الإنهيار الأكبر

مهند الحاج علي

الإثنين 25/11/2019
في الثاني من أيلول (سبتمبر) الماضي، أبلغ وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل إجتماعاً اقتصادياً-مالياً في قصر بعبدا "بأننا في قلب الإنهيار". جاء ذلك الإعلان قبل أسابيع كثيرة من بدء الثورة وسقوط الحكومة اللبنانية في الشارع. حيال هذا الواقع، انقسمت الطبقة السياسية بين حالة الإنكار والعناد المصلحي الفاسد من جهة، وبين التحضير الجدي للأسوأ تحت عنوان "الصمود" و"مقاومة المؤامرات"، من جهة ثانية.

اليوم، وبعد أقل من 3 شهور على هذا التصريح الباسيلي والإجتماع الاقتصادي، وفي ظل انسداد الأفق الحكومي وتعنت الأفرقاء السياسيين، تدور أحاديث في دوائر حزبية وسياسية مغلقة عن تحضيرات إغاثية وأمنية لمرحلة الانهيار الاقتصادي والمالي الخارج عن نطاق السيطرة، حكومياً ومالياً. ذاك أن الأفق السياسي مسدود اليوم، محلياً واقليمياً، ما عدا المبادرة الفرنسية التي لم يتضح مسارها بعد، وقد تُنتج حكومة مومياء جديدة.

وفي الحديث هنا شقان، الأول عن طبيعة الإنهيار الأكبر وتوقيته، والثاني عن تبعاته الأمنية والسياسية. 

في الشق الأول، الإنهيار الأكبر المطروح على النقاش في بعض الدوائر السياسية هو الواقع التالي لعجز الحكومة اللبنانية عن تسديد المبالغ المتوجبة عليها داخلياً أو خارجياً، وتحديداً الدفعتين الكبيرتين المستحقتين في آذار (مارس) ونيسان (أيار) المقبلين وهما مليار ومئتا مليون دولار، و700 مليون دولار، تباعاً، تليهما دفعة ثالثة في حزيران (يونيو) المقبل بقيمة 600 مليون دولار. كما يزيد من الألم الاقتصادي حجب الدعم الاقليمي والدولي عن لبنان خلال هذه الفترة نظراً للحملة الأميركية على ايران و"حزب الله" في ظل ادارة الرئيس دونالد ترامب. بعض الساسة الأميركيين يصفون هذه السياسة بأنها علاج كيماوي تضرب جسد المريض بأسره كي يُعالج الورم المنتشر فيه. وهذه عملياً بمثابة عقاب جماعي.

ورغم أن لدى مصرف لبنان القدرة على تسديد الدفعة المستحقة في 28 تشرين  الثاني (نوفمبر) الجاري، والبالغة قيمتها مليار ونصف المليار دولار، تبرز علامات استفهام حول توافر السيولة اللازمة لإجراء الدفعات الباقية العام المقبل، سيما في ظل الأزمة الحكومية الحالية وغياب الدعم الدولي، وضرورة إجراء عمليات صرف بالسعر الرسمي للحفاظ على تدفق الوقود والأدوية والغذاء الأساسي إلى البلاد.

المسار الثاني للإنهيار المحتمل على يرتبط بعجز الخزينة اللبنانية التي تُعاني من شحّ المداخيل نتيجة الوضع الاقتصادي المتداعي، عن تسديد رواتب العاملين في القطاع العام، وبالتالي لجوئها إلى طباعة العملة الورقية، ما يرفع نسبة التضخم والفارق بين سعري الصرف الرسمي وفي السوق، بأضعاف الأرقام الحالية.

سيترافق هذا الإرتفاع في سعر الصرف مع فترة قصيرة من النقص في المواد الأساسية، ريثما تتأقلم السوق المحلية مع الواقع الجديد. هذه الفترة عصيبة جداً، وتشهد عادة فوضى واضطرابات عنيفة (المثال الأرجنتيني) وارتفاعاً في نسبة الجريمة.

وحده "حزب الله" يُناقش هذا الإحتمال المُظلم ويُخطط لتبعاته على بيئته ومحيطه. أولاً، يرى التنظيم في الطرق الدولية خطاً أحمر يجب تأمينه ومنع اغلاقه بأي ثمن، سيما أن الطريق البرية من سوريا ستُؤمن الحاجات الأساسية وبأسعار أفضل من السوق الدولية. في هذا الشأن، ترشح أنباء عن اتصالات مع المعنيين من القوى الأخرى من أجل تأمين فتح الطرقات لتفادي أي إشكالات أمنية. 

ثانياً، يعمل التنظيم على رفع مستوى الوعي في أوساط جمهوره حيال هذا الواقع الجديد لتقبله نفسياً والاستعداد له تحت عنوان الصمود. وأخيراً، ترشح أنباء عن احتمال توفير مساعدات عينية للعائلات الأكثر تضرراً نتيجة الوضع المالي والاقتصادي المتردي، أسوة بما يحصل حالياً في ايران، ذاك أن هذه البيئة هي غالباً الموالية للتنظيم والأكثر استعداداً للتضحية في صفوفه ومن الضروري مساعدتها.

مثل هذا الواقع الجديد يفرض أسئلة عديدة حيال التبعات الامنية والسياسية على المديين المتوسط والبعيد. هل سيتأثر الحزب بالانهيار كما يرغب الأميركيون، أم سيتأقلم مع الواقع الجديد ويقلبه لمصلحته؟

الأرجح أن تنظيماً وُلد من رحم انهيار الدولة، وعبر التعويض عن النقص في خدماتها ودورها الأمني في الثمانينات، سينتعش من ولادة ظروف مماثلة تُعيد له شعبيته بعد الانتكاسة الأخيرة. يبقى أن الكتلة الكبرى من اللبنانيين ستسقط كرقم خارج الحسبة في هذه المواجهة العبثية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020