إنتهت الحرب، ولم يُستكمل العمل بالبرج، لا من أجل ترميمه ولا من أجل هدمه، كما مصير معظم مباني وسط المدينة خلال حملة إعادة الإعمار. لكن بالقرب منه، تظهر بين حين وآخر، يافطات لمشاريع يتم الإعلان عنها ثم تُلغى لأسباب تبقى غير معروفة. وفي حين أن الشائع أن ميشيل المر، نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، هو مالك البرج الأصلي، وصاحب الأرض المشيد عليها، تعتبر شركة "سوليدير" مالكه القانوني، وإن كان موضوع الملكية غير محسوم، ويثير صراعات بين الطرفين، كما هو حال عملية تملك كل عقارات وسط المدينة.
على أن المسألة الأخرى التي تشكل عائقاً أمام مباشرة العمل مجدداً في البرج، هي أن هذا البناء، الذي كان عصرياً عند البدء في بنائه، وشاهداً على نوع جديد من العمارة السريعة، لم يعد ملائماً بمواصفاته لشروط عمارة اليوم. كما يشار إلى وجود بعض الأخطاء الهندسية والحسابية فيه، مثل أن المساحة الداخلية للشقق غير مدروسة والأسقف خفيضة.
الحرب
شهد نبيل صبح، الذي يسكن في الحي منذ العام 1977، الكثير مما عاشه وشهده برج المر، وهو يقول إنه "أكلها خبيط" من الجهتين، مشيراً إلى أن "قلائل يعرفون المنطقة بإسمها الحقيقي، أي القنطاري، وأنها معروفة أكثر بإسم برج المر، لأهميته فيها". كما هو الحال بالنسبة لشوارع كثيرة في بيروت، التي نسي الناس إسمها الأول، وحفظوا إسم معلم معماري فيها، كالسان جورج وفينيسيا مثلاً.
يعدد نبيل ما وقع من حوادث معروفة في البرج من خطف وسجن وتعذيب وقتل وإنسحاب لقوى منه ودخول أخرى إليه، ولكنه يتذكر بدقة تاريخ 7 شباط 1984 يوم خرج منه السوريون وحلت مكانهم القوات الفرنسية، مستعيداً قصة جندي فرنسي كان يصعد إلى السطح، غير المسور، ليأخذ حمام شمس. فبينما كان الجندي يجلس على شفير واحدة من الجهات و"يدندل" رجليه إلى الأسفل، انشغل الناس فيه وراحوا يصورنه.
حديد البرجواذا كان صبح يحب البرج، ويعتبره "رمزاً للصمود"، فإن جنان مكي باشو، وهي نحاتة، تكره البرج، وترى في هذا المبنى "الذي كان من المفترض أن يكون واحداً من أهم مباني الشرق الأوسط نذير شؤم على لبنان". ومكي، التي إرتكزت في أعمالها الفنية على الشظايا التي تجمعها من بيوت سكنتها ودمرتها الحرب وتحفر فيها الشكل الذي تستوحيه منها، جعلت من برج المر موضوعاً لأحد أعمالها.
وقد درست مكي هندسة البرج والتناظر فيه بشكل دقيق. فهو بست نوافذ من الجهتين الكبيرتين، أما الجهتان الصغيرتان، فواحدة بنافذة، وأخرى بإثنتين. ثم صهرت من الحديد العديد من النماذج لبرج المر بأحجام متفاوتة، وقد أرادت أن تصنع منها ماتريوشكا (أي الدمية الخشبية الروسية التي تأتي على شكل فتاة تحمل كل واحدة بداخلها دمية أخرى أصغر منها). وهي ربما أرادت أيضاً أن تلعب به، أن تروضه وتطوعه وتتحداه، لتجعل منه تحفة فنية تحمل جمالية معينة.
ومكي التي سكنت خلال الحرب الأهلية في تلة الخياط، مهجرةً من بيتها الأول، تروي كيف إكتشف مرة سكان الحي أمر قناص من قناصة برج المر كان قد تسلل إليهم، فخلعوا عن وجهه القناع، وسحلوه، معلقاً بسيارة، حتى الموت. وهذا المشهد أثر بمكي بعمق، اذ "كيف صار مواطنون بسطاء بهذا العنف أمام إنسان قد يكون أو لا يكون هو بالذات قاتل حبيب لهم أو عزيز عليهم".
البرج يتحرك
في المقابل، أخرجت لينا غيبة فيلماً متحركاً قصيراً عن البرج، سمته ببساطة "برج المر" (12 د.). وهي مثل صبح، عاشت في محيطه، لكن أبعد منه بقليل، في حي الوتوات، وكانت تراه كل يوم من زاوية مختلفة. تقول غيبة إن "البرج يتلون مع ساعات النهار وتوالي الفصول عليه، فألتقط صوراً له لأظهر وأحفظ هذا الإختلاف البصري الطارئ".
يبدأ فيلم غيبة بجملة بصوت حامد سنو، يغني واحدة من أغاني مشروع ليلى: "حبيبي"، وينتهي بكلمتين منها: "حبيبي خليك..."، حيث يصير للبرج رجلان يتنقل بهما ذاهباً نحو المجهول، منحني الظهر، مكسور الخاطر. وخلال الفيلم، ينتقل المصعد عشوائياً بين الطوابق، وفي كل مرة ندخل إلى غرفة، تروي بما فيها من عناصر الغرافيكس المركبة، واحدة من قصص الحرب المؤلمة، كقصة بوسطة عين الرمانة، مثلاً، أو توحي بواحدة من قضاياها، كقضية المفقودين. وفي هذه المشاهد يظهر ويختفي عصفور كبير، مرة يكون بمنقار حاد وعين لامعة، ومرة يكون بأنف مبروم، يقرّبه من السذاجة. وتشير غيبة إلى أن "ثمة نسرا حقيقيا كان يحط فوق البرج، ينقد الجثث".
بين صبح الذي يحب البرج، وجنان التي تكرهه، تقول غيبة: "صرت جاهزة اليوم لتقبل فكرة أن يُهدم البرج، إذا شاؤوا أن يهدموه، فلكل شيء نهاية، وقد عملت على البرج حتى امتلأت به"، وهي تعتقد أنها أعطته قليلاً من الحب قبل أن يرحل.
Have a nice day
أقدم رسم سكن ذاكرتي لبرج المر كان في البوستر الشهير لوليد زبيب "Beirut... have a nice day"، عن شارع جان دارك، في الحمرا، المنطقة التي تعكس مزاج المدينة وأحوالها، بكل تناقضاتها الثقافية والاجتماعية. وكان زبيب قد رسم لوحته في العام 1987، أي في عز الحرب، كما يُقال، وكان عمره 22 سنة، أي في السن التي يرى الإنسان فيها الأشياء من خلال نظرة عاطفية صادقة، أكثر منها موضوعية وتحليلية.
في الملصق الكبير (57×82) يراكم الرسام/ المصور، مع مبالغات كوميدية/ سوداء، مشاهد لمواطنين موتورين ومتوترين، مدنيين أو يحملون السلاح، يبيعون ويشترون، يعتدون أو يفرون ويختبئون، أو بكل بساطة يحاولون المضي بسلام فوق كل هذا الخراب، وهي أقرب إلى بانوراما لحركة عنيفة، فيها لهاث كثير، حمام دم ونار ودخان وبول وجنس مبتذل، صراخ وشتائم، وربما هدير حفارة ودبابة، عواء كلب ودوي رصاص، ومتفجرة، وزمور سيارة إسعاف، لكن في هذه الرسمة، "برج المر" هو الصامت الوحيد فيها، كشبح ينظر إلى كل شيء من دون أن يكون مرئياً، يحرك دمى هذه الدراما بخيوط مصيص.
صور برج المر وأشكاله
رنا قاروطالأحد 2016/02/14

"البرج يتلون مع ساعات النهار وتوالي الفصول عليه" (محمود الطويل)
حجم الخط
مشاركة عبر
بقي برج المر، المؤلف من 34 طابقاً، سبعة منها تحت الأرض، وبنوافذه الـ510، والذي بدأ العمل فيه في العام 1970، أعلى مبنى في بيروت حتى بدء الأشغال في مبنى "سما بيروت" في السوديكو. على أن العمل في برج المر كان قد توقف مع بداية الحرب الأهلية، في العام 1975، ليشهد على 15 سنة متتالية من المعارك الدموية المجنونة، والتي كان "أبطالها" عناصر أحزاب "الكتائب" و"الأحرار" و"حراس الأرز" و"المرابطون" و"حركة أمل"، بالإضافة إلى القوى العسكرية الشرعية اللبنانية والجيش السوري والفلسطينيين. وقد شكل البرج لهم، بموقعه الإستراتيجي، بين الشرقية المسيحية والغربية المسلمة قلعة حصينة، فجعلوا من طوابقه العليا مراكز لنخبة القناصة عندهم، يطلون منها على معظم شوارع بيروت، أما الطبقات السفلى فكانت سجوناً لمعتقليهم.




التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها