آخر تحديث:15:41(بيروت)
الخميس 19/11/2015
share

سامي عطالله: تأجيل الانتخابات البلدية يجمّد البلد كلّه

عاصم بدر الدين | الخميس 19/11/2015
شارك المقال :
  • 0

سامي عطالله: تأجيل الانتخابات البلدية يجمّد البلد كلّه تمكن الحراك، في مطالبه، من اتاحة احتمال جديد للسلطات المحلية، لكنه "ايجابي وسلبي في الوقت نفسه" (علي علوش)

تبدو البلديات، أو السلطات المحلية، التي يتجاوز عددها الألف، والمنتخبة في العام 2010 وحيدة في تأمينها الطابع التمثيلي للمؤسسات في لبنان. إلا أن هذا الطابع يبدو مهدداً بدوره، اذ في الأشهر القليلة الماضية، بدأ التداول بإحتمال تأجيل انتخاباتها الدورية، التي يفترض أن تنظم منتصف العام المقبل. وهذا ما ليس مستغرباً في قياسه على تأجيل الانتخابات النيابية، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية. لكن فقدان البلديات لصفتها هذه، وطرح التمديد لمجالسها، ليس هيناً، في تعطيله آخر غير المعطل في البلد، لا بل يبدو "تعميماً للفشل وعودة إلى الصفر وتسكيراً لكل شيء، وليس الحق بالتعبير فحسب، بل الحق بالحركة أيضاً، كأنهم يجمدون البلد كله"، على ما يقول لـ"المدن" سامي عطالله، مدير "المركز اللبناني للدراسات"، الذي أصدر مؤخراً كتاباً بحثياً عن "السلطات المحلية والخدمات العامة: تقييم اللامركزية في العالم العربي"، بإشراف عطالله ومنى حرب.


التمثيل والمشاركة
ولا يخفي عطالله تخوفه الفعلي من تأجيل الانتخابات، اذ "سمعت أن مرسوم التأجيل محضر مسبقاً". وهذا ما لا يرتبط عنده بنجاح البلديات في مهماتها أو فشلها. "لكن السؤال الأهم، اذا لم تحصل الانتخابات في السنوات السابقة وبقي التمديد للمجالس هل كان وضعنا أحسن؟". هكذا، و"رغم كل العوائق والصعوبات والتحديات والهدر"، على ما يقول عطالله، فإن "اللامركزية وانتخاب البلديات كانا في العموم شيئاً ايجابياً على الصعيدين المحلي والتمثيلي. لكن من المهم أن نعرف كيف نتعامل مع الثغرات الموجودة".

والحال إن أهمية البلديات، عند عطالله، تكمن في تأمينها "التمثيل والمشاركة للوصول إلى التنمية، فلا يمكنك أن تحقق تنمية من دون معرفة حاجات المواطن ومشاركته، ليس في الانتخابات فحسب، بل أيضاً في اللجان والمحاسبة". هذا هو المبدأ. لكن الواقع المحلي يقول غير ذلك. أقله تعمل الحكومة المركزية، وفقه، على تعطيل عمل البلديات وعرقلته. فـ"السلطة عندنا تريد أن تبقى مسيطرة، ولا تريد لامركزية فعالة، ولا رؤساء بلديات يؤمنون الخدمات ويحققون الانماء". وهذا ما ليس بعيداً عن العلاقة الزبائنية بين النائب والمواطن، "كما انه تحد للسلطة وتحديداً الأحزاب، لأن النظام السياسي مركب بهذه الطريقة".


الرقابة
لكن عطالله لا يدعي أن وجود لامركزية أو سلطات محلية كاف وحده لتحقيق التنمية. هناك مشكلة سلطوية أساساً، لكن يمكن تسجيل أيضاً مشكلة مجتمعية أيضاً. فهو لا يرى مشكلة في دخول الأحزاب في الانتخابات البلدية، اذ أنه "أمر طبيعي، وقد يكون ايجابياً، لكن المهم الوعي والرقابة عند المواطنين، واذا لم يوجدا فهذه مشكلة، فلا الحكومة المركزية ولا البلدية ستعطي الخدمات". على أن الرقابة ليست مسؤولية المواطنين وحدهم، في تشكيلهم للمجتمع المدني أو الأهلي، بل هي مسؤولية الحكومة المركزية أيضاً، "وتحديداً وزارة الداخلية، التي لا تقوم بدورها كما يفترض. فالمعدل الوسطي للموظفين في البلديات 13، بناءا على دراسة أجريت في العام 2011، لكن في بعض البلديات هناك 100 موظف، ألا يستحق هذا التباين سؤالاً؟".

واذا كان عطالله يقر بالبنية الاجتماعية التقليدية التي تحكم الانتخابات البلدية، إلا انه يرى أن "المجتمع يمكنه أن يجد حلولاً من داخله، وتناسبه". وهذا ما ينطبق أيضاً على الرقابة على أداء البلدية. وكانت اللجنة التي شكلها رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي لوضع مسودة مشروع قانون حول اللامركزية الادارية، وكان عطالله أحد أعضائها، قد "اقترحت خفض صلاحيات الرئيس ليكون خاضعاً لمجلسه، على أن يكون المجلس نفسه خاضعاً لمجلس القضاء، وجمعيهم يخضعون رقابياً للحكومة المركزية، فالمعركة هي أن تُكشف لتنتج أداءاً أفضل".


الصندوق البلدي المستقل
تسجل دراسة عطالله وحرب ملاحظة أساسية على ضعف ايرادات البلديات، التي تشكل عائقاً اساسياً في تحقيقها للتنمية. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الحديث عن الصندوق البلدي المستقل، الذي يصفه عطالله بـ"مغارة علي بابا"، وطرقه في توزيع الأموال على البلديات. ومشكلة التوزيع الأولى أنه محدد في مرسوم، "بحيث يمكن للحكومة أن تتلاعب بالحصص، أو أن تخصص أموالاً لأمور غير مذكورة فيه، كالدفاع المدني". في التطبيق، يروي عطالله أنه قيل مرة أنهم يريدون أن يدفعوا للبلديات الصغيرة حصصاً مقطوعة، على اعتبار أن البلديات الصغيرة هي بلديات فقيرة. "لكن الرابية والحازمية، بلديتان صغيرتان غير فقيرتين".

لكن أيضاً هناك توزيعاً يرتبط بعدد السكان، "الذي يتجاهل الفرق بين المسجلين والسكان المقيمين فعلاً". وتوزيع آخر يعتمد على ما استوفته البلديات من الرسوم في آخر سنتين، "رغم أن أبرز 3 رسوم في الـ36 رسماً مرتبطة بالاستثمار العقاري، وهي تخص أكثر المناطق الحضرية، لكن ماذا عن المناطق الريفية؟"، يقول عطالله، مؤكداً انه "من الضروري اعادة النظر في هذه المعايير". وهو يقترح، بناءاً على ما وصلت اليه لجنة "اللامركزية الادارية"، معايير ترتبط بعدد السكان والمساحة والتنمية، "أي كلما كانت البلدية فقيرة يفترض أن تحصل على حصة أكبر، من أجل تخفيف التفاوت بين البلديات". وهناك معيار رابع، يبدو أقرب إلى المكافأة، "يرتبط بالنسبة المئوية لتحصيل الرسوم، وليس حجمها، فتضطر البلديات حينها إلى زيادة جهودها، فلا يسعى رئيس بلدية ما، كما يحصل عملياً، إلى اعفاء ناخب شرط ضمانه لصوته الانتخابي".


الاتحادات البلدية
في كل الأحوال، لا يبدو عدد البلديات الحالية معقولاً. في العام 1997 كانوا 600 بلدية تقريباً، بالإضافة إلى البلديات التي كانت واقعة في مجال الاحتلال الاسرائيلي. لكن هذا التقسيم المضاعف ليس برئياً بالنسبة لعطالله. "الحكومة خلقت عدداً كبيراً من البلديات الميتة، والتي لا تمتلك جهازاً ادارياً ولا قاعدة ضريبية تساعدها على تأمين موظفين، فهناك -كما في دراسة أنجزناها سابقاً-، 400 بلدية ليس لديها أي موظف، و400 بلدية أخرى لديها موظف واحد، فكيف يمكن لهذه البلديات أن تؤمن الخدمات؟ وهذه الممارسة شوهت اللامركزية والعمل البلدي".

عليه، بدت طفرة الاتحادات البلدية، بعد العام 2000، شيئاً ايجابياً. فـ"نحن نحتاج إلى مساحة جغرافية أكبر لتحقيق الانماء، لكن عملياً هذه التجربة لم تكن ناجحة، خصوصاً أن هناك بلديات في اتحاد واحد مفصولة عن بعضها جغرافياً. ما أعتقده أننا في حاجة إلى مجلس قضاء منتخب، أو على الأقل أن يكون الاتحاد متكاملاً جغرافياً ومنتخباً أيضاً". على أن دراسة حرب وعطالله تسجل ثلاثة عناصر تتوفر في الاتحادات البلدية الناجحة نسبياً، وهي القيادة (الشخص القيادي وصاحب الرؤية)، الشبكات (العلاقات بالحكومة المركزية والمانحين الأجانب) والتنافس السياسي. وهذه على ما يوضح عطالله نتيجة دراسة كمية أجريت على 35 اتحاداً، من أصل 51، وبحثت في الخطة الاستراتيجية للانماء الموجودة عندها. "هذه هي شروط النجاح، ولسنا نتبناها أو نروج لها، بل نحن نتساءل إن كانت هذه الشروط دليلاً على خلل موجود في السيستم. اذ ان رئيس الاتحاد يجب أن يكون عنده اتصالات وعلاقات حتى تمشي أموره، كما في كل لبنان. وفي كل الأحوال، هم يشتغلون في فراغ مؤسساتي على صعيد الدولة كلها، وهذا الفراغ يتجه دائماً إلى الأسوأ، حتى الأسس البيروقراطية التي تسيّر الادارات تقريباً انتهت، وهي لا تتحرك إلا عندما تريد السلطة".


الحراك
تمكن الحراك، في مطالبه، من اتاحة احتمال جديد للسلطات المحلية، لكنه "ايجابي وسلبي في الوقت نفسه"، وفق عطالله، اذ أنه "اكد على فشل الحكومة المركزية، ودفع إلى التفكير بحل آخر يرتبط بالبلديات. لكن ما هو سلبي أن سقف التوقعات ارتفع، بينما اكتشفنا ان البلديات لا تملك امكانيات تساعدها على ادارة ملف النفايات. والحل هو تعزيز دورها، وهذه مهمة الحكومة المركزية، عبر اجراءات تنظيمية وادارية ومالية وسياسية، وان تمنح الصلاحيات اللازمة لذلك، وأن توزع الحكومة الادوار".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها