آخر تحديث:21:37(بيروت)
الخميس 25/02/2016
share

"بيروت مدينتي": الحراك المدني الجديد يسعى للظفر ببلدية بيروت

يوسف بزي | الخميس 25/02/2016
شارك المقال :
  • 0

"بيروت مدينتي": الحراك المدني الجديد يسعى للظفر ببلدية بيروت برنامج الحملة يقوم على مقاربة متكاملة تدمج مساهمات كثير من الفاعلين (المدن)
كان مدهشاً هذا الحشد، مساء الأربعاء، هناك في مقر جمعية "أشكال ألوان" (سن الفيل). أكثر من 250 ناشطاً بيروتياً اجتمعوا في أول لقاء علني، تحضيراً لإطلاق حملة "بيروت مدينتي"، التي ستخوض معركة اللائحة المستقلة للانتخابات البلدية، المتوقعة في أيار المقبل. 


الملامح والوجوه مألوفة، إنهم يمثلون حضوراً نعرفه في التظاهرات السياسية، في حملات ميدانية شهدناها عند شاطئ الرملة البيضا والروشة ومار مخايل والحرش.. في ساحة الشهداء، في السجالات التلفزيونية، في النشاطات الثقافية العامة. إنهم هؤلاء الذين يتورطون في الشأن العام، كلما ظهرت مشكلة أو أزمة، نخبة مدينية ومدنية. وكان مدهشاً استنفارهم هكذا وتلبيتهم لاجتماع في وقت متأخر من المساء.

الدهشة ليست متأتية من العدد، بل من نوعية المحتشدين وغايتهم. تقول رنا خوري: "بدأنا كمجموعة من خمسين ناشطاً وناشطة. معظمنا مهندسون وخبراء عمران وبيئة واقتصاد وأساتذة جامعات وفنانون، وبتنا اليوم مؤلفين من مئتيّ متطوع، ملتزم بالحملة".

من الواضح، أن تحضيرات هذه الحملة أكثر من جدية. وعلى الأرجح، ستشكل تهديداً حقيقياً لرموز السلطة وأحزابها، الذين عادة ما يأتلفون ويجددون هيمنتهم على المجلس البلدي كل مرة، وفق عقلية المحاصصة. فهدف حملة "بيروت مدينتي" ليس مجرد "تسجيل موقف" انتخابي، أو الاكتفاء بتظهير صوت اعتراضي وأقلوي في الانتخابات. يؤكد جاد شعبان أن الحملة "ستسعى جدياً للفوز وتنفيذ برنامجنا، الذي سيغير وجه بيروت"، مضيفاً أن "البلدية هي الدولة".

من الواضح أن هؤلاء الناشطين، أتوا من تجارب متعددة وناجحة، فالمعمارية منى حلاق مثلاً، كانت هي منظمة الحملة من أجل الحفاظ على مبنى بركات أو "البيت الأصفر" في السوديكو، والمعروف حالياً بـ"بيت بيروت" ويتم تحويله إلى متحف ذاكرة مدينة بيروت، كما الحملة من أجل الحفاظ على المبنى الإنتقائي المعروف بمبنى توي بلوك (toy block) في منطقة الصنايع مقابل وزارة الداخلية والبلديات. نذكر أيضاً منى فواز ومي الداعوق وريان اسماعيل ونايلة جعجع وعبد الحليم جبر.. وآخرين، ممن نجحوا في حملات الحفاظ على ميناء الدالية، والعمارات التراثية في الجميزة ومار مخايل، وتصدوا لمشروع أوتوستراد فؤاد بطرس ولمشاريع هدم بيوت أثرية، وحملة استعادة حرش بيروت.

أيضاً يضم هذا التجمع عدداً من الناشطين في الجمعيات غير الحكومية، التي عملت في العقدين الأخيرين، في ميادين البيئة والتطوير الحضري والتنمية الاجتماعية، وكان لها إسهاماتها بالتعاون مع البلديات في كثير من المشاريع ذات المنفعة العامة، أي أن هؤلاء الناشطين حصّلوا خبرة كبيرة وواسعة في الشأن البلدي وإداراته، ومعرفة تفصيلية بالحاجات والإمكانات العملية لتحسين حياة العاصمة.

الأهم، أن عصب الحملة هم الناشطون الذين اختبروا الحراك المدني الذي انطلق مع أزمة النفايات. هؤلاء، تجاوزوا تبايناتهم السياسية، وعادوا بالسياسة إلى مبدئها الأول: تدبير المدينة. فخرجوا من الاصطفافات الحزبية والطائفية وقسمة 8 و14 آذار، نحو اهتمامات اجتماعية ملحّة وعمومية في منفعتها ومصلحتها.

من هذا الوعي، وافتراقاً عن سلبيات الحراك المدني، وتجاوزاً لموقف الاحتجاج أو الاكتفاء بالاعتراض والمطالبة، نحو موقف المبادرة الإيجابية، أتت هذه الحركة الجديدة. يقول ريان اسماعيل، الذي يدير الحملة الدعائية للائحة "بيروت مدينتي": "لن نطالب المجلس البلدي بما نريد، سنكون نحن المجلس البلدي".

اسماعيل يؤكد حظوظ اللائحة في الفوز، فـ"العام 2010، شارك فقط حوالى 20 في المئة من الناخبين، لذا حملتنا ستطال الـ 80 في المئة من المقترعين. سنفوز بأصواتهم"، مشدداً على أن الانتخابات الماضية حدثت في وقت لم يكن للأنترنت والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والوسائط الأخرى تأثيرها كما الآن، ولذا فإن خبراء الحملة، البارعين في استخدام هذه التكنولوجيات، سيكون لهم الدور الحاسم في التعبئة الانتخابية، التي ستستثمر الاعتراض الشعبي الواضح على أداء بلدية بيروت في الأعوام السابقة، والشعور بالإحباط المتنامي من الطبقة السياسية الفاسدة.

في هذا اللقاء الموسع والعلني الأول، الذي حضره إعلاميون وحقوقيون ومهندسون وأطباء وفنانون وجامعيون وأعضاء جمعيات أهلية وتجار ورجال أعمال وأصحاب مشاريع عمرانية وبيئيون ومثقفون وناشطون مدنيون، أعلن عن تقسيم الحملة إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، ابتداء من هذا اللقاء، ستكون للتشاور والتطويع والتنظيم ووضع خطط الدعاية، أما المرحلة الثانية فتبدأ بإعلان الحملة رسمياً في منتصف آذار المقبل، وفي المرحلة الثالثة سيتم الإعلان عن أسماء المرشحين في منتصف نيسان المقبل.

تؤكد رنا خوري أن برنامج الحملة هو حصيلة نقاشات ومراجعة أبحاث وكتابات لأكثر من 60 خبيراً وخبيرة، كما هو حصيلة الدراسات التي أنجزت عن بيروت من قبل باحثين أو جمعيات: "كل الجمعيات غير الحكومية والناشطون المعروفون سابقاً، هم اليوم يشتركون في حملتنا".

البرنامج نفسه يقوم على مقاربة متكاملة تدمج مساهمات كثير من الفاعلين. من بين هؤلاء، محترفون يعيشون في بيروت، يساهمون في خبراتهم في ترشيد عمل البلدية. منظمات مدنية كان لها إسهامها في الكثير من القضايا البلدية والاجتماعية والبيئية. أصحاب المصالح من القطاع الخاص، كشركاء في تطوير نوعية العيش في المدينة. سكان المدينة الذين يشاركون في ورشات عمل صغيرة، ولهم اهتمامات عامة في أحيائهم وأماكن سكنهم.

يركز البرنامج على زيادة نسبة الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة، وتقديم الحوافز للمطورين العقاريين لترميم أو تأهيل المنازل والمباني المتدهورة. فمن المعلوم أن أكثر من نصف شباب بيروت اليوم لن يتمكنوا من امتلاك منزل في المدينة في المستقبل.

العنوان الثاني في البرنامج، يتعهد بتحسين الحركة والنقل في المدينة عبر اعتماد استراتيجية متكاملة تعدّل توزيع طرق التنقل لصالح الخيارات السهلة (المشي، الدراجات الهوائية)، كذلك تحسين أنظمة النقل المشترك، وإنشاء خطوط حافلات جديدة سريعة، وتأمين مسارات آمنة للدراجات والمشاة تمتد عبر الأحياء، عدا عن مشاريع المنتزهات والمواقف تحت الأرض.

ويتعهد البرنامج باعتماد وتطبيق استراتيجية شفافة ومتكاملة وفعالة لإدارة النفايات الصلبة، تعتمد على تخفيض إنتاج النفايات من المصدر، والفرز من المصدر، وفرز مكمل، وإعادة تدوير النفايات واستخدامها، وكذلك إنشاء مكتب لإدارة النفايات داخل بلدية بيروت يساهم في تمكين هذه الخطة وتنفيذها.

يتطرق البرنامج أيضاً إلى زيادة نسبة الأمتار المربعة من المناطق الخضراء وتأمين حديقة على الأقل لكل حيّ، وتحسين الواجهة البحرية والقدرة على الوصول إليها والتمتع بها، وتعزيز دور الشاطئ كمساحة مشتركة للالتقاء والتفاعل والرفاهية.

أما بخصوص التلوث فيقدم البرنامج تعهداً بخفض انبعاثات السيارات لتحسين نوعية الهواء، والتوصل إلى حل لمشكلة النفايات من غير اللجوء إلى الحرق.

لا يخلو البرنامج أيضاً من تعهد ببناء منشآت عامة ووسائل راحة وبنى تحتية، كالمكتبات العامة والمراكز الاجتماعية والثقافية والترفيهية والرياضية، ومرافق لعب للأطفال. وأخيراً يتطرق البرنامج إلى إصلاح مؤسسات البلدية، ويتعهد بسياسة إشراك سكان المدينة في العمل البلدي، وتوفير المعلومات والإستجابة بشفافية لآليات المساءلة والمحاسبة.

كل هذه التعهدات تدل على ما لم توفره البلدية، أي كل ما ينقص العاصمة من شروط تجعل السكان راضين عن بيئة عيشهم وحياتهم اليومية. هي عناوين الشكوى والتذمر وقد باتت اليوم جدول أعمال هؤلاء الناشطين. وخطة حملة "بيروت مدينتي" ستستمر 80 يوماً، في جولات مكثفة على كل أحياء المدينة وبيوتها، على الأرض وعبر تقنيات التواصل الالكتروني، التي من الواضح أنهم محترفون بها بعدما أطلقوا قبل يومين تطبيقهم الخاص (App) عبر الهواتف الذكية، وتشبيكاتهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتنظيمهم الإعلامي والدعائي.

وإذا كان هناك من إغفال لبند حيوي في البرنامج المذكور، فهو في قانون الناخبين نفسه، إذ سيظل الذين ولدوا وعاشوا وعملوا وامتلكوا بيوتاً أو مصالح أو عقارات ودفعوا الضرائب لبلدية بيروت طوال حياتهم، مسجلين في سجل نفوس مسقط رأس العائلة خارج العاصمة (ولو منذ مئة عام)، سيظل هؤلاء ليسوا "بيارتة" ولا حق لهم بالتصويت؟!

على كل حال، ينبئنا هذا "الحراك" أن ثمة اعتراضاً مدنياً ناضجاً وراء هذه الحملة، التي ستجعل انتخابات البلدية المقبلة ليست طريقاً مفروشاً بالورود، لا لـ"تيار المستقبل" ولا لـ"حركة أمل" ولا "الكتائب" ولا "القوات".. وهذا ما نأمله.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني