آخر تحديث:12:59(بيروت)
الثلاثاء 29/09/2015
share

السياسات الرعائية في لبنان: الفساد المنظم

زينة علوش | الثلاثاء 29/09/2015
شارك المقال :
السياسات الرعائية في لبنان: الفساد المنظم "فساد السلطة يشمل فساداً مستشرياً في عمل وزارة الشؤون الاجتماعية" (محمود الطويل)
رضيع لم يتجاوز السنتين من عمره كان ضحية اعتداء جنسي من زوج الأم و"زبائنها"، يُترك لألمه ينازع حياتاً بدايتها انتهاك. يبكي الطفل استسلاماً للألم وربما انتصاراً عليه. مشهد قاس مع تفاصيل خاصة إضافية تتداولها الوسائل الإعلامية. "قصة الرضيع التي لا تحتمل"، تحدث للأسف في لبنان وفي كل العالم ما دام الإنسان يلهث نحو أقصى بشاعته. 


لم يعد مستغرباً أن نسمع عن قصص مماثلة مع ما تحمله من قسوة يصعب تصديق وجودها. لكنّ المستغرب هو التخبط الذي تعيشه سلطاتنا في التعامل مع حادثة مماثلة، وكأنها المرة الأولى، ما أدى إلى أن يُترك الطفل لمصير غامض بعد أن رفضت دور الرعاية في لبنان، وهي المولجة بتأمين الرعاية البديلة، استقبال الرضيع كونه مكتوم القيد ولأن وضعه دقيق ويتطلب متابعة متخصصة صحياً ونفسياً على المدى الطويل، علماً بأن قراراً صادراً عن اتحاد حماية الأحداث قضى بضرورة تحويل الطفل إلى رعاية بديلة.

حسناً فعلت "أبعاد" في استقبال الرضيع ولو مؤقتاً وهي غير المتخصصة أصلاً في توفير الرعاية البديلة، علماً أن المؤسسة تدير داراً لتأمين الحماية للأم وأطفالها الذين تعرضوا للعنف الأسري.


وهنا السؤال:
1- كيف لمؤسسات متعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية بهدف تأمين الرعاية الأسرية البديلة للأطفال أن ترفض استقبال الرضيع؟
2- كيف تتخلى الوزارة عن دورها في حماية الرضيع، المحروم من جنسية تستر عورة قوانين مكتومة النفس؟
3- لماذا لم تبادر أي جمعية حقوقية معنية بالطفولة للمناداة بالحق بالجنسية كحماية أولى للرضيع؟

يحدث كل ذلك ووزارة الشؤون الاجتماعية تستعد لتقديم تقرير، للأمم المتحدة في جنيف في شهر تشرين الثاني المقبل، عن وضع الأطفال في لبنان بين العامين 2005 و2014 باعتماد طريقة "تشاورية"، على حد قولها، حيث قامت بالاستعانة بمستشار عمل على إعداد مسودة التقرير ومن ثم نظمت لقاءاً مع الجمعيات الأهلية المتعاقدة معها في تموز 2015 من أجل مناقشة محتوى المسودة.

المسودة، كأنها في توهيمات إنشائية، تطير فوق معاناة الأطفال في دور الرعاية، حيث هناك 28 ألف طفل محشورين في حالة يتم قسرية، علماً أن معظمهم يعيش في دور الرعاية بسبب الفقر. في حين أن الأطفال الذين هم فعلاً بحاجة للرعاية البديلة (كالرضيع) يبقون بلا رعاية. كما ان هذا التقرير لم يسمع بالانتهاكات في دور الرعاية ولا بالاغتصابات ولا حتى بـ"فيديو الصراخ الشهير".

قصة الطفل الرضيع الذي لم يجد مكاناً له في دور الرعاية، معطوفة على قضية طارق الملاح، وهو الذي رفع قضية ضد "دار الأيتام الإسلامية" ووزارة لشؤون الاجتماعية، لمسؤوليتهما عن تعرضه للاغتصاب مدة 5 سنوات، بالإضافة إلى قصص الاغتصاب الحاصلة في أكثر من دار رعاية مماثلة، تدفعنا كـ"جمعية بدائل"، بإعتبارنا جهة متخصصة في قضية الأطفال المفصولين قسراً عن رعاية أهلهم البيولوجيين، إلى التعليق على مسودة تقرير وزارة الشؤون الاجتماعية في الجزء الخاص بالبيئة الأسرية والرعاية البديلة.


مسؤولية الوالدين (المادة 18 الفقرة 1 و2)
- يُعتبرغياب إطار قانون مدني يرعي عملية الفصل عن البيئة الأسرية والرعاية البديلة بحد ذاته انتهاكاً فاضحاً لحقوق الطفل بحيث يترك مصيره معلقاً بيد السلطات الدينية التي تمسك بمفاصل حياته من دون مراعاة واضحة لحقوق الطفل. ولهذا فإن التقرير المعد من قبل الوزارة وعند إشارته إلى المرجعية الدينية كسلطة مرجعية "حقوقية" يرتكب مغالطة كبرى تنسحب على كل أبواب التقرير.

- تشير المسودة إلى برامج تضطلع الوزارة بها عبر مراكزها لتدريب الأسر ودعمها، إلا أنها تغفل عن ذكر أنها تبدِّي فصل الأطفال عن بيئتهم الأسرية على دعم الطفل في أسرته، وذلك عبر إقرارها بزيادة عدد مؤسسات الرعاية البديلة المتعاقدة معها.


الفصل عن الوالدين (المادة 9)
- تشير المسودة إلى أنه يعود لقاضي الأحداث بناءاً على القانون 422 اتخاذ قرار قضائي بفصل الطفل عن أهله عند الحاجة، إلا أن هذا الشرط ليس موجباً لقبول الطفل ضمن الرعاية البديلة (قضية الطفل الرضيع كمثال)، أي أنه يمكن للمؤسسة الرعائية قبول طفل من دون أي قرار قضائي بالفصل (ديني كان أم مدني). وهنا نؤكد على غياب معايير قبول مدنية في كافة المؤسسات الرعائية، وعليه لا سلطة تحكم عملية الخروج والدخول. كما يمكن للمؤسسة رفض قبول الطفل بالرغم من وجود أمر قضائي بالإحالة.

- تشير المسودة إلى أن الوزارة أطلقت في العام 2005 "عملية إصلاح شامل لقطاع الرعاية البديلة يحدد الشروط القانونية والتنظيمية، والخدمات المطلوبة، ونوعيتها، وموصفاتها، وشروط الإيداع..."، إلا أن عملية الإصلاح هذه، ورغم النيات الصافية في حينها، اصطدمت بعوائق كثيرة أهمها تمنع المؤسسات الرعائية عن الإلتزام بالحد الأدنى من هذه الشروط، بما أنها تضمنت ضبط عملية الدخول عبر ربطها ببحث اجتماعي توافق على نتائجه وزارة الشؤون. والحقيقة أن موافقة الوزارة أضحت عملية شكلية ضابطة لدعم الأطفال ما دون 14 سنة على أن يكونوا لبنانيين فقط. وبالتالي فإن الوزارة بحد ذاتها ترتكب انتهاكاً لحقوق الطفل عامة عبر منعها المساعدة للأطفال من غير الحاصلين على الجنسية اللبنانية من جهة وعبر اقتصار الرعاية البديلة على الأطفال ما دون 14 سنة، وبالتالي هي تشجع على تخلي المؤسسة عن رعاية الأطفال في مرحلة المراهقة رغم مفصلية هذه المرحلة على كافة الصعد.

علماً أنه يعود للمؤسسة الرعائية قبول أطفال، من دون شمولهم بدعم الوزارة، على أن تتم رعايتهم على حساب التبرعات وهي سوق مفتوحة لتشييء الأطفال واستغلال صورتهم وحقهم بالخصوصية وترويجهم كسلعة دسمة في ظل غياب رقابة على كيفية تسويق "الأطفال"، ناهيك عن سوء استثمار الأموال. وهنا سؤال كبير عن "حوكمة" المؤسسات الرعائية.

- تشير المسودة إلى الدراسة التي أعدها "مركز الدراسات والأبحاث" حول واقع الأطفال في المؤسسات الرعائية والتوصيات التي خلصت إليها وأهمها:
· إرتفاع عدد الأطفال المودعين في المؤسسات الرعائية بسبب الفقر.
· كلفة الطفل في المؤسسات الرعائية هي أعلى من كلفة الطفل في بيئته الأسرية.
· ضرورة وجود آليات مراقبة، ومحاسبة، لحماية الطفل في المؤسسات الرعائية.

وتغفل المسودة ذكر أن نتائج هذه الدراسة لم تصدر رسمياً وذلك نتيجة ضغوط المؤسسات الرعائية التي رأت في الدراسة تهديداً لمصالحها على حساب مصلحة الطفل الفضلى. ولا بد من إعادة التذكير بقضية تعرض الأطفال للاعتداء الجنسي، والتعنيف، والترهيب ضمن المؤسسات الرعائية وقيام وزارة الشؤون بلعب دور المدافع عن حقوق المؤسسات على حساب الأطفال المغتصبين.


الأطفال المحرومون من بيئتهم العائلية (المادة 20)
حددت الوزارة "نظرياً" الفئات الاجتماعية التي تستفيد من الرعاية الاجتماعية في المؤسسات الرعائية المتعاقدة معها، كالآتي:

الطفولة المبكرة، أي الأطفال بين 1 و4 سنوات، اليتيم الذي يتراوح عمره بين 4 و18 سنة، حالة اجتماعية صعبة بين 4 و18 سنة، حالة التعرض بين 4 و18 سنة. وفي هذا اعتماد غريب للتعريفات، فالطفل فاقد الرعاية الأسرية هو كذلك من عمر سنة واحدة إلى إتمام الـ18 سنة، بغض النظر عن سبب فقدانه للرعاية الأسرية.

في هذا التعريف تشريع للأبواب لقبول الحالات الاجتماعية الصعبة والتي هي مجدداً تصب في خانة الفقر وليس الحاجة للرعاية الأسرية البديلة، كما أن التعريف لا يشمل المؤسسات الرعائية غير المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية. وهنا علامة استفهام كبيرة عن حال الأطفال في تلك المؤسسات في وقت يتعرض الأطفال ضمن المؤسسات المتعاقدة مع الوزارة لانتهاكات من دون توافر إمكانية للمساءلة والمحاسبة.

- تعلل المسودة أسباب زيادة عدد المؤسسات المتعاقدة مع الوزارة بين 2011 و2014 بـ:
· تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
· قلة فرص العمل.
· ازدياد عدد الأطفال في المدارس الرسمية.
· النزوح السوري.

والحال إن أوضاعاً اقتصادية كهذه لا تجابه بفصل الطفل عن بيئته العائلية، خصوصاً أن الفصل هو انتهاك إضافي لا يحل مشكلة العائلة، ويتسبب بتفككها، ويُنتج جيلاً في مهب الريح، وبالتالي فإن هذه الحلول تؤجل المشكلة ظاهرياً لكنها تساهم في تفاقمها على المدى الطويل. هي حلول تزيد شعبية المؤسسات الرعائية ومموليها (سواء كانوا حكوميين أو طامحين إلى مناصب).


التبني غير الشرعي (المادة 21)
- تشير المسودة إلى عدم توافر أي معلومات على هذا الصعيد، رغم أن "جمعية بدائل" وثقت حالات التبني غير الشرعي في لبنان ومن لبنان إلى دول العالم عبر ممارسات تشبه الاتجار بالأطفال وقد وصلت أعدادها إلى 10 آلاف طفل. والجمعية في صدد إعداد بنك معلومات لتوثيق هذه الحالات بشكل أعمق، كما أن "بدائل" بالشراكة مع المفكرة القانونية أطلقت مشروعاً لإعداد قانون مدني يرعى عملية الفصل (بما يتضمن جميع أشكال الإيداع واعتبار التبني أحد أشكال الإيداع).

- إن نكران المسودة لهذه الأرقام هو إشهار بعدم الرغبة أو ربما قلة الجهوزية الرسمية لمواجهة قضية كبرى كالتبني غير الشرعي في ظل تسلط مطلق للمرجعيات الدينية.


المراجعة الدورية لمراكز الإيداع (المادة 25)
- تشير المسودة إلى أن "الدولة تلتزم قانونياً بتوفير الرعاية المناسبة للأطفال عبر إيداعهم في مؤسسات رعائية متعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية التي تقوم بالمراقبة والمتابعة والتقييم لأعمال هذه المؤسسات بواسطة فريق عمل من المساعدات الاجتماعيات اللواتي يقمن بزيارات دورية لتلك المؤسسات ويرفعن تقاريرهن. وفي حال وجود أي ملاحظات أو شكاوى من قبل الأهل أو حتى الأطفال، سواء في ما يتعلق بالرعاية الداخلية أو بالأمور المالية، تتابع مصلحة الرعاية الاجتماعية هذه الشكاوى مع المعنيين". وهنا تأكيد مباشر على شرعية رفع الدعوى على وزارة الشؤون الاجتماعية من قبل المحامي نزار صاغية بوكالته عن الشاب طارق الملاح في ما يخص تعرضه للإغتصاب على مدار 5 سنوات في دار الأيتام الإسلامية المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية.

هو موسم للحديث عن فساد السلطة في السياسة، الاقتصاد، الصحة والبيئة...وهو أيضاً فساد مستشرٍ في عمل وزارة الشؤون الاجتماعية في تواطئ مزمن عبر السنين الطويلة مع مؤسسات "خيرية" متقاطعة مع المحاصصة الطائفية والسياسية. مؤسسات تستهلك ما يزيد عن 70% من موازنة الشؤون الاجتماعية ناهيك عن ملايين الدولارات الناتجة عن الهبات والتبرعات. وفي الوقت المستقطع طفل رضيع ضحية جديدة. رقم لا غير.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زينة علوش

زينة علوش

المديرة التنفيذية لجمعية "بدائل"

مقالات أخرى للكاتب