حفلة تنكر عالمية

أحمد عمر

السبت 11/04/2020
ذهبت دراسة علمية إلى أنَّ معدلات وفيات وباء "كورونا" في دول فقيرة، قد يكون أقل بـستة أضعاف، مقارنة بمعدلات الوفيات، في دول يحصل سكانها على دخولٍ مرتفعة. وربطت الدراسة بين لقاحٍ ما يزال شائعاً في دول فقيرة، وهو لقاح السل الرئوي، وبين هذه النتيجة. ولم تربط الدراسة الموت بمعدل الدخل الذي يسبب القلق في دراسات، والسعادة في دراسات أخرى! ولم يطلق أحد إلى هذه اللحظة اسم "كورونا المقنّع" على الفيروس أو يربطه بروبين هود قاطع الطريق الشهير الذي كان ينهب المال من الأغنياء ويمنحه للفقراء على عكس عبد الفتاح هود المقنّع.

  أعلن حسان العوض مساعد وزير الأوقاف السوري في نظام الأسد ببسالة ليس لها مثيل بين التصريحات الباسلة، أن حالات الطلاق في سوريا، ارتفعت خمسة أضعاف خلال فترة حظر التجول التي تسببَ بها تفشّي الفيروس، وذكرَ المساعد أول أن السبب هو التماس المباشر (بين الزوجين!) والواقع السيء الموجود في بعض العلاقات الزوجية والذي لم يكن ملحوظاً في السابق. أغفل الرجل "التقي" أن السبب من السلطان لا من الرحمن، وتحاشى ذكر ضيق المكان وغربة الزمان وحبِّ الانسان للحرية وبغضه للحرمان.

 سئل أعرابي مرّة: هل لك في الزواج؟ فقال: لو قدرت أن أطلّق نفسي لطلّقتها.

وكذب المساعد أول للمفتي، لإغفال ضحايا المعتقلات السورية التي يتكدس فيها الإرهابيون.

والغريب في الأمر هو أن وزير الأوقاف قد ذكر الإحصاء العجيب، وردّه إلى الواقع المستجدّ منذ أسبوعين، ولم يذكر لله دره شيئاً عن الواقع غير المستجد منذ تسع سنوات، وضرب صفحاً عن الفقر والجوع والخوف والحواجز الطيارة والحشرات الزاحفة، وعجزِ المواطن السوري عن إكرام زوجته والقيام بواجبها، فلا باه ولا جاه، ولا راح ولا جاء. لا يكفي راتب السوري العامل سوى يوم واحد من أيام النظام السعيدة، ويظن أن الطلاق حلٌ للحصول على "التجانس" النفسي والفردي والذاتي.

  تذكّر دراسات علمية أن الفيروس من مواليد 2003، لكن دراسات كاتب السطور تقول إن مواليده هي مواليد ثورة الثامن من آذار، وتقول دراسات إن الفيروس يحبّ القذارة، وهو ما ينطبق على أكثر نظم العواصم العربية الانقلابية، لكن أبحاثاً تذكر له فضائل، منها أنه خفَّف من التلوث، وقلّل من انطلاق الغازات الضارة، لكن الأرض شربت كثيراً من المواد الكيماوية، فالإنسان الظليم يرتق جرحاً في الكوكب ويفتق جروحاً أخرى.

 حمدَ مسلمون للفيروس أنه رفع التكبير في جامع السلام ببرلين، ومدن أخرى، فقد علا صوت الآذان متعانقاً مع صوت النواقيس، ابتهالاً إلى الله، فكبّر المسلمون في الشارع وجلهم من الوافدين مع تكبير المؤذن وكأن روما فتحت بالكبير.

وفي الآثار والنبوءات أن روما تُفتح بالتكبير، لكن صلاة الجماعة محظورة، فهو آذان من غير صلاة في المسجد، أما سبب إباحة بعض بلديات المدن الألمانية الآذان، فهي عودة إلى الله سببها الداعية الفيروس، ولسان حال الحكومة الألمانية: إن كان ديننا ضلالة وزيغاً فلعل دينهم صواب وهدى، المهم أن نواجه الكورونا.

 وقد خطب بومبيو خطبة، ودمعت عيناه كأنها عظة أحد، وهو يستغفر الله على الإسراف في المعاصي، وذكرت دراسات أنها دموع فيل جمهوري، يعني دعاية انتخابية!

ولا تقارَن علمانية أوربا بعلمانية الدول العربية، لكنها دون الغاية والرجاء، فالعلمانية الحقيقية هي أن تبيح لنا أوربا تطبيق الشريعة الإسلامية في قارتها العجوز، فنقطع يد السارق ونحولها إلى كفتة، ونرجم الزانية ونحتفل بالزاني، ونملِّك علينا ملكاً من غير انتخابات.

 ومن محاسن الفيروس إفراط العالم في النظافة، والصراع على الكمامات، فقد دعت شخصيات كبيرة دول أوربية إلى استخدام الماء في المراحيض، للقضاء على الحاضنة. وتناهى إلينا أن امرأة إيطالية اسمها مونيكا صاحت "واااسيسياه" فأرسل السيسي لها طائرة كمامات وكأنه المعتصم، فشعبه ليس بحاجة إلى كمامات.

أوقفت وزارات الأوقاف في الحكومات العربية صلاة الجماعة، وسعدتُ بذلك فالمسجد المكان الوحيد الذي تخشاه الدولة العربية، وأن دولتين هما سوريا التي دمرّتْ المساجد، ومصر التي أغلقتْ المصلّيات والزوايا، قد حالفتهما الكورونا، فسعدتا أيضاً بهذا الحليف الذي حظر التجوال وأعاق الثورات في لبنان والعراق.

وللفيروس وجهان، أبيض وأسود مثل وجهي دكتور جيكل ومستر هايد، ومن وجوه الفيروس البيضاء أن النظام العالمي سينهار، و قد تتأخر أمريكا وروسيا إلى الصف الثاني، لكن لا ظهور لقوى عربية عالمية، فالفيروس الأخطر هو الدكتاتورية، وليس الكورونا.

 قد يوصف بأنه فيروس نازيّ، لأنه يقتل الضعفاء، ويُخشى أن يُصدر نظام الأخ الأصغر السوري الذي يحتل المرتبة الثانية بعد الأخ الأكبر الكوري في التحكم والسيطرة، بطاقةً ذكية للكورونا. ولا معنى للحظر ما دام الناس يزدحمون أمام باب غرف النار بانتظار الرغيف، وباب غرف الغاز بانتظار الجرة، وهناك نظريات تقول إن الفيروس مصنوع في المخابر، ونسيت النظريات مخابر الظلم.

 أسقطتْ صلاة الجماعة، وأسقط الحج، وتنوي حكومات إسقاط الصوم، وقد انبرى شيخ الأزهر مدافعاً عن الصوم، ليس لأن الصوم فريضة وركن من الإسلام  ومفيد للصحة، إنما لأنه مفيد للريجيم والنظام أيضاً، وأفتت حكومات عربية بالتعجيل في الزكاة، بل حضّت على دفع زكاة العام القادم والقرن القادم، ليس للفقراء، وإنما لصندوق تحيا مصر وأمثاله من الصناديق السوداء.

أفرجت حكومات كثيرة عن المساجين في أوروبا والهند وسلطنة عمان، لكن الاعتقال يزداد في مصر. روبين هود مصر توعّد الأشرار ولم يتوعد كورونا.

 وتذكر أبحاث أن كورونا معارض من جنس النظام، ويقول كاتب السطور: لن يسقط النظام حتى يسقط النظام العالمي الحاضن للأنظمة.

 يضع كاتب السطور كمامة هذه السطور توقيّاً من عين الكاميرا وهو يسطو على الزهور من الحديقة وليس من الفيروس، ويرتدي القفازات ليس للوقاية من المرض، وإنما تحاشياً لترك بصماته على كوكب الأرض، وهو ينظر إلى شاحنات الجثث التي تؤخذ للحرق، وينتظر غراباً ليعلمنا الدفن من جديد.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020