آخر تحديث:15:52(بيروت)
الخميس 24/12/2015
share

"الضم والفرز".. هل ينقذ صيدا من "التوحش"؟

هدى حبيش | الخميس 24/12/2015
شارك المقال :
"الضم والفرز".. هل ينقذ صيدا من "التوحش"؟ حتى الآن لم تشارك البلدية رؤيتها لمشروع الضم والفزر في "شرق الوسطاني" مع المجتمع المدني المحلي
تمثل البساتين الواقعة في منطقة "شرق الوسطاني"، في صيدا، والتي تعود ملكيتها إلى عائلات صيداوية، بالنسبة لكثر من السكان، أحد الخيوط الأخيرة التي تربط المدينة بماضيها وبيئتيها الطبيعية والاجتماعية، اللتين لم تعودا موجودتين إلا في الذاكرة الشعبية لأبناء المدينة وفي الصور التي يتركونها لأبنائهم.


وفي الفترة الأخيرة، أصبح "شرق الوسطاني" بالنسبة للمطلعين على مشاريع المدينة وأخبارها، اسماً مألوفاً بعد تردده في الأوساط الصيداوية. ففي العام 2013، أعلنت البلدية البدء بمشروع "الضم والفرز" في هذه المنطقة الواقعة شرق المدينة والتي تبلغ مساحتها 1400 دنم أي حوالي 20% من مساحة صيدا العقارية. أما الهدف من تنفيذ مشروع "الضم والفرز" الحالي فهو وفق عضو البلدية المهندس علي دالي بلطة "الإستجابة لرغبة مالكي هذه العقارات بالبناء عليها للسكن في قلب مدينتهم". ليس هذا المشروع الأول من نوعه في صيدا، إذ سبقته تجربة مماثلة في العام 1982 حين نفذ مشروع "ضم وفرز" لمنطقة "غرب الوسطاني"، التي "كان فيها مجموعة من المشكلات"، وقد "نام أصحاب هذه الأراضي فقراء ليستيقظوا أغنياء"، على ما يقول دالي بلطة الذي كان مشرفاً على المشروع.


ما هو الضم والفرز؟
يُعرِّف المتخصصون "الضم والفرز" بأنه أداة للتخطيط والتصميم المدني تلجأ إليها بلدية ما، بالتعاون مع "مديرية التنظيم المدني"، لإعادة ترتيب مساحة عقارية معينة ضمن نطاقها البلدي. وهي تشمل إجراءات قانونية وهندسية، إذ يعاد بموجبها ترتيب شكل العقارات لتصير صالحة للبناء أكثر من ذي قبل. لذلك يقتضي مشروع "الضم والفرز" العمل على تحسين البنية التحتية والخدماتية بهدف تنظيم التمدد العمراني وتأمين المساحات العامة والمشتركة ذات المنفعة العامة لسكان المنطقة.

يبدو واضحاً إذاً ما لهذه الأداة من أهمية، إذ تؤثر على تركيبة المنطقة اقتصادياً واجتماعياً وتراثياً وبيئياً. غير أن آليات عمل وتطبيق مشروع "الضم والفرز" في لبنان لم تُعدل منذ العام 1982، مع العلم أن تطورات كثيرة، نظرية وتطبيقية، طرأت على عملية التنظيم المدني، خصوصاً في القرن الحالي. من هنا، يطرح مشروع "الضم والفرز" إشكاليات عديدة بين الحقوقيين والمهندسين ورؤساء البلديات والسياسيين.


مقارنات
قد يكون الإطلاع على تجربة مدينة طرابلس في مشروع "الضم والفرز" مفيداً. ففي سبعينات القرن الماضي، شهدت طرابلس أول تجربة "ضم وفرز" في المنطقة الواقعة جنوب "المعرض" وقد نفذته الجهات المعنية بهدف إنشاء "الأوتوستراد الغربي" في المدينة، مستفيدةً من "الربع المجاني" الذي ينتج بطبيعة الحال عن أي مشروع "ضم وفرز" والذي يُخصص عادة للطرقات والمساحات الخضراء والمرافق، ما يوفر على "الدولة" كلفة إستملاك أرض لشق الأوتوستراد، كما يشرح الأستاذ في قسم التنظيم المديني في معهد الفنون الجميلة في "الجامعة اللبنانية" مصباح رجب. ويضيف رجب أن "غالبية مشاريع الضم والفرز في طرابلس حصلت لهذه الغاية، باستنثاء القليل منها كمشروع الضم والفرز في منطقة أبو سمرا الواقعة على التلة الجنوبية الشرقية لطرابلس، الذي نفذته البلدية لمواكبة التوسع العمراني السريع على بساتين الزيتون".

في المقابل، تبدو مقارنة التصميم المديني في لبنان بما يماثله في الدول الغربية مقارنة غير عادلة، لكن ذلك لا ينفي أهمية الرجوع إلى التطورات الحاصلة في هذا المجال والسعي إلى تحقيق التخطيط الأفضل للمدن، خصوصاً في ظل ما يواجهه العالم من نفاذ في الموارد وتلوث ونمو سكاني. يقول رجب إن "البلاد المتطورة تحجز جميع الأراضي ولا تسمح لأي شخص بالبناء سوى في العقارات التي تحددها وفقاً لحاجة الدولة إلى البناء. وتحدد هذه الحاجة وفقاً لمؤشرات تشمل النمو الديموغرافي، المساحة المبنية بالمتر مربع ومعدل الولادات وغيرها، وبذلك يتوقع الإختصاصيون الحاجة إلى الأبنية خلال عقد أو أكثر من الزمن. أما في لبنان فكل ذلك لا يحصل بسبب غياب الإحصاءات والدراسات السنوية بشكل أساسي. وبعكس ما يحصل في الدول المتطورة، تميل الجهات المعنية في لبنان إلى البناء على كل الأراضي ما عدا تلك المحجوزة". على الرّغم من ذلك، يؤكد دالي بلطه أن "ثمة حاجة في صيدا للبناء داخل النطاق البلدي للمدينة، إذ نشهد كل 4 سنوات زواج جيل جديد من السكان الذين يحتاجون إلى بيوت للسكن". أما عن مؤشرات هذه الحاجة، فيقول بلطة إن "بيع الناس لأراضيهم في منطقة غرب الوسطاني دليل على أنهم يريدون البناء، فصحيح أن شمال صيدا نظيف وهادئ، إلا أنه سيتحول مكاناً للسكن في النهاية".


معرقلات العمل المديني
بعيداً عن الدول الأوروبية، يؤكد رجب أن دولاً عربية عديدة، كما المغرب وتونس، سبقت لبنان في العمل المديني بعد أن استطاعت خلق سياسات مدينية متطورة. ويرجع رجب السبب في ذلك إلى "وجود قائد قادرعلى اتخاذ القرارات، وهو محاط بفريق عمل كفؤ ومتجانس، اذ أن هذا العمل ليس مرتبطاً بوجود إمكانيات مادية كبيرة لدى البلدية". فمن يجب أن يقود مثل هذه المشاريع في لبنان؟ لعل رؤساء البلديات هم الأجدر بتولي قيادة هذه المشاريع، خصوصاً في ظل قانون البلديات 118\77 الذي يصفه رجب بـ"القانون الثوري لأنه يعطي صلاحيات هائلة للبلديات". غير أن واقع الحال، يشير إلى أن بلديات معدودة استطاع رؤساؤها تطويرها بشكل ملحوظ، فما سبب ذلك؟

بالإضافة إلى المشاكل الطائفية والسياسية التي تعوق العمل البلدي، هناك، وفق رجب، مشكلة في "الحوكمة"، التي تتمثل بالنزاع على تمثيل المدينة واتخاذ القرارات فيها. ووفقاً لرجب، "يبدو واضحاً اعتقاد النواب أن انتخاب اللبنانيين لهم في منطقة معينة يعني تفويض الناخبين لهم باتخاذ القرارات التي تتعلق بالمدينة وأهلها". هكذا، لا يسمح السياسيون بأن يتولى أحد قيادة المدينة سواهم حتى إن كان موالياً لهم سياسياً. ففي حالة طرابلس مثلاً، التي ينتخب منها 8 نواب في المجلس النيابي، يؤدي تنازع هؤلاء على إدارة المدينة إلى تعطيل المجلس البلدي ومشاريع كثيرة في المدينة منها مشاريع "الضم والفرز"، كما في المدن الأخرى، بما فيها صيدا.


التنمية المستدامة
يتجه المتخصصون اليوم نحو التنمية المستدامة التي تبنتها الدول المتقدمة منذ سنوات في مدنها. "إن تنفيذ أي مشروع وفقاً لمبادئ التنمية المستدامة يتطلب الحرص على مجاراة شروط معينة منها تحسين واقع العيش، تأمين فرص عمل، تحسين الواقع البيئي، وضع حد لمصادر التلوث وتطوير شبكة النقل العام وغيرها"، يقول رجب. لذلك، فالتخطيط لأي مشروع يجب أن ينطلق من رؤية مدينية تمتد إلى عقد أو أكثر من الزمن. وفي مثل هذه الرؤى، قد تصبح أداة "الضم والفرز" أكثر إيجابية لا سيما إذا استخدمت وفقاً لمبادئ الإستدامة. لكن لا يسعنا القول إن المشرفين والمنفذين لهذا المشروع في صيدا غافلون عن هذه الحقيقة، ذلك أن مشروع "الضم والفرز" تتم دراسته مرة جديدة حالياً بالإستعانة بخبراء جدد في مجال التصميم المديني، ولذلك أصبح المشروع وفقاً لدالي بلطة "معنياً بحفظ التراث والبيئة والخصوصية الاجتماعية للمنطقة".

تشترط السياسات المدينية المستدامة إشراك المجتمع المدني، وهذا ما يؤكده رجب في حديثه عن "المقاربة التشاركية"، التي يرى أنها ما زالت صورية في لبنان باستثناء المشاريع الممولة من منظمات أو جهات عالمية تجبر البلديات والجهات المنفذة باعتماد توصيات المجتمع المدني. على الرّغم من ذلك، لم تعرض بلدية صيدا حتى اليوم، وفقاً لرئيس جمعية متخرجي ثانوية المقاصد في صيدا المهندس محمد دندشلي، "أي خرائط على الأهالي والمجتمع المدني والمالكين الذين هم في غربة عن أي رؤية لمشروع الضم والفرز". أما المجتمع المدني في المدينة فلا نراه يؤدي الدور المتوقع منه كقوة ضاغطة "على الرّغم من الأهمية الانمائية للمشروع، على صعيد المدينة ككل إذ لا يمكن عزل منطقة شرق الوسطاني عما حولها"، كما يقول دندشلي. وهذا الغياب يمكن تفسيره بميل المجتمع المدني في صيدا إلى إرضاء الفعاليات السياسية المشرفة على المشروع والخوف من التصادم معها، أو لـ"ضيق أفق الإختلاف السياسي في المدينة الذي يصبغ أي رأي في المدينة باللون الحزبي ولا يفسر إلا ضمن الحسابات والنكايات السياسية الضيقة"، وفق دندشلي.

وكانت مجموعة من المهندسين من مدينة صيدا قد نظمت، الأسبوع الماضي، في "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية" في "الجامعة الأميركية" في بيروت ورشة عمل بهدف مناقشة مشروع الضم والفرز بشكله الحالي ومحاولة إيجاد طرق جديدة لتحسينه في صيدا خصوصاً ولبنان عموماً. وقد أكدت مجموعة "مبادرة للمدينة" أن هذا ليس النشاط الأول الذي تنظمه حول موضوع الضم والفرز، إذ سبق هذه الورشة نشاطات ودراسات هندسية واجتماعية وقانونية من أجل تطوير مشروع "الضم والفرز". أما تفاعل البلدية وفعاليات المدينة مع المجموعة فلا يبدو واضح المعالم بعد، خصوصاً أن "أحداً لم يطلع حتى الآن على خرائط البلدية ورؤيتها، وبالتالي لا يمكننا أن نحدد ما إذا أخذت توصيات المجموعة في الإعتبار أم لم تؤخذ"، كما يقول دندشلي.


لا نتائج واضحة بعد
يوضح مشروع "الضم والفرز" في مدينة صيدا تأرجح المعنيين بين الرؤية المستدامة للمدينة والرؤية التقليدية، التي إذا استمرّت بالطريقة نفسها ستحول صيدا إلى مدينة "وحشيّة" كما هي حال بيروت. واذا كان مشروع الضم والفرز في صيدا لا يزال في مراحله الأولى، وأكثر تقدماً نتيجة انتقاله من جهة مشرفة إلى أخرى، إلا أن ذلك لا يلغي الإرتياب من نتائج هذا المشروع الفعلية، خصوصاً إذا ما اعترض أصحاب العقارات على المشروع- وهو حق يكفله لهم قانون "الضم والفرز"- وخضع لهم سياسيو المدينة. وهذا يعني، في المقابل، أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المالكين للضغط على البلدية لتأمين اتجاه مشروع "شرق الوسطاني" نحو معايير الاستدامة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها