطف. فبين المتخصصة والاستثنائية شعرة".

ويرى صاغية أن "الحذر الشديد واجب عند الحديث عن محكمة متخصصة". أما في ما يخص التوصيات، فقد أتفق معظم المشاركين في المؤتمر على أهمية تشكيل شبكة من المحامين والقضاة وضحايا المحاكم العسكرية العربية بهدف التصدي لها، وتحريك الرأي العام العربي ضدها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها