آخر تحديث:13:37(بيروت)
الأربعاء 03/02/2016
share

لا صيف في عدلون هذه السنة

رولا فرحات | الأربعاء 03/02/2016
شارك المقال :
  • لا صيف في عدلون هذه السنة
    أنتج المشروع الجديد انقسامات حادة بين أبناء البيت العدلوني الواحد (رولا فرحات)
  • شاطئ عدلون (رولا فرحات)
    شاطئ عدلون (رولا فرحات)
في أيام الصيف، كانت عائلات عدلون تتسابق منذ الصباح لحجز مكان لها على الشاطئ قبل ازدحامه، وهو كان مقصداً لهم كما لغيرهم من الزوار. وعلى هذا الشاطئ، رمال سمراء داستها أقدام كبرت مع كل صيف، وفيه كانت السَبحة الأولى، وفيه تعلّم العدلونيون الغوص والسباحة وصيد الأسماك. وفي الصيف، لا يُميّز تلاميذ المدارس، في عطلتهم السنوية، بين الأيام، فالبحر على مرمى حجر منهم، وهم يملكونه ويتميزون به عن غيرهم. وكان البحر وشاطئه لا يخلوان من الأجساد المتحركة. منهم من يسبح، ومنهم من يصطاد. ومنهم من جاء لمشاركة البحر همومه، وهم في أغلبهم من الفئات الشعبية، أو متدنية الدخل، التي لا تقوى على تحمل تكلفة رفاهية عالية على البحر، الذي يعد بالنسبة إلى بعضهم أيضاً مصدر رزق.


على أن الشتاء ليس وحده سبباً في تبدّل هذه المشاهد، بل المشروع الذي حُمل إلى الأهالي، في الشهر الأخير من العام الماضي، على شكل خريطة فقط، من دون دراسات توضيحية. هكذا، وُضعت البيوت البلاستيكية في إشارة الى بدء العمل، ثم غزت الآليات المكان لتستولي على فصل الصيف المقبل. وعلّقت لافتة صفراء تشير الى أن الميناء سمي بإسم "ميناء الرئيس نبيه بري للصيد والنزهة"، تكريماً له على "انجازاته الوطنية". لكن ماذا عن الأهالي وخياراتهم؟ وماذا عن البديل؟ لا أحد يملك جواباً. كما أن رئيس البلدية سميح وهبي قال لـ"المدن" إنه لا يعلم تاريخ انتهاء مشروع المرفأ. فمن يعلم إذاً؟

اليوم، تعمل الدولة اللبنانية ممثلة بمديرية النقل في وزارة الأشغال العامة على مسح ذاكرة عدلون، وإفراغها من قالبها، الذي اتسع لكل ما حمله الزمن إليها، عبر إزالة ذاكرتها التاريخية والفينيقية، من أجل تجربة إنمائية قد تتحول إلى نسخة جنوبية عن الـ"زيتونة باي" البيروتية. لكن ألم تطلع البلدية على تلك التجربة وما أفرزته من انفصال طبقي/ مكاني حاد؟ وكيف استطاعت الدولة اللبنانية تأمين كلفة المشروع المقدّرة بـ40 مليار ليرة وهي في أوج شللها الوزاري والمالي؟ وما الهدف من هذا المشروع، إن كانت الوظائف التي سيقدّمها، ستكون موسمية فقط لا تصلح إلا لفصل الصيف؟

والحال إن المشروع الجديد أنتج انقسامات حادة بين أبناء البيت العدلوني الواحد زادتها خطورة الأجواء المشحونة والتهديدات. وهذا ما عززه الحضور الحزبي، فهناك فئة حزبية تدافع عن المشروع بقوّة، بينما تعارضه فئة أخرى، بالإضافة إلى طرف ثالث يعلن توّجسه وتخوّفه من هذا المشروع ومآلاته، ويطرح الكثير من الأسئلة.

يقول أحد أبناء عدلون لـ"المدن": "في البداية، قالت البلدية إن الـ40 مليار ليرة متوفرة نقداً، ليعود أحد أعضائها ليقول بعدها إن هناك فقط 7 مليارات ليرة. وهنا تتجلى مخاوفنا من تلزيم المشروع إلى احدى الشركات الخاصة. وهذا ما قد يعرضنا إلى خسارة المتنفس الوحيد للبلدة ويضعنا تحت رحمة الشركة المتعهدة وقراراتها". ويتساءل آخر عبر "المدن" عن آلية المحافظة على المسبح الشعبي، و"كيف سيُسمح لليخوت والمراكب بالركون في مقابل المسبح؟". كما أن هناك غموضاً في وجهة المشروع، وفقه، إذ "مرّة يقولون إنه مرفأ للنزهة والسياحة، ومرة يقولون إنه مرفأ للصيد علماً أن عدد الصيادين في عدلون لا يتعدّى الـ15 صيّاداً، ثم يصرّحون أن هذا المرفأ تجاري، وسيؤمن أكثر من 400 وظيفة لأبناء الضيعة، لكن ما هي هذه الوظائف؟ لا نعرف بعد".

بدوره، يقول علي متيرك، أحد أبناء البلدة ورئيس "اتحاد الشباب الديمقراطي" في لبنان، لـ"المدن" إن "المشروع سيقام على نحو 164 ألف متر مربع، وقد بدأ العمل به منذ أكثر من عشرين يوماً. لكن حتى الساعة لم تقدّم لنا أي دراسة تفصيلية حول المشروع أو الجدوى الاقتصادية من هذا المرفأ، وكل ما نسمعه مجرد كلام لا توضيح لتفاصيله. والجدير ذكره، أن هناك مرفأي السكسكية والصرفند بالقرب من مرفأ عدلون، وأقرب واحد منهما لا يبعد عنه أكثر من 3 كلم. وهذا ما يدعونا إلى الاستفسار أكثر عن هدف هذا المشروع".

فئة أخرى من الأهالي بدأت بالاستعداد لاستقبال المشروع على أنه حبل خلاص سيحوّل البلدة الى منطقة سياحية تنافس المناطق السياحية الأخرى وتستقطب أعداداً كبيرة من السيّاح. محمد مثلاً بدأ بفتح كافيتيريا في المبنى المجاور للشاطئ كنوع من استثمار جديد يناسب التغير المقبل. أما الصيّاد خضر نور الدين فسيشتري زورقاً صغيراً (فلوكة) ويمارس مهنة الصيد ليعود ويبيع ما يحصّله على المرفأ، وثقته كبيرة بأن "دولة الرئيس برّي يهتم بمصلحة أبناء المنطقة".

في كل الأحوال، المرفأ هو "مرفأ للصيد البحري والنزهة"، على ما يؤكد وهبي لـ"المدن"، وهو يشير إلى أن "تكاليف المشروع في مرحلته الأولى مؤمنة". أما عن أهمية المشروع، فيقول وهبي إنه "سيؤمن 400 وظيفة عمل لأهالي عدلون والمنطقة. أي انه بإمكان أي فرد أن يأتي لاصطياد الأسماك وبيعها، إذ سيضم المرفأ سوقاً لبيع الأسماك أيضاً". كأن أهالي عدلون سيتحولون من مزارعين إلى صائدي وبائعي أسماك، بسبب المرفأ.

إذاً، تبدو حالة بلدية عدلون مشابهة لحال مواطنيها المتخوّفين من المشروع لعدم وضوح عناصر إنشاء المرفأ. وهناك جملة من التساؤلات تُطرح: كيف يمكن للبلدية أن تدافع عن مشروع لم تتضح معالمه بعد، وتمويله يتوفر لمرحلته الأولى فقط؟ ومن يمنع الدولة اللبنانية عند شعورها بالافلاس من خصخصة المشروع وتمليكه لإحدى الشركات الكبرى لتحوّله إلى مشروع خاص؟ وكيف يُسمح بتدمير الواجهة البحرية للمنطقة، ناهيك عن الآثار السياحية والفينيقية؟ فبعد أشهر قليلة يبدأ الصيف، بينما الشاطئ لم يعد ملكاً عاماً، بل تحرسه عربات النقل والجرافات والآليات. كأن لا صيف، هذه السنة، في عدلون.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها