آخر تحديث:17:13(بيروت)
الجمعة 19/09/2014
share

الاعتداءات على السوريين: الأمن الذاتي في كل مكان

نضال أيوب | الجمعة 19/09/2014
شارك المقال :
الاعتداءات على السوريين: الأمن الذاتي في كل مكان يؤكد شبان سوريون أن الاعتداءات على مواطنيهم تتكرر بوتيرة شبه يومية (ريشار سمور)


الثانية عشرة منتصف الليل، ثلاثة شبان لا صفة رسميّة لهم، يجولون منطقة فرن الشباك في سيارة "بيكانتو"، يحاولون البحث عن سوريين. وفي حال كان الشخص المشكوك بأمره من الجنسيّة اللبنانية، يقدّمون إعتذارهم له "ما تواخذونا، عم نحمي المنطقة من السوريين".

الساعة الحادية عشرة مساءا، يقرر حسام وصديقه علاء الذهاب إلى مطعم قريب في فرن الشباك. أثناء عودتهما، تمشي سيارة دفع رباعي سوداء بالقرب منهما. داخل السيارة خمسة شبان. لم يعرف حسام وعلاء ماذا يفعلان. قررا تجاهل الأمر كونهما "غريبين" عن المنطقة. الأمر الذي إعتبره الشبان تحديّا لهم. يطل أحد الشبان برأسه من السيارة "صرلي ساعة ماشي حدكن، مش شايفيني". تُركن السيارة أمامهما وينزل منها الشباب. "وين ساكنين؟"، يسألون. "أنا ساكن حد الكنيسة ورفيقي بأول فرن الشباك". هنا يقرر الشبان أن يبدأوا بلعبة: "ح نعد للتلاتة كل واحد بكون ببيتو". طلب علاء السماح له ليأخذ أغراضه من عند حسام. لم يلق الطلب هذا إستحسانا لديهم فصرخ أحد الشبان بوجهه "ما عم تسمع؟ ما عم تفهم؟". صرخته كانت كافية لتجذب رواد إحدى المقاهي القريبة منهم، فخرج منها عشرات الشبان ليشاركوا في "الأمن الذاتي". "في ناس بلشت تشلح كنزاتها، راكضين يضربونا". لم يعرف علاء وحسام كيف يردّان الركلات وهما مطروحان أرضا. بعد الضرب قيل لهما "آخر مرّة منشوفكن بعد الساعة تماني، المرة الجاي ما بتمرق ع خير".

الثانية عشرة والنصف منتصف الليل، يقف أبو غابي، "سوري الجنسيّة"، بالقرب من "هوا تشكن" في انتظار سيارة أجرة. لم يحتاج أبو غابي لقول "سرفسين" لسائق السيارة السوداء، فهو وافق على أخذه من دون مشارطته على زيادة بدل النقل. كان هناك راكبان في المقعد الخلفي للسيارة، لذلك صعد أبو غابي بالقرب من السائق. "انت من وين؟"، سُئل. "أنا سوري"، قال. توقفت السيارة على اليمين، وأقفلت أبوابها بالقفل المركزي. اقترب أحد الركاب من أبو غابي والتقطه من ياقة قميصه. وعندما لاحظ أنّ السائق يحمل مسدسا وأن الراكب الآخر يلبس في يديه قبضة حديد، وجّه السؤال الثاني له "شو إسمك". "أبو غابي". لم يسمع الشبان الـ"أبو". اطمئنوا قليلا للإسم. "مش رح نمد إيدنا عليك لأنك أرمني، ورح نحكيك من الآخر، أي حدا بيقرب صوبنا بدنا ندعوسو، يللا انقلع ع بيتك". قبل خروجه من السيارة قال له السائق "اذا حدا حكي معك، خبرن إنك من طرف أبو طوني".

عبارة السائق تؤكد وجود سيارات أخرى غير "المرسيدس" و"البيكانتو" و"الجيب" تجول في المناطق بحثاً عن سوريين، وأنّ هناك شبانا آخرين مجنّدون لحماية المنطقة من السوريين، ولعل أغلبهم يعمل بإشراف "أبو طوني".

في زقاق البلاط "تحمى" المنطقة بشكل مختلف. أربعة شبان يقفون بجانب الطريق. يصل إلى المنطقة محمد، شاب الدليفري، فيوقفه الشباب. "صف هون، لوين رايح؟" يسأل، فيرد بالجواب البديهي "معي طلبيّة". "شو اسمك؟" –"علي". "من وين" – "ريف حلب" – "يعني انت داعشي". بالتأكيد لم يقتنع الشباب بأنه غير "داعشي"، وانهالوا عليه بالضرب والشتائم. ثم طلبوا هويته، وإسم أمه فاطمة. "إسم إمّك شفعلك هالمرّة، ح نكتفي بكم ضربة".


إلّا أن قصّة محمد لا تبدأ هنا. منذ شهور قليلة، كان لديه طلبية في منطقة كورنيش المزرعة، وفور اقترابه من المبنى المقصود، هجمت عليه مجموعة من الشبان يحملون سكاكين، أخذوا الطلبيّة وسرقوا منه 700 ألف ليرة، وهو المبلغ الذي كان من المفترض أن يحاسب به المطعم كثمن لجميع توصيلاته. صاحب المطعم الذي يعمل عنده محمد، سخر من هذه الحادثة وكان تعليقه "أكيد هودي جماعتكن السوريين اللي شادين ضهركن فيهن". وبالتأكيد حسم المبلغ المسروق من راتب محمد.

شاب الديليفري الذي يعمل يوميا 12 ساعة، يؤكدّ أنّ هناك حوادث كثيرة وشبه يوميّة. ينفي محمد وجود أي إجراءات إحتياطيّة لصاحب المحل، فهو ما زال يذهب بطلبيات إلى زقاق البلاط. اذ لا بديل له، ولا يوجد شبان لبنانيون يعملون في المطعم كسائقي ديليفري.

هذه القصص هي نموذج صغير لحوادث لا تحصى. وإدراجها تحت خانة الأفعال الفرديّة ما هو إلّا تنصل من المسؤوليّة، والحديث عن مجتمع "مضغوط" ما هو إلّا تبرير لهذه الإنتهاكات. والأفعال هذه ما هي إلّا نتيجة لكل السياسات التي اتبعتها الطبقة الحاكمة منذ البداية تجاه قضيّة اللاجئين السوريين. وهذا ما كان واضحا في خطابات المسؤولين التي كانت طوال الوقت تبث الخوف في نفوس المواطنين من خلال حديثها عن "الخطر السوري". وهذا ما ساهمت به أيضا الجمعيات الدوليّة، فمن أجل تبرير تمويلها، تتهافت لإصدار التقارير لتشير إلى تفاقم أزمة اللجوء وتهول بها.

وأمام تنصل السياسيين من المسؤولية، ودعوتهم إلى ضبط النفس وعدم الإنجرار إلى الفتنة، وأمام نكران البلديات أن تكون تلك الأفعال موّجهة من قبلها، يطرح السؤال نفسه: لماذا لم تقم أي من الجهات الرسميّة حتى الآن بمحاسبة الفاعلين؟ ولماذا تغاضت الدولة منذ البدء عن لافتات منع التجوّل؟ الجواب واضح، فكل هذه الممارسات تحدث بالتواطؤ مع الدولة ومباركتها حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر.


شارك المقال :