آخر تحديث:13:37(بيروت)
الثلاثاء 19/01/2016
share

قانون البلديات "يتناقض" مع مفهوم اللامركزية

رنيم البزري | الثلاثاء 19/01/2016
شارك المقال :
قانون البلديات "يتناقض" مع مفهوم اللامركزية تبدو سلطة البلديات، كما في صورتها الحالية، سلطة وجاهة ليس أكثر (المدن)
تأخر العمل البلدي في لبنان ليس مقتصراً فحسب على السلوك الانتخابي أو الأداء التمثيلي، بل يبدو في أساسه تأخراً في التشريعات والقوانين. والملفت أن التشريع، بأفراده ومؤسساته، على قلته وبطئه في لبنان لم ينشغل في الآونة الأخيرة في تطوير قانون البلديات، مثلاً، أو تدعيمه بمراسيم، رغم أن الدورة الانتخابية الأخيرة أجريت منذ 6 سنوات، ولا يمكن الجزم أنها لم تكشف خلال هذه السنوات عن خلل في التنظيم والممارسة.


وكانت أول القوانين المتعلقة بإدارة البلديات، في عهد الاستقلال، قد صدرت في العام 1947، وبعدها في العام 1952، ثم في العام 1954، ليصدر في العام 1959 المرسوم رقم 116، والذي أقر قانون اللاحصرية الادارية للسلطة على مستوى المحافظة والقضاء، والذي لا يزال سارياً إلى الآن. وفي العام 1977 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 118، في حين كانت الانتخابات البلدية معطلة منذ العام 1963.

على أن عودة الانتخابات البلدية في العام 1998 ركنت إلى القانون البلدي الذي صدر خلال الحرب الأهلية، فيما بقيت البلديات كمؤسسات للسلطة المحلية "غائبة عن النص الدستوري، حتى في مرحلة ما بعد الطائف"، بحسب الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية في جامعة "سيدة اللويزة" أندري سليمان. ويُعرِّف قانون البلديات، في مادته الأولى، البلدية بأنها "إدارة محلية تقوم، ضمن نطاقها، بممارسة الصلاحيات التي يخولّها إياها القانون. وتتمتع البلدية بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي والإداري في نطاق هذا القانون". وهذا التعريف يلامس فكرة اللامركزية الادارية التي نص عليها إتفاق الطائف، في أحد بنود اصلاحاته، حيث نص على "اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية".

إلا أن هذا النص، وفق سليمان، "يتناقض مع مفهوم اللامركزية، الذي لا يتسق مع ترؤس أي شخص من ممثلي السلطة المركزية موقعاً في الادارة اللامركزية". وهذا ما يقيد، بالتالي، الإستقلالية المالية والادارية للبلديات المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي 118. وهذا ما تؤكده الممارسة، عملياً، اذ لا يمكن للبلديات تنفيذ مشاريعها، وتحديداً تلك التي تتطلب كلفة مرتفعة، من دون موافقة السلطة المركزية، ممثلة بالقائمقام أو المحافظ أو وزارة الداخلية، وتحديداً في ما يتعلق بالموازنة وفتح الاعتمادات. في هذا السياق تقترح يارا نصّار، وهي المديرة التنفيذية لـ"الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات"، "تأسيس مجلس للقضاء منتخب بدلاً من القائمقام الذي يعين من قبل السلطة المركزية"، وهي الفكرة التي كانت لجنة إعداد مشروع قانون اللامركزية الادارية قد اقترحتها، في العام 2012، بعد تكليفها تقديم مشروع قانون من قِبل رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان في العام 2011.

في العام 1997 عُدّل قانون البلديات، حيث "زادت هذه التعديلات من عدد أعضاء المجلس البلدي، وألغيت شروط انشاء البلديات، والتي كانت تنص قبل التعديل على ضرورة وجود 300 نسمة على الأقل مسجلين في النطاق البلدي، وحُصر قرار انشاء البلديات بوزارة الداخلية، ما أدى الى ظهور عدد كبير من البلديات، وصلت الى 1108 بلديات، وهو أعلى عدد من البلديات في العالم، بينما بقيت مداخيل هذه البلديات قليلة"، على ما يقول سليمان. كما أن هذه التعديلات، وفق سليمان ونصار، "أدت الى تسهيل التدخل السياسي في المجالس البلدية والحد من استقلاليتها، وسمحت بالكثير من التلاعب في العمل البلدي".

على أن هذا العدد الكبير من البلديات ساهم، بحسب سليمان، بتقليص مواردها، وهذا "الشح في الموارد يرجع إلى أسباب بنيوية، وإلى عدم التزام الحكومة بتطبيق المراسيم والقوانين، وتحديداً تلك المتعلقة بتحويل أموال البلديات، اذ تمت مصادرة أموال البلديات في الصندوق البلدي المستقل، الذي يُفترض أن يُحوِّل هذه الأموال دورياً إلى البلديات، بموجب المرسوم الذي صدر في العام 1997، منظماً عملية التوزيع هذه، إلا أن ذلك لم يحصل إلا في مرّات نادرة، والتحويل يتّم بشكل غير شفاف، وبناء على معادلة في التوزيع غير واضحة". هكذا، تطالب نصار بإصدار مرسوم جديد يحدد "تفاصيل صرف أموال الصندوق البلدي، كي لا تترك لاستنساب السلطة التنفيذية، وتحديداً في عائدات الخليوي"، مقترحة "توسيع النطاق الجغرافي للبلديات، ما يضمن تأمين توزيع عادل لهذه الأموال".

في المقابل، يؤكد سليمان عدم التزام أعضاء المجلس البلدي ورؤساء البلديات بواجباتهم، ويعود ذلك في كثير من الأحيان إلى "جهلهم بوظيفتهم وبالقانون البلدي". ومن الممارسات المخالفة للقانون "ترؤس رئيس البلدية للجنة المناقصات وكذلك للجنة الاستلام في الوقت نفسه، في ما يتعلق بالمشتريات مثلاً. كما أن غياب التوظيف يعد أحد أشكال هذا الفساد، فكيف للمحاسب أن يكون هو نفسه أمين الصندوق والجابي؟". وهذا ما يفرض وجود رقابة على عمل البلديات، إلا أنّ نصّار ترى أنه من الأفضل "إلغاء الرقابة المسبقة الممارسة من قبل السلطة المركزية، والتي يمكن أن تحد من عمل البلديات، والابقاء على الرقابة اللاحقة التي يمكنها تأمين المحاسبة".

في كل الأحوال، تبدو سلطة البلديات، كما في صورتها الحالية، سلطة وجاهة ليس أكثر، يختلط فيها التنافس العائلي بالتنافس السياسي، فتغيب عنها أدوارها التنموية "وهذا ما يعززه تضييق الخناق عليها"، وفق نصار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها