آخر تحديث:12:54(بيروت)
الأحد 06/12/2015
share

"أسطورة الجمال" لنعومي وولف: ما زالت الأسطورة مستمرّة

يارا نحلة | الأحد 06/12/2015
شارك المقال :
"أسطورة الجمال" لنعومي وولف: ما زالت الأسطورة مستمرّة "أسطورة الجمال" هي من ترغم المرأة على إجراء الجراحة التجميلية
تتخذ السيطرة على المرأة أشكالاً عديدة. فبالإضافة إلى الأساليب الجلية لإخضاع المرأة، من قيم دينية وعادات وتقاليد، توجد أدوات بغلاف أكثر جمالاً، لكنّها لا تقلّ عنفاً وخطراً عن غيرها. إحدى هذه الأدوات هي "جمال" المرأة نفسه، وأثره على جوانب أخرى من حياتها ومن المجتمع ككلّ. وهذا ما أثارته الكاتبة والصحافية نعومي وولف (Naomi Wolf) في كتابها "أسطورة الجمال: كيفية إستخدام صور الجمال ضدّ النساء"، الذي صدر في العام 1991.


في حين كان تركيز المجموعات النسوية من ناشطين وأكاديميين، في ذلك الوقت، منصباً على تخطي العقبات المادية والقانونية والسياسية الحائلة دون تحسّن وضع المرأة، لفتت وولف إلى مُعوِّق آخر، هو "الصور الشائعة حول الجمال الأنثوي، التي تثقل كاهلنا بوحشية". فمع خرق المرأة لبنية السلطة السائدة من جهة، ظهرت من جهة أخرى مشكلات اجتماعية عميقة لها علاقة بمظهر المرأة وسياسة الجسد، كإضطرابات الطعام، وإزدهار قطاعات إقتصادية معتمدة على الإتجار بجسد المرأة كالبورنوغرافيا وصناعة مستحضرات التجميل والجراحة التجميلية. وقد عبّرت الكاتبة عن هذا الواقع بالقول "المزيد من النساء يمتلكن المال والسلطة والفرص والإعتراف القانوني، أكثر بكثير من ذي قبل، لكن في ما يخصّ شعورنا تجاه أجسادنا، قد نكون في حالٍ أسوأ من جداتنا غير المُحرّرات".

إرتكزت وولف في نقاشها إلى صورة المرأة التي يُروِّج لها الإعلام، خصوصاً المجّلات الموجهة إلى النساء، التي عمدت في البدء إلى موضعة المرأة في منزلها، محاولةً بيعها أدوات منزلية ووصفات تحضير الطعام ونصائح لتربية الأطفال، مستثنيةً في صفحاتها دور هذه المرأة في المجال العام، كأنه غير موجود حتى. لكن مع تحصيل النساء حريات سياسية وقانونية تهدّد المنظومة القائمة، سارع الإعلام إلى إستبدال دور المرأة كربّة منزل بدورها كرمز للجمال. فمن أجل ضمان المنظومة التي تقوم عليها تجارة هذه المجلات، والإقتصاد العالمي بشكل عام، ينبغي أن يبقى واقع المرأة المذعن كما هو، وأن تبقى كمستهلك، لا كفرد فاعل. كما أن معايير الجمال الأسطورية تستنزف طاقة المرأة، إذ تخلق لها دواماً ثالثاً إلى جانب مهنتها وأعمالها المنزلية، ما يُقلِّص من طموحاتها ودوافعها وحتى ثقتها بقدرتها على تحسين ظروف عملها وحياتها.

لأسطورة الجمال غاية أساسية أخرى، هي سلب رضى المرأة وتقديرها لذاتها. فهي لن ترتقي أبداً إلى معايير الجمال الخيالية التي تفرضها أسطورة الجمال. وإن أرادت أن تسعى إلى ذلك، فعليها أولاً أن تُجوِّع نفسها. وقد ربطت وولف النحول بالضعف، فإعتبرت أن "أولئك الذين حوّلوا النحول إلى أمر جميل لم يفعلوا ذلك لأنه من الضروري للمرأة أن تكون نحيلة، بل أن تكون جائعة". الجوع إذاً هو الغاية. أما "أسطورة الجمال" فهي فقط الوسيلة، وليس العكس. ولم يكن الجوع، تاريخياً، سوى أداة للسيطرة على الشعوب.

شبّهت وولف، من جهة أخرى، "أسطورة الجمال" بالدين، فكلاهما يؤديان الوظيفة ذاتها؛ التأكيد على موقع المرأة الدوني. فالخضوع إلى "طقوس الجمال" يُقدّم للمرأة "الإكتفاء" ذاته الذي يمنحه الخضوع إلى قواعد الكنيسة، اذ تسعى "أسطورة الجمال" إلى خلق نوع من الإيمان الأعمى عند المرأة بقوة الجمال، فتلهث النساء وراءه بالرغم من علمهنّ باستحالة بلوغ أجسادهنّ لهذا الكمال، ما يولّد لديهن شعوراً بالإثم وكره الذات. هو سلوك يشبه إلى حدّ كبير، بحسب وولف، سلوك القديسين. فالسعي وراء مثال الجمال لا يختلف عن السعي وراء مثال العفة. ويُقرأ ذلك في الأدوار التي تمليها أسطورة الجمال على المرأة والرجل، فالرجل هو الفاعل والمشاهد، في حين أن المرأة هي المفعول بها وموضوع المشاهدة. يترك هذا الواقع المرأة في حالة من القلق حيال صورتها في أعين الآخرين، والهوس بشأن رغبتهم بها، حتّى تنسى أمر رغبتها الشخصية. بالنتيجة، تحتوي أسطورة الجمال جنسانية المرأة وتقمعها، تماماً كما يفعل الدين.

لا يمكن الحديث عن قضية المرأة من دون المرور في موضوع العنف، لكن العنف الذي بحثت فيه وولف ليس سلوكيات العنف التقليدية الموجهة ضدّ المرأة، بل العنف المُشرَّع والمُروَّج له بإسم الجمال، وهو الجراحة التجميلية. ومع أن لجوء المرأة إلى عمليات التجميل يبدو غالباً خياراً إرادياً، إلا أن وولف إعتبرت أن "أسطورة الجمال" هي من ترغم المرأة على إجراء الجراحة التجميلية. فالمشكلة، برأي وولف، ليست في عمليات التجميل والنحول واستخدام مستحضرات التجميل، بل في "عدم وجود خيارات". من هنا مقولة وولف بأن "الجمال يُؤلم"، وهو يختزل صراعاً بين "الألم واللذة، وبين الحرية والإكراه".

لم يعد الجمال أمراً عرضياً، بريئاً ومصادفاً، بل بات، وفق وولف، "سلاحاً سياسياً يُستخدم لمواجهة تطوّر المرأة، فحين طالبت المرأة بالوصول إلى السلطة، استخدمت منظومة القوى أسطورة الجمال لعرقلة تطوّرها". وسلّطت وولف الضوء على جوهرية جمال المرأة في الثقافة الذكورية، فالثقافة لا يمكن أن تبقى ذكورية اذا لم تكن النساء جميلات، فـ"أسطورة الجمال لا تتمحور حول النساء قط، بل حول مؤسسات الرجال وسلطتهم المؤسساتية".

ليس جمال المرأة عاملاً منفصلاً عن الإعلام، الإقتصاد، السياسة، الجنس، العنف، المهنة، الدين، الجوع والثقافة الذكورية. وبالرغم من مرور خمسة وعشرين عاماً على صدور هذا الكتاب، إلا أن الواقع الذي يعالجه لم يتغيّر فيه شيئ، بل لعلّنا نعود إلى الوراء في ما يخصّ تحرّر المرأة من قيود أسطورة الجمال، وذلك مع توسّع إنتشار هذه الأسطورة في العصر الرقمي. أما التخلّي عن هذه القيود، أي حب المرأة لذاتها كما هي، فهو يعني ثورة حقيقية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها