رأس السنة التركية بتوقيت منبج

عائشة كربات

الأربعاء 02/01/2019
سوف نعلم خلال وقت قريب جداً إذا كان ممثلو الحرب السورية قد تعلموا درسهم العام الماضي: عدم الإصرار على المطالب القصوى. الاختبار سيكون في منبج.
منذ بداية الحرب وحتى في أوقات السلم كانت منبج تمس أعصاب تركيا. المدينة إلى جانب موقعها الاستراتيجي على نهر الفرات، كانت مرقد سليمان شاه، جد عثمان، مؤسس الإمبراطورية العثمانية.
بحسب معاهدة لوزان الموقعة عام 1923، والتي هي الاتفاق التأسيسي للجمهورية التركية بعد حرب الاستقلال، بقي قبر سليمان شاه ملكًا لتركيا، ليحميه الحراس الأتراك. عندما جاء تنظيم "داعش" إلى المنطقة في عام 2015، اضطرت تركيا إلى إعادة نقل المقبرة من منطقة قرة قوزق السورية في منبج إلى قرية آشمي في حلب خوفاً من أن يلحق المتطرفون الضرر بها. ومنذ ذلك الحين تتعهد تركيا مراراً وتكراراً بأن يعود القبر إلى منبج. إنها مسألة شرف لتركيا.
كان وضع المقبرة في مكانها الأصلي جزءاً من صفقة مع الأميركيين؛ ووفقاً لذلك الاتفاق، كان من الممكن سحب وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الولايات المتحدة من منبج في 5 أيلول/سبتمبر. تمت إضافة الصفقة إلى قائمة الوعود غير المحفوظة في سوريا.
الآن ينسحب الأميركيون، ويتوق كل من النظام السوري وتركيا إلى القبض على منبج لأسباب مختلفة.
تهدف تركيا إلى تدمير وجود وحدات حماية الشعب. كانت أنقرة تكرر وعدها بإجراء عملية عسكرية ضد منبج العام الماضي، رغم أن مثل هذه الخطوة العسكرية ستعني مخاطرة بظل وجود الجنود الأميركيين هناك. على الرغم من مرور بضعة أيام فقط على إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا، كانت أنقرة مستعدة لشن هجوم عسكري على الضفة الأخرى من الفرات لتدمير وجود وحدات حماية الشعب هناك. ومع ذلك، بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب، ركزت تركيا على منبج وهرعت إلى وكلائها السوريين، كتائب الجيش السوري الحر على حافة منبج.
النظام السوري فعل الشيء نفسه. لديه أسباب للعمل، مع الثقة بالنفس. في الآونة الأخيرة حصل على الدعم الدبلوماسي من الإمارات العربية المتحدة، والسعوديون يحاولون استخدام نفوذهم على بعض القبائل العربية في سوريا لمساعدة النظام على استعادة سيطرته في جميع أنحاء البلاد.
السبب الآخر الذي يشجع النظام هو محاولات التفاوض اليائسة من قبل وحدات حماية الشعب التي هي على استعداد للتعاون مع النظام عندما تواجه خطر الإبادة من قبل تركيا.
يتمتع النظام بالدعم الروسي أيضاً، لكن على موسكو أن تأخذ في الاعتبار الموازين الحساسة في سوريا. إنها تحتاج إلى رضا أنقرة على الأقل جزئياً، من أجل عملية الحل السياسي.
ومع ذلك، لم تنسَ أنقرة حقيقة أنها وصلت إلى حافة الحرب مع سوريا في عام 1998 عندما كان حافظ الأسد على قيد الحياة وكان يرعى حزب العمال الكردستاني في سوريا لاستخدامه ضد تركيا. لذا، بالنسبة لأنقرة فتدمير بنية وحدات الحماية لا يكفي. يجب أن تكون على يقين من أن وحدات حماية الشعب التي هي مجرد امتداد لحزب العمال الكردستاني وفقاً لتركيا لا ينبغي أن تشكل تهديداً لتركيا على الإطلاق. في الوقت الراهن، تعتقد أنقرة أن تحقيق ذلك عبر تشكيل منطقة عازلة على طول الحدود السورية هو الحل الأفضل حتى لو عاد النظام إلى المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.
في ظل هذه الظروف المحاصرة، إذا كانت الأطراف قادرة على الاعتراف بنهجها المتطرف، يمكن توقع أن تترك تركيا بعض أجزاء منبج للنظام بشروط؛ سوف تنسحب وحدات حماية الشعب من هناك، وسوف يضمن الروس ذلك. سيعود قبر سليمان شاه إلى مكانه الأصلي.
بالنسبة للجانب الشرقي من نهر الفرات، يجب السماح لتركيا بتشكيل منطقة عازلة أو مناطق عازلة خاصة حول تل أبيض التي لا تسكنها أغلبية كردية ولكنها مأهولة بالسكان العرب. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة العازلة أو العمليات العسكرية المستقبلية لتركيا لن تتعمق ولكن ستقتصر على خط رفيع بما يكفي لحماية حدودها ضد أي تصفية أو هجوم على وحدات حماية الشعب. لن تكون مفاجأة كذلك، إذا كان الروس، في مقابل كل هؤلاء سيطلبون قسماً من إدلب التي تخضع لسيطرة المعارضة المدعومة من تركيا أو بعض العناصر المتطرفة التي تحاول تركيا إقناعها بالاعتدال.
ولكن على أي حال، فإن نقطة البداية للمساومة ستكون منبج.
في اليوم الأخير من عام 2018، لم تكن زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى الموقع المؤقت لمقبرة سليمان شاه، مجرد زيارة إلى السلف بدافع الاحترام، بل كانت وعداً أمام الجمهور ونقطة انطلاق للعام الجديد.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019