آخر تحديث:17:28(بيروت)
الأحد 15/02/2015
share

صدى حريريّ في بيروت

علي فحص | الأحد 15/02/2015
شارك المقال :
صدى حريريّ في بيروت "لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"، جملة يحق لمار في وسط البلد ان يسرقها من محمد الماغوط (Getty)
أغتيل رفيق الحريري منذ عشر سنوات، لكن الجدال في شأنه لم ينته بعد. ضاعت الذكرى كما كل عام بين الكلمات وتاه مغزاها. عقد من الزمن لم يغيّر بيروت كثيراً. هي نفسها التي رسمها الحريري يوماً. مدينة من ورق وشقق من كرتون تصطف في مواجهة البحر، تسكنها الأشباح. على أن الجديد هو انتقال الكره الى الشوارع ليصبح حارساً على برميل أخضر أو تحت علم أزرق سماوي. الجزم بأن أحداً لم يتمنَّ هذا الخروج العنيف لرجل كرفيق الحريري، مسموح ربما. معارضوه لم يتمنوا ذلك، أو ربما بعضهم، ولا محبوه بطبيعة الحال.

بالرغم من أن الاغتيال السياسي أمر مألوف في قاموس الحياة السياسية اللبنانية، الا ان تفجير 14 شباط 2005 كسر الروتين السائد الى حد ما. لم يكن الرجل رئيساً فقط بل زعيماً، وورقة وازنة في الثنائية الاسلامية الحاكمة. اغتياله أعاد لبنان الى ميدان الصراع الداخلي المعلن، بالاضافة الى انهائه الوصاية السورية بشكلها الظاهري. سيطول الكلام عن الاغتيال ولن تنتهي التحليلات أو التكهنات في شأنه. لا لجنة التحقيق الدولية ولا، بعدها، المحكمة الدولية تمكنتا من الهروب من قوقعة الاتهام اللبناني التقليدي المُسيّس. إضافة إلى ذلك، لن ينسى أمراء الحرب، أو خبراء الاغتيال السياسي العريقون، تكرار الخطاب نفسه سنوياً في تنديدهم بجريمة "القرن". وهذه مفارقة أو طرفة، وهذا في آخر الأمر لبنان.

بعيداً من السياسة، شاب في أحد شوارع بيروت، لا يعرف ربما رفيق الحريري كرئيس. ولا يدري ان بيروت التي يعيشها يومياً ليست الا شبحاً. بين برج أبي حيدر ووسط البلد تغير لون الهواء، وعبق الأزقة دُفن. في وسط العاصمة كل شيء للبيع، حتى الهواء. الشاب لم يكمل عقده الثاني، لكن لوحة الاعلان خلفه تحلم بمسيرة الألف سنة بحثاً عن الحقيقة. وهو يروح بعينيه يبحث عن شجرة لم يرَها أبداً، قرب محل بقالة، بل تخيلها في كلمات جدّه. يضيع بين الكلمات والواقع، أيطالب بمحل جده أم يمضي كما مضى من قبله الكثيرون، كأن يحلم بثمرة تفاح على الشجرة؟ من الانصاف القول إن رفيق الحريري لم يأكل تلك التفاحة وحده، بل تقاسمها مع غيره، تماشياً مع الالتزام بالميثاق الوطني. لكن من المؤكد ان مثال الجملة التامة التي اعتدنا عليه قد مات. لم يأكل الولد التفاحة، اذ انه لم يجد الشجرة ولا تفاحها.

ليس تقليلاً من قيمة الرجل الذي رحل، لكن لكل لبناني قصة يحكيها لأولاده. ولكل واحد منهم، ربما، رواية عن اعادة الاعمار التي تلت الحرب، وعن الاقتصاد الذي ألبس الشباب ثوب البطالة. انه، ربما، رجل السياسة والاقتصاد. ومن العدل ان يشكره الكثيرون على ذلك. وهذا الاختلاف في الأراء الذي نحلم باحترامه. حتى مع الاقرار بأن للرجل أخطاء أثناء حكمه، يحتم العقل علينا ان لا نتقبل مشاهد الاحتفال باغتياله في بعض الأماكن قبل عشر سنوات. في المقابل، يجب الاعتراف بأن عملية الاغتيال أخذت بين نيرانها، كل الفرص المتاحة لمحاسبته. خسر المعارضون، ومثلهم غالبية الشعب اللبناني، حقهم بالتدقيق بسنوات الحكم "الحريري" أمام جبروت كلمة "شهيد".

"لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"، جملة يحق لمار في وسط البلد ان يسرقها من الشاعر محمد الماغوط. ليس نكراناً للجميل ولا خيانة لأرض الوطن، إنما هو احساس المُبعد قسراً، وحزن المغترب وسط عاصمة بلده. هكذا أتذكر رفيق الحريري، ولي الحق. فعلى ما أذكر فان شهادتي الجامعية المهترئة من قلة الاستعمال، وجيبي الفارغ، قد أمعنا بالسطو على أفكاري فلم يبق لي الا خطى أحلام في البال، ومحاسبة المسؤول، ولو بكلمة. اختنق الشاب، اذ ليس في محفظته ما يكفي ليجتاز جدار "الزيتونة باي"، فيشتري من نسيم البحر نفساً ويعيش. لعله يمضي الى عين المريسة، فرفيق الحريري لم يصل الى هناك، على الأقل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها