سائق الباص
تستقل الباص، كأنك تدخل مقهى أو حانة تضج بالموسيقى العالية، وتعج بالزبائن/ الركّاب إلى درجة أنك إذا أردت مناداة السائق كي تنزل من الباص، سيسمعك بعد تجاوزه المكان الذي تريده، إذا وصله الصوت.
لكن السائق يُفضِّل، كما يمكن الملاحظة دائماً، أن يبقى الركّاب واقفين بدلاً من جلوسهم على المقاعد، ليتمكن باصه من إستيعاب أعداد أكبر من الركّاب تفوق قدرته.
ومنذ زمن غير قليل بدأ معظم الركّاب يعانون من سوء تصرّف السائقين وقلّة درايتهم بمسؤوليتهم، فهم "يتنازعون على الألف ليرة"، على ما يقول مازن، وهو طالب حقوق في "الجامعة اللبنانية" في مجمّع الحدث، والذي يستقل الباص يومياً من عاليه إلى كنيسة مار مخايل. فإذا جرّب أحد السائقين مزاحمة سائق الباص، يصبح الباص سيارة إسعاف تتراقص بين السيارات، ليس لإنقاذ من في داخلها بل لإنقاذ الألف ليرة التي كانت ستُنتزع من جيب سائقه. "مش على قيمة الألف بس دوري هلق وهوي عم يسوبق عليي"، على ما يمكن أن يقول سائق الباص من ضمن مجموعة تبريرات معدة مسبقاً، يحرص غالباً على طرحها أمام ركّاب الباص، الذين يكونون، في أثناء إستعادته دوره المتهوِّر، قد فقدوا ما بقي من تماسك أعصابهم.
أما في حال تأخر الباص عن موعد وصوله إلى محطته الأخيرة في الكولا، فإن السائق يعدّل مساره ويأخذ طرقاً فرعية، غير آبه برغبة الراكب الذي إستقل الباص أصلاً من أجل الوصول إلى تلك المناطق التي يمر فيها الباص عادة، والتي يتجاهلها السائق كي لا يخسر دوامه.
كما أن التنافس بين السائقين، يكتسب معنى إضافياً، حين يقع إشكال بين مجموعة من السائقين الدورز ومجموعة من السائقين الشيعة، كأن بوسطة "عاليه- الكولا"، تحولت فجأة إلى "بوسطة عين الرمّانة"، لتختم "المعركة" بين المجموعتين، في بعض الأوقات، بقطع الطريق أو تكسير مرايا الباصات، أو حتى الباصات نفسها.
.. العودة
أمّا في خط العودة من الكولا إلى عاليه، فلا ترى سوى ركّاب يلعنون اللحظة التي جعلتهم تحت رحمة السائق، الذي "كل دقيقة يمشي متراً"، على ما يقول رامي، وهو موظف أمن في إحدى الشركات. إذ إن الباص، وبعد إنتهائه من مرحلة الكولا، ينتقل إلى منطقة الرحاب، لينتظر وركّابه معه دفعة أخرى من الركّاب. وفي الرحاب، يعمل مراقب يدعى "حسن"، حسبما يتردد على ألسنة الركّاب، على إستفزاز السائقين لإجبارهم على الإنتظار لنصف ساعة إضافية، إذ إنه في تنظيمه العمل على الخط يريد أن يباعد بين حركة الباصات، و"هكذا، لا نصل إلى عاليه قبل ساعتين، رغم أن باصات أخرى، مثل باص 16 وباص شتورا- بعلبك، تصل خلال نصف ساعة اليها"، يقول أحد الركّاب.
ومحطات الانتظار هذه لا تنتج إلا حمولة زائدة، بحيث يصل أحياناً عدد الركّاب في الباص الواحد الى أكثر من ثلاثين راكبا. "نصل إلى مرحلة نبدو كأننا نجلس فوق بعضنا، حتى أن السائق يُجلس بجواره ثلاثة ركّاب، مع أن هذا المكان معد أصلاً لشخصين فقط. أتخيل لو أن بإمكانه تحميل ركّاب على السطح، لما امتنع عن ذلك حتى"، يضيف رامي.
"التلطيش"
على أن كل ما سبق قوله، يبقى أقل وطأة من شكاوى الفتيات اللواتي يستقلن الباص 15، فتقول ريما، طالبة الكيمياء في إحدى الجامعات: "لا أستقل الباص إلا اذا كان الشوفير كبيراً في العمر، وهم صاروا يعرفونني فيحجزون لي مطرحاً". والشائع عن الباص، كما أكدت شابات لـ"المدن"، أن أغلب الشبان الذين يقودون الباصات يسببون إزعاجاً كبيراً، خصوصاً للفتيات، إن كان من ناحية الموسيقى الصاخبة، كنوع من "التلطيش"، أو النظر في المرآة، أو حتى محاولة التعرّف عليهنّ.
الوزارة الغائبة
في المقابل، يؤكد الشيخ صقر الكوكاش، منسّق الباصات الرقم 15، لـ"المدن"، أنّ "كل ما يمس بالركّاب هو من مسؤوليتنا، وكل سائق أو مراقب تابع لنا سيعاقب جرّاء إستخفافه بأمن الركّاب"، مضيفاً أنه "لا يوجد تنسيق مع وزارة النقل والأشغال العامة، ونحن نحمّل الدولة مسؤولية الفوضى في نقل الركّاب، بحيث نفتقد إلى المواقف ويغيب المراقبون الذين يفترض بالوزارة أن تعتمدهم لضبط عملية النقل، ما يضطرنا إلى تنظيمها بأنفسنا"، موضحاً أن "مسؤولية المراقب الذي نكلفه نحن هي فقط تنظيم الوقت بين الباصات وأوقات إنطلاقها ليس إلاّ".
"الباص 15": لا نعرف إن كنّا سنصل أخيراً
مريانا سري الدينالسبت 2016/01/09

يصل أحياناً عدد الركاب في الباص الواحد الى أكثر من ثلاثين راكباً (مريانا سري الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر
من منّا لم يسمع بالباص رقم 15؟ أو على الأقل لم يسمع بمغامرات سائقيه. لمن يجهله فهو باص للعموم يعمل على "خط عاليه- الكولا"، ولا يمر يوم من دون اشكالات أو ابتزازات بين سائقي الباصات التي تحمل هذا الرقم، أو بينهم وبين الركاب، أو بين الركاب أنفسهم، وما ينتجه ذلك من توتر وخوف دائم من عدم الوصول إلى الوجهة الأخيرة بسلام.
التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها