مرحباً من كوكب بعبدا

مهند الحاج علي

الجمعة 22/11/2019
كأن الإنهيار المالي لم يحصل. وكأن الثورة لم تقم. البلد ليس على حافة الإنهيار المالي، والمصارف تواصل عملها من دون انقطاع. هو يوم عادي في بعبدا، ورئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون اختار خطاباً مثل فساتين كل المناسبات، إذ كان قادراً على إلقاء كلمته عام 2017 و2018، وربما صيف عام 2008، عندما أنعم علينا للمرة الأولى بصُهره جبران باسيل وزيراً (للاتصالات حينها).

الحقيقة أن الخطاب الرئاسي منفصل عن الواقع بشكل لافت. في بداية الكلمة، يتحدث عون عن "وقت العمل، العمل الجدي الدؤوب، لأننا في سباق مع الزمن. فالتحديات كبيرة وخطيرة، وقد فاتنا الكثير من الوقت". 

لكنه رغم هذا الإنذار والكلام الجدي عن العمل وضرورته بعيداً عن الخطب والكلام والاحتفالات، يعود إلى أصل المعضلة اللبنانية اليوم: صهره وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل. وباسيل عُقدة أساسية في كل حكومة لبنانية منذ 12 عاماً من عمر هذه الجمهورية التعيسة، وهو اليوم مصرٌ على تمثيله في تشكيلة تكنوسياسية لم تعد تُحاكي طموحات اللبنانيين وأمزجتهم.

كان من المفترض أن تكون ال​حكومة​ قد ولدت وباشرت عملها، قال الرئيس، إلا أن "التناقضات التي تتحكم بال​سياسة​ اللبنانية فرضت التأنّي لتلافي الأخطر". ما الأخطر هنا؟ بالنسبة للرئيس، غياب باسيل عن الحكومة المقبلة أكثر خطراً من أي انهيار اقتصادي مقبل، ذلك أن لغياب باسيل آثاراً طويلة الأمد على مستقبل اللبنانيين وربما العالم بأسره. وللتمهل في تشكيل الحكومة، وفقاً للرئيس، فوائد اضافية تتمثل في تشكيلة "تلبي ما أمكن من طموحاتكم، تكون على قدر كبير من الفعالية والانتاجية والانتظام، لأن التحديات التي تنتظرها ضخمة، والاستحقاقات داهمة. بحسب القاموس العوني، الانتاجية والانتظام يعنيان أمراً واحداً: جبران باسيل. يُنقل عن الرئيس عادة إعجابه بنشاط جبران ودوامه الطويل في الوزارة، لذا فإن وجود الصهر الرئاسي في الحكومة كاصطياد عصفورين بحجر واحد، إذ يُلبي طموحات الشباب من جهة، ويُوفر انتاجية وانتظاماً عالياً بدوامه الطويل في المكتب. وانتظام الدوام وحدة قياسية أساسية للانتاج عند العسكر لدى تسلمهم مناصب مدنية. أن تُداوم في المكتب أهم من انجازات الوزارة، لأن بإمكانك لوم انعدام الأخيرة كما هي الحال في وزارة الطاقة مثلاً، على عراقيل الآخرين.

واللافت أن عون اعترف بنوم القضاء خلال السنوات الماضية، عن مكافحة الفساد، حتى عندما يُقدم الرئيس بذاته إخباراً بذلك. لكن في مقابل هذا الاعتراف، يُريد عون من الناس عدم إصدار أحكام مسبقة وترك الأمور للقضاء الذي لم يسجن فاسداً واحداً من السلطة إلى اليوم، رغم أن الفضائح كثيرة والمعلومات والأدلة أيضاً دامغة، لكن البطء والمراوغة يسودان، إلا في توقيف أصحاب الرأي في الضابطة العدلية.

ومن علامات الإنفصام الرئاسي أيضاً، أن عون تحدث عن تغييرات اقتصادية ثورية خلال سنة واحدة من الآن، تستبدل النمط الاقتصادي الريعي باقتصاد منتج "من خلال دعم الزراعة والصناعة وتبنّي سياسات تحفيزية ليصبح إنتاجنا تنافسياً في الأسواق الخارجية؛ وكذلك تخصيص كلّ الاهتمام بالقطاع التكنولوجي واقتصاد المعرفة". الفريق الرئاسي الذي فشل خلال 11 عاماً وبعد انفاق أكثر من عشرين مليار دولار، في جلب الكهرباء الى بلد صغير نسبياً، يُريد تنفيذ خطة اقتصادية راديكالية تُحولنا خلال سنة واحدة الى دولة منتجة تُنافس في الأسواق العالمية. 

كيف يُريد الرئيس أن يُحقق هذه النقلة في سنة بموازنة مفلسة وبلد منهوب؟ بحسب تاريخ هذه الطبقة السياسية، وهو منها، الرئيس لم يقصد أن هذه النتيجة ستتحقق بفعل سياساته، بل أراد تجيير تغييرات سيفرضها علينا الانهيار المالي المديد. لن يقدر اللبنانيون خلال الفترة المقبلة على الاستيراد، لذا سيدفعهم العوز الى رفع مستوى الانتاج المحلي لتعويض النقص في الأسواق. الناس سيتكيفون بألم وجوع مع الواقع الجديد. لكن هذه ليست عملية طبيعية تحمل في طياتها آلاماً اقتصادية، بل هي نتيجة إنجازات الرئيس. هو يريد منا الكتابة بأن عهده لم يشهد آلاماً اقتصادية غير مسبوقة منذ الثمانينات، بل إننا انتقلنا بفضله الى زمن الانتاج المحلي.

ماذا نقول عن رئيس يُخاطبنا بهذه اللغة وهذا المنطق الأكثر انشغالاً بالإرث السياسي والعائلي من الهم العام، بعد هذه الثورة وغداة كل هذه الآلام الاقتصادية التي تزيد ولا تنقص؟ 

نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى الى مركبة فضائية تذهب الى الكوكب البرتقالي المسمى بقصر بعبدا، لإبلاغ الرئيس بأن العالم تغير على الأرض. فلتفعلها شركة "ماكنزي" أو خبير الرائحة الدولي الذي جاء الى بيروت العام الماضي، أو أي أحد. ذاك أن مواقف الرئيس وخطاباته المنفصلة عن الواقع، باتت أشبه بفيلم رعب بارد وفاشل يجب أن ينتهي لمصلحة الجميع، حتى الممثلين فيه.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020