آخر تحديث:14:21(بيروت)
الجمعة 21/11/2014
share

واقع "الرعاية الاجتماعية": تأطير طائفي وسلخ عن الجذور

إلهام برجس | الجمعة 21/11/2014
شارك المقال :
واقع "الرعاية الاجتماعية": تأطير طائفي وسلخ عن الجذور الحق بالمعرفة هو حق طبيعي، يتفرع عنه حق كل طفل بمعرفة جذوره (علي علوش)

 

"لم أكن أبحث عن عائلة ثانية بالمطلق، بل عن قصة حياة". لا تريد ديدا غيغان، إبنة الثلاثين عاماً، سوى اسمها الحقيقي، تاريخ ميلادها، وظروفها الصحية التي ورثتها عن والديها.. "الحقيقة مهما كانت بشعة"، هي ما تريده غيغان. تسرد غيغان، وهي لبنانية الأصل متبناة من قبل عائلة سويسرية، كيف أنها كانت تترك الخانة المتعلقة بوجود أمراض وراثية في عائلتها فارغة، كلما ذهبت لزيارة الطبيب في سويسرا.

تروي غيغان تجربتها في ورشة العمل التي أقيمت، أمس، بالتعاون بين جمعيتي "المفكرة القانونية" و"بدائل"، بعنوان "الحق بالجذور"، في مركز "المفكرة" في بدارو. الشابة التي عادت الى لبنان للبحث عن جذورها وعن حقها بالمعرفة، هي اليوم ناشطة في مجال البحث عن الجذور، "على أمل أن تتكاتف الجهود بين المبعدين عن عائلاتهم للوصول الى حقهم بالحقيقة". تقول غيغان إن "المشكلة كانت دائماً في الوثائق المليئة بالفراغات، فلا أجد لنفسي تاريخ ميلاد أو مكان اقامة، بالإضافة الى الكلمات التي لم أكن أفهمها، من نوع: غير شرعية أو تم التخلي عنها... فأسأل نفسي لماذا تخلت عني أمي". منذ طفولتها، كانت ديدا تشعر أن أحداً لم يتخل عنها، وبعد بحث مضن، عرفت عند تعرفها الى والدتها البيولوجية أن حَدسها لم يخب. "ما أريده هو اعادة الوصل بين حاضرنا وماضينا، أريد العودة الى جذوري".

ديدا حالة، من بين 10 آلاف حالة لطفل لبناني فاقد لجذوره. وللرقم دلالاته الواضحة، التي تفضح غياب أدنى درجات الحماية والرقابة. بالإضافة الى ذلك، تلعب البنية القانونية الهشة، بالأخص في إطار الأحوال الشخصية دوراً أساسياً في غياب الحماية والرقابة. في هذا الإطار يشرح المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية"، نزار صاغية، ما درج اللجوء اليه خلال الحرب اللبنانية لإتمام التبني وتزوير المستندات وبالتالي إخفاء أي أثر حول جذور الطفل. ذلك أن "النساء كن يأتين الى المستشفيات يوم الولادة، يدعين أنهن أمهات الأطفال، فيسجل الطفل على إسم سيدة غير أمه البيولوجية لتأخذه بعدها خارج البلاد".

في هذا السياق، يشار إلى أن قوانين الأحوال الشخصية لا تتطرق لحق الطفل بالمعرفة، ذلك أن الإلتزام بها يفضي تلقائياً الى الحفاظ على علاقة الطفل بأهله البيولوجيين، أو عدم تبنيه بالأصل. إلا أن التنفيذ على أرض الواقع في مكان آخر. وفي التفاصيل، أن الأصل لدى الطوائف المسيحية هو التبني غير الكامل، الا في حالات الطفل المتروك. والتبني غير الكامل يعني استمرار العلاقة بين الاهل البيولوجيين والطفل، بالرغم من تبنيه. كما "يوجد نص قانوني لدى الطوائف المسيحية يتيح للأم عدم تسجيل اسمها على وثيقة ولادة الطفل، في حالة الطفل "غير الشرعي". في ظل هذا النص لا يستبعد صاغية "حصول تزوير بالتواطؤ مع طبيب التوليد بحيث يسجل الطفل على أنه غير شرعي كغطاء لعملية اتجار بالبشر".

أما عند الطوائف الإسلامية، فيتم الالتفاف على قاعدة عدم جواز التبني. ويشرح صاغية أن "العملية تبدأ بتكفل اليتيم لسنتين أو ثلاث بعدها يؤخذ الى منزل العائلة الكافلة حيث يتم اختباره، وفي حال شعرت العائلة أن طباع الطفل لا تناسبها، مثلاً، تعيده إلى منزله الوالدي. وإذا رضيت عنه، تبقيه لديها لتبدأ عملية التزوير بالإدعاء أن الطفل هو بالفعل ابن حقيقي للعائلة وكانت قد فقدته. حيث تستفيد العائلة من قاعدة الإستحسان في الإسلام التي تسمح بغض النظر عن الإثباتات المطلوبة للنسب، بتسجيل الطفل على اسمها، في حال إدعت أنها عائلة الطفل المتروك.

ولسلخ الأطفال عن بيئتهم وثقافتهم وجهه الآخر، حيث تبدو الدولة الراعي الأول لهذه الحالة. ذلك أن الأخيرة لا تملك أي دور رعاية، وتعتمد على التعاقد مع مؤسسات خاصة ذي طابع ديني في معظم الحالات. "كان لوزارة الشؤون الإجتماعية محاولة لتعزيز رقابتها عام 2004"، تقول نرمين السباعي من المفكرة القانونية. غير أنها جوبهت بحملة كبيرة من المؤسسات الخاصة. ذلك أن الأخيرة، وإنطلاقاً من خلفياتها الطائفية، تجد مصلحة بإستقبال العدد الأكبر من الأطفال بعيداً من أي رقابة.  
تشرح السباعي أن "الأصل هو رعاية الأطفال في كنف عائلتهم والإستثناء هو الرعاية في الدور". غير أن الدولة، وفق السباعي، "كرّست الإستثناء بدل الأصل".
العقود المبرمة بين الدولة والمؤسسات هي ما تستند اليه السباعي في إثبات سلوك الدولة. في مقدمة العقد عبارة فحواها أن "وزارة الشؤون تعين وتساعد الفقراء من خلال ايوائهم كمسعَفين لديها"، ما يكرس الفصل بين الطفل وعائلته. والأسوأ هو "ما تنص عليه هذه العقود من آلية غير مجدية لمعاقبة المؤسسات التي ترتكب انتهاكات". فالآلية واحدة بغض النظر عن فظاعة الإنتهاك: فسخ العقد. وهنا لا بد من الإشارة الى وجود مجموعة من المؤسسات غير المتعاقدة أصلاً مع الدولة.

وتحت وطأة هذا الواقع يشهد الأطفال عددا من الإنتهاكات داخل دور الرعاية. أولها "سلخه عن أهله ومحيطه الذي يتبعه فصل عن إخوته عند دخولهم إلى الدار"، تقول زينة علوش من جمعية "بدائل". في إحدى الحالات، "أدى هذا الفصل إلى خلق سلوك عنيف لدى الطفل، انتهى بإعتدائه على مرشدة في الدار ما أدى الى طرده وتشريده وهو في الـ14 من عمره". تسأل علوش: "كيف يمكن لمؤسسة رعائية أن تقوم بطرد طفل تحت رعايتها من دون السؤال عن مصيره؟ وكيف يمكنها أن تقبل طفلاً أو تطرده دون رقابة القضاء؟".

مجموعة من التوصيات تضعها الجمعيتان للتعامل مع الحق بالجذور. ومن بين تلك التوصيات العمل على اطلاق برنامج لرعاية الأم المنفردة، تطوير معايير رعاية إجتماعية على المستوى الوطني، ووضع أسس للمحاسبة، بالإضافة إلى إعادة لم شمل العائلات، وبالتالي إقفال تدريجي للرعاية المؤسساتية. من جهتها تجد المفكرة أن الحساسية الزائدة في موضوع العنف ضد الأطفال حالياً، تفيد في تفعيل هذه القضية. كما توصي بضرورة التفكير جدياً في العلاقة بين المؤسسات والدولة، فإن كانت الدولة "تمول من دون أن تراقب، فهل هي تمول رعاية الأطفال أم تمول المؤسسات؟". كما تمت التوصية بضرورة تفعيل دور القضاء في قضايا الرعاية في المؤسسات الإجتماعية.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها