الروس "ضد" الحرب السورية

بسام مقداد

الخميس 09/05/2019

لم تكن الحرب الروسية على سوريا "فيتنام الروسية" بالنسبة للشعب الروسي ، ولن تكون ما كانت عليه فيتنام للشعب الأميركي. فلم تخرج مظاهرة روسية واحدة ضد هذه الحرب ، ولم يقم احتجاج واحد على فظاعتها ووحشيتها ضد السوريين منذ بدايتها في العام 2015، على عكس ما حدث بعد احتلال القرم الأوكراني العام 2014. ومرت منذ ذلك التاريخ عدة انتخابات ، برلمانية ومحلية ورئاسية ، ولم تشكل هذه الحرب بنداً في البرامج الإنتخابية للأحزاب والقوى السياسية والشخصيات الموالية والمعارضة، التي شاركت فيها، سواء اعتراضاً أو تأييداً . وإذا كان الحزب الديموقراطي الروسي الموحد (يابلوكا) قد اعتمد في برنامج زعيمه للإنتخابات الرئاسية العام 2018 ، شعار وقف الحرب الروسية في سوريا ، فلم يعتمده تضامناً مع الشعب السوري وحقه في تقرير المصير ، بل اعتمده من وجهة نظر كلفة هذه الحرب ، وما كان يمكن لروسيا أن تبنيه من مدارس ومستشفيات وطرقات بواسطة الموارد ، التي تنفقها على هذه الحرب .

لكن يبدو أن فترة "السماح" ، التي منحها الروس للكرملين في الحرب السورية قد انتهت الآن ، وليس بفعل الإستيقاظ المفاجئ لشعور التضامن مع الشعب السوري ، بل بفعل احتدام الأزمة الحياتية وارتفاع نسب الفقر والبطالة ، مما انعكس في تأجيج ستالينية روسيا ، حيث ارتفعت نسبة الروس المعجبين بالديكتاتور السفاح إلى أكثر من 70% ، وفق استطلاعات الرأي الأخيرة . وقد أتبع مركز ليفادا الروسي الشهير استطلاعه عن ستالينية روسيا باستطلاع آخر نشر نتائجه في 6 ايار/مايو الجاري عن علاقة الروس بالحرب الروسية في سوريا ، أجراه في 137 مدينة وبلدة روسية . ويبين الإستطلاع أن أكثرية الروس، وللمرة الأولى منذ العام 2015،  تؤيد وقف العملية الروسية في سوريا (55%) ، في حين أن هذه النسبة كانت منذ سنتين 49%، وأن نسبة الروس الذين يتابعون ما يجري في سوريا قد هبط بشدة خلال سنة واحدة ، ولا تزيد عن 13% فقط من الروس ، الذين يتابعون عن كثب آخر الأنباء السورية. ويشير الإستطلاع إلى أن نسبة الروس ، الذين يخشون أن تتحول سوريا إلى "أفغانستان جديدة" قد ارتفعت عن ما كانت عليه منذ سنتين ، لكنها بقيت أدنى من نسبة أولئك الذين يرون أن سيناريو أفغانستان "ضئيل الإحتمال" .

يرى نائب مدير المركز المذكور، أن الروس ، ومنذ البداية ، لم يفهموا جيداً أهداف روسيا في سوريا، وكانوا يريدون إلغاء العملية بمجملها ، وانخفاض اهتمامهم بما يجري هناك الآن يرتبط بانتهاء مرحلة العمليات الكبيرة وبانخفاض كمية "الأنباء السيئة" الواردة من سوريا. ويقول بأن انخفاض هذا الإهتمام يعبر عن مزاج عام لدى الروس، وكأنه يخاطب القيادة بالقول:"إفعلوا ما تشاؤون في سورياكم تلك ، على أن لا يطالنا ذلك كثيراً" .

وينقل موقع ""RBK عن أحد الكتاب السياسيين قوله ، بأنه كلما ارتفعت الأسعار في المتاجر ، كلما انخفض ميل الناس إلى الإهتمام بالجيوبوليتيكا ، وأن البطالة وانخفاض مستوى الحياة خلق لدى الروس اشمئزازاً من نهج السياسة الخارجية الروسية ، ولم تعد سوريا وسواها تعنيهم لتضاربها مع مصالحهم ، مما أبعدهم عن جهاز التلفزيون ، وسيلة التسويق الأساسية لهذه السياسة .

ويرى موقع القوميين الروس "SP" في تعليقه على استقصاء مركز ليفادا ، أن "الروس قد تعبوا من دفع معاشات تقاعدهم ثمناً للعملية في سوريا" . ويقول الموقع أن حجم الموارد ، التي تنفقها روسيا على العملية السورية ليس معروفاً بسب سريته ، إلا أنه ينطلق من الأرقام ، التي أعلنها بوتين في العام 2016 ، ليقدر حجم الموارد ، التي أنفقتها روسيا على عمليتها خلال 30 شهراً  بأكثر من 3 مليارات دولار . وينقل عن مدير أحد مراكز أبحاث البوليتولوجيا قوله ، بأنه لو كان الروس يدققون في الصلة بين النفقات على العملية السورية ووضعهم الإقتصادي الخاص ، لكان عدد المعادين لمواصلة العملية في سوريا أكبر من ذلك بكثير. ويرى أن تراجع اهتمام الناس بما يجري هناك ، يعود إلى إيلاء الناس اهتماماً أكبر بكثير بمشاكلهم الإقتصادية الخاصة ، أكثر من الإهتمام بالسياسة الخارجية .

ويقول الرجل أن السلطة لا تلتفت إلى الرأي العام في سياستها الخارجية وشن العمليات العسكرية ، ولذا يرى أن استطلاع الرأي هذا لن يترك تأثيره على أي أمر ، سوى على تكثيف تغطية مثل هذه الأحداث في أجهزة الإعلام. ويقول بأن انخفاض اهتمام الروس بالعملية السورية مرده إلى انخفاض تغطيتها الإعلامية، وإلى غياب التواصل المباشر للمجتمع الروسي مع سوريا ، كما هي الحال في الحدث الأوكراني . ولذلك يرى أن عدد الذين يطالبون بانسحاب القوات الروسية من سوريا، لم يرتفع كثيراً خلال السنتين المنصرمتين، إذ أن نسبة ارتفاع عددهم في الإستطلاع ضئيلة، برأيه . ويعتبر أن الناس في وعيهم لا يربطون بين الوجود الروسي في سوريا وتأثيره السلبي على مداخيلهم ، ويفترضون أن هذا الوجود ، وكما في حالة القرم، هو وجود مجاني، لا كلفة له. فلو كانت السلطات تكشف عن الترابط المباشر بين ما تأخذه العملية الروسية في سوريا من ميزانية كل فرد ( والنفقات ، برأيه ، ليست النفقات الرسمية على الجيش فقط ، بل والنفقات على وجود الشركات العسكرية الخاصة، وعلى العمليات السرية وسواها) لكانت ردة فعل الناس اختلفت كلياً، وكانت نسبة المعترضين أكبر بكثير.

ويرى هذا الإختصاصي أن سلطات الكرملين أحلت، منذ العام 2014 ، السياسة الخارجية مكان السياسة الداخلية، والرأي العام الذي يتكون، لا يطالبها بالتخلي عن السياسة الخارجية، بل بتركها للمحترفين من الدبلوماسيين والعسكريين، والتركيز في الإعلام على المشاكل الداخلية ، التي تعني كل فرد ، وليس على سوريا وأوكرانيا وسواها. وإذا كان الأمر مبرراً حتى أواسط العام 2016، إلا أنه لم يعد كذلك الآن ، حيث أخذ جو الإعلام الرسمي يدخل في تناقض مع المطالب الإجتماعية .

ويؤكد الرجل أن السلطة أخذت تفقد دعامتها في المجتمع، حيث تبتعد عنها الفئات، التي كانت تشكل الأساس في قاعدتها الإنتخابية، مثل النساء متوسطي العمر. وتغرق هذه الفئات في مشاكلها الخاصة وتفقد التواصل مع السلطة. وهو يرى أن هذه الفئات لا تقف ضد السلطة، بمقدار ما تبتعد عنها وتعبر عن احتجاجها، خاصة في مسائل التقاعد والبيئة. ويعتبر أن السلطة ، تهتم بالشأن الإجتماعي الإقتصادي لفظيا فقط ، وليس عملياً ، وهي لا تزال ، كما في السابق ، غارقة في السياسة الخارجية . وتشكل هذه السياسة الحقل الرئيسي، الذي يهتم له الرئيس ، إذ يبدو واضحا في إطلالاته مدى ارتياحه حين يتناول الشؤون الخارجية ، ويكتفي بقراءة ما كتبه له المساعدون والمستشارون حين يتناول الجوانب الإجتماعية الإقتصادية .

ليس من المعروف عن الروس تضامنهم مع انتفاضات الشعوب الأخرى وثوراتها على طغاتها وسفاحيها ، منذ الثورة الفرنسية ، مروراً بثورات القرن التاسع عشر وحتى اليوم، بل هم يقفون دائماً خلف قيصرهم، أو امينهم العام ، أو رئيسهم. وهم لم يشذوا في الحالة السورية عن هذا السلوك التقليدي، بل أجبرتهم الضائقة الإجتماعية الإقتصادية ، التي يعيشونها على القول لقيصرهم ما ذكره مركز ليفادا ذاك:" افعل بسوريا تلك ما تراه ، شرط أن تهتم بنا أيضاً ".




 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019