آخر تحديث:13:57(بيروت)
الإثنين 16/02/2015
share

سوريون يُصورون كما نراهم

حسن الساحلي | الإثنين 16/02/2015
شارك المقال :
سوريون يُصورون كما نراهم آلية الاختيار ستتوافق بطبيعة الحال مع المعايير "الجمالية" والموضوعاتية التي يطلبها المنظمون ومشروعهم (الصور: Getty)
يبدو تخطي الصورة النمطية للاجئين السوريين صعباً في ظل كثافة المشاريع البصرية والأفلام الوثائقية التي تُنفّذ عنهم، محاولةً إظهار معاناة عيشهم. وتركيز هذه الأعمال على إثارة تعاطف المتلقي فحسب، من دون الإلتفات الى مقاربات أخرى تتناول ما وراء هذه الصورة من أنماط حياة واجتماعات جديدة وثقافات فرعية يخلقها المخيم، يكرس طغيان صورة البؤس. هذا ما يشبه في أحد وجوهه الصورة النمطية للاجئين الفلسطينيين، والتي أصبحت الآن أكثر ترسخاً.

وكانت جمعية "ذاكرة" قد أنجزت الشهر الماضي مشروع "لحظة 2"، بدعم من "اليونيسيف"، الذي يقوم على توزيع 500 كاميرا على أطفال اللاجئين السوريين، وهو يعد الجزء الثاني من مشروع كان قد بدأ مع اللاجئين الفلسطينيين في العام 2007. وأنتج المشروع معرضاً لصور التقطها الأطفال عن أنفسهم، وفيلماً وثائقياً. في الفيلم يتحدث الأطفال عن تجربتهم في التصوير والتي حُصرت داخل المخيم فحسب. فيخبرون عن حياتهم فيه وذكرياتهم عن الحرب والتهجير. ويرافق المقابلات والمشاهد معزوفات موسيقية حزينة، هي لازمة لا تنفصل عن غالبية الأفلام الموثقة لحياة اللاجئين السوريين في لبنان.

تظهر في أحد مقاطع الفيلم فتاة تخبر عن تجربتها في التصوير مع سرد لمأساتها. تتحدث الفتاة عن ظروف حياتها الصعبة في المخيم، وعن معاناتها في البرد، وخوفها. تعلم الفتاة أن الصورة التي تنقلها عن حياتها هي ما نريد أن نراه فتخبرنا بأنها صوّرتها. "صورتُ الويلات صورتن كلن صورت هني وعم يلعبو صورتن منشان يفرحو منشان نفرح أنا وياهن". ثم تظهر في الفيلم وهي تلتقط بعض الصور. واحدة لأطفال يتدفؤون بالنار. وأخرى لأحدهم داخل خيمته، حسب ما طلب منها أحد العاملين في الفيلم. تتحول الفتاة الى أسيرة للصورة التي نريدها لها، أو تلك التي يريدها منفذو المشروع. ويصبح هدف الكاميرا إظهار البؤس الذي تعيشه هي (وأبناء المخيم) ليس إلا. وكأن هذا المقطع من الفيلم دليل عملي لكيفية صناعة هذه الصورة المُنمطة.

كانت حصيلة المشروع 13500 صورة التقطها الأطفال في المخيم. عرض المنظمون 72 صورة فحسب. هذا ما تبقى من صورهم. أي أقل من 1 في المئة منها تقريباً. لكنها، جميعها، تظهر اللاجئين ككتلة واحدة. لا فروقات واضحة بينهم. أشخاص متشابهون يظهرون بمعظمهم قرب خيمهم. وما يجمعهم أساساً هو بؤسهم. لكن هذه الصور التي انتقاها منفذو المشروع لا تختلف، في مواضيعها ولقطاتها، عن الصور الأكثر تداولاً في وكالات الأنباء، أو في الجرائد والتلفزيونات، مع فارق في الجمالية.

وكان رمزي حيدر، مسؤول الجمعية المنظمة، قد فسر آلية انتقاء الصور، بأنهم اختاروا الصور "من دون النظر الى الأسماء أو المخيم الذي جاء الطفل منه، فهذا تفصيل. بالنسبة الينا الكل يشبه بعضه، وللكل نفس المشكلة والحالة". أما هدف المشروع فـ"نقل الحياة اليومية للأطفال، وصور المكان الذي يعيشون فيه، لنقدم صورة مختلفة عن اللاجئين السوريين بعيون أطفال يرون بتجرد". وهذا ما يراه حيدر مخالفاً لنظرة المصورين المحترفين، اذ هم "يعدلون في الكادر والصور لتتوافق مع نظرتهم الخاصة". على ان الـ72 صورة التي أختيرت لا تظهر، عملياً، أسلوب تصوير مختلف. وهذا ما يرجع، ربما، الى آلية الاختيار نفسها، التي ستتوافق بطبيعة الحال مع المعايير "الجمالية" والموضوعاتية التي يطلبها المنظمون ومشروعهم. وهذا، في مدى أبعد، ما يمكن ربطه بـ"اقتصاد اللاجئين".

لكن هذا لا يمنع إظهار بعض الخطوط العريضة لما يصوره الأطفال، من أماكن اللعب والأصدقاء، ثم العائلة التي يجتمعون بها في أوقات الطعام. وتظهر الخيم التي يعيش فيها الأطفال كخلفية ثابتة لمعظم الصور التي انتقاها المنظمون. فوجودها هذا يؤكد بؤسهم، ومركزيتها في الصورة النمطية عن اللاجئين لا يمكن تخطيها. ويصور اللاجئون وهم يقومون بأعمالهم خارج خيمهم، فتطبخ النساء في الخارج، ويغسلن ويصنعن الخبر في الخارج أيضاً. فلا يظهر داخل الخيم إلا مظلماً في الصور المنتقاة، وهو لا يظهر الا في عدد قليل منها. كأنه لم يعد ضرورياً إظهار دواخلها. فجميع اللاجئين، بحسبنا، يشتركون في مأساة واحدة، تحوّل المخيم الى كتلة جماعية واحدة من البؤس، وتشكل "هويته" الوحيدة في المستقبل، فـ"الكل يشبه بعضه"، كما جاء في تعبير حيدر، بالغ الدلالة. هكذا، تبدو حياتهم منقطعة، الا في ما يظهر من صورهم، أو صور غيرهم عنهم. فلا صراعات بينهم، ولا فروقات في النفوذ أو المكانة ولا تراتب أو خلفيات اجتماعية مختلفة. وهم، أساساً، مصدر لجمالية البؤس وفنونه فحسب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها