ماسبيرو العاشرة: النسيان وأقباط آخرون

شادي لويس

الأربعاء 13/10/2021
في التاسع من أكتوبر، عادت ذكرى مذبحة ماسبيرو للسنة العاشرة، إنما من دون ذاكرة. باستثناء تنويهات متناثرة، يُعاد تدويرها في الشبكات الاجتماعية، على سبيل الواجب، فإن الصمت يغلّف الذكرى. لحظات الخبل مطلق العنان، لا مفر من نسيانها. مشاهد مطاردة مدرعات الجيش المصري، للمتظاهرين الأقباط على الأرصفة، وسحقهم تحت جنازيرها عمداً، لم تكن الرعب الكامل. الرعب المضاعف تبدى حين خرجت مذيعة التلفزيون الرسمي، مألوفة الملامح، تدعو المشاهدين للنزول إلي الشوارع لحماية الجيش.. من هجوم الأقباط. وكان لمذبحة أهلية أن تقع في طول البلاد وعرضها، لولا أن الغالبية الساحقة من جموع المواطنين اختارت ألا تنساق لسُعار السلطة.

وقبل مرور الكثير من الوقت، تجاهلت الكنيسة القبطية، المختومة روزنامتها باسم "تقويم الشهداء"، هذه المذبحة. حتى النصب التذكاري الذي يحمل أسماء القتلى، قيل أن الأمن الوطني طلب، قبل عامين، من الكنيسة، إزالته من فوق المقبرة الجماعية لضحايا المذبحة. فاللوح الرخامي كان يقول بلا مواربة إنهم قتلوا "برصاص ومدرعات الجيش المصري".

ما حدث يبدو اليوم وكأنه حدث في زمن آخر، وكأنه لا يعنينا، ما يلزمنا تأمله ليس المذبحة نفسها، بل نسيانها، أو بالأخرى إنكارها، كيف حدث؟ وبأي الطرق؟ ولأي غرض؟

بالنسبة إلى الأقباط، داوم الجيش على أن يكون المؤسسة التي تجسد معنى المساواة، ربما في واحدة من أكثر صورها قتامة، لكنها تظل مساواة في أي حال. لا يعنى هذا أنهم لا يتعرضون للتمييز، سواء في بلوغ المناصب العليا، أو ولوج قطاعات بعنيها محرّمة عليهم. لكن التجنيد الإجباري، في المقابل، ظل تلك الساحة التي يشعر فيها القبطي بوطنيته الكاملة ورجولته الكاملة، الثقة فيهما، وبتحميله ثمنهما بالكامل. وعلى قدم المساواة مع المسلم. كان لذاكرة المذبحة، أن تتنزع ذلك الفخر بالمؤسسة العسكرية وبالخدمة فيها، وأن تزعزع القليل من الطمأنينة الباقية بسببه.

باكراً، بدأ التنصل. أذكر، بعد أيام من المذبحة، كان نزولي إلى القاهرة في زيارة مرتبة سلفاً، وفي المقهى، يلتفت زميل الجامعة السابق، أكثرنا هنداماً ودماثة، ويسألني بغضب: "يرضيك اللي عملوه في ماسبيرو؟"، وشرعت في الإجابة بالنبرة المحتدة ذاتها، ظاناً أنه يشير إلى المجلس العسكري، لكنه فاجأني بأنه كان يلقي باللوم على الجهة الأخرى، أي المتظاهرين القتلى، "إحنا كده برضو!". فما أزعج زميلي القديم، لم يكن فقط خروج هؤلاء إلى الشوارع، وخروجهم أيضاً على معادلة التمثيل الكنسي أمام الدولة. ما روعه أكثر هو ظهور هؤلاء الأقباط الآخرون، الذين لا يشبهونه، فجأة.

ثمة صورة نمطية عن القبطي، إبن الطبقة المتوسطة، جيد التعليم، المنخرط في وظائف أصحاب الياقة البيضاء أو التجارة النظيفة. وإن كان الأقباط اعتادوا الشكوى من ندرة تمثيلهم في الثقافة العامة، فإن الفرص الشحيحة لظهورهم حصرتهم في تلك القوالب الجاهزة، وروّجتها بنجاح. حتى أن الأقباط أنفسهم صدقوا تلك التصورات عن أنفسهم، أو على الأقل تمنوا أن يصلوا إلى مثالها.

لكن من نزلوا في "ماسبيرو"، لم يكونوا من هؤلاء، ومعظم من سقطوا يومها جاؤوا من أحياء القاهرة الأكثر تواضعاً، الأحياء حيث تتوزع هجرات الأقباط المتتابعة من الصعيد إلى العاصمة، فتفرز الأفقر بين بقعتين عمل سكانهما في تجميع القمامة وتدويرها: في عزبة النخل في شرق المدينة، والمقطم في شمالها. كان هؤلاء أقباط آخرون، غير مرئيين، جلبتهم الثورة إلى مقدمة المشهد، رغماً عن الجميع، وربما رغماً عن أنفسهم. وكان لزاماً أن يتم إبعاد هؤلاء، مرة أخرى، إلى الهامش، ولذا اضحي النسيان واجباً، إنكاراً للمذبحة وإنكاراً لهم أيضاً. 


(خلال قداس أقيم العام 2013 في الذكرى الثانية لمذبحة ماسبيرو - غيتي)
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021