أي حرب أهلية يخشاها ماكرون

ساطع نور الدين

الأحد 30/08/2020
عن أي "حرب أهلية" يتحدث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ويحذر من إندلاعها إذا لم تتدخل فرنسا في لبنان؟ ومن هو الجمهور الذي يخاطبه، اللبناني، أم الفرنسي ، أم العالمي؟

استخدام الرئيس ماكرون لتلك العبارة المخيفة، كان صادماً ومحيراً. لم يسبق إليها أحد من رؤساء الدول الكبرى وحكوماتها. ولن يتبعه أحد في تبني ذلك الاسلوب الفرنسي الغريب في تحليل خطورة الازمة في لبنان، التي تحتمل جميع أشكال الانهيار..عدا الحرب الاهلية.    

المسعى الفرنسي مشكور، لكن يبدو أنه يقترب من "ساعة الحقيقة" التي  ستكشف ان ما بني على أحلام لا يمكن ان ينتج سوى أوهام، وستوضح ان المصطلحات النارية التي إستخدمها كبار المسؤولين الفرنسيين في التعبير عن حرصهم على لبنان وحبهم له، كانت من نسج الخيال، الذي لا ينفع في تخويف المسؤولين اللبنانيين ولا في حثهم على الاصلاح.

بعض هذه المصطلحات القاسية أثارت المزيد من الذعر لدى المواطن اللبناني، الذي يقف على حافة اليأس التام من السلطة بل حتى من الدولة نفسها ، ويطرق أبواب الهجرة الشاملة، التي فتحتها فرنسا قبل سواها، لكنه، حتما، لا يخشى زوال لبنان عن الخريطة العالمية، على ما جاء في تصريحات متكررة لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، ولا يبحث عن إقتناء السلاح وعن الانضمام الى المليشيا، ولا عن إعادة رسم خطوط تماس طائفية، او حتى مذهبية.

ولا حاجة الى التحقق من أن اللغة الفرنسية الدارجة حاليا، مؤذية جداً جداً للجمهور المسيحي الذي أصابته كارثة إنفجار مرفأ بيروت أكثر بكثير مما أصابت بقية الطوائف، لكنه كان ينتظر من باريس خاصة خطاباً سياسياً يدعم تشبثه بالارض وبالمستقبل اللبناني الذي ليس له بديل، والذي لا يزال أفضل من المستقبل السوري او العراقي او الفلسطيني او حتى المصري.. وسيكون أقل كلفة مادية ومعنوية من الهجرة الدائمة التي تلوح اليوم في الافق.

زوال لبنان الذي يخافه المسؤولون الفرنسيون، يعني أما تفكيك الجمهورية وتقسيمها، أو ضمها الى بلد آخر، الى سوريا.. وهي فكرة لا تنطلي على أي طفل لبناني، كما تختلف تماما عن فكرة إفلاس الدولة اللبنانية، التي هي في الواقع من التقديرات - المسلمات المتفق عليها من قبل جميع أطفال لبنان وشيوخه، نسائه ورجاله ، شبانها وشاباته، الذين يرون ان ذلك الافلاس هو الثمن النهائي للحرب الاهلية الأخيرة ما بين 1975 و1989، وهو الاستحقاق الختامي الذي يمهد في مرحلة لاحقة لقيامة لبنان من دون أمراء تلك الحرب ورموزها.

أما أن يستسهل الرئيس الفرنسي بالذات إستخدام عبارة "الحرب الاهلية التي ستندلع إذا لم تتدخل فرنسا" فان في ذلك دليلا على أنه يفتقر ليس فقط الى الحصافة بل الى الدراية بالوضع اللبناني، حيث لا يوجد سوى مليشيا واحدة، هي حزب الله، الذي  طلب منه زعيمه ان يحتفظ بالغضب ويراكمه حتى يأتي يوم يستخدمه ل"منع الحرب الاهلية"! وهو ما لا يمكن ان يشعل حرباً بالمعنى الفعلي، ولا يمكن طبعا ان يمنعها.. طالما أنه ليس هناك خصم يريدها او يستعد لها.

زال نهائيا خطر إندلاع حرب اهلية اسلامية مسيحية.. كما لم يكن جدياً في أي يوم من الايام خطر قيام جمهورية اسلامية بنكهة شيعية او سنية. صحيح ان الفتنة بين الشيعة والسنة قائمة ، لكنها لا تعني المسيحيين ولا تورط إلا من شاء منهم وآمن. وهي لن تؤدي الى حرب، بل الى مناوشات متقطعة، لأنها، حتى الآن، بمثابة رياضة لبنانية يزاولها أبناء المذهبين وغلاتهم، في مواسم محددة أهمها عاشوراء التي ما وجدت في الاصل وضخّمت إلا لإدامة تلك الفتنة قروناً.. وغيرها من المناسبات المحلية التي تشبه دوري كرة القدم وجمهوره المتحمس لفريقه قبل أن يشهد المباراة!

المسعى الفرنسي مبرور، لكن ثمة حاجة الى تهدئة الخطاب  الذي تهور عندما طرح خلاصاً للبنان بحكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري، ثم عندما تخبط بالتعبير عن عواطفه الصادقة، بطريقة تخدم السلطة، وترعب المواطن.. وتخرج فرنسا مجدداً من لبنان.       

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020