رداً على الكاتب عمر قدور: الكرد في واقعهم وأحلامهم!

نواف خليل

السبت 12/01/2019
تلقت "المدن"من السيد نواف خليل، وهو مدير المركز الكردي للدراسات بمدينة "بوخوم" الألمانية، والمتحدث الرسمي السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي (ب.ي.د) في أوروبا، رداً على مقال الكاتب عمر قدور "أكرادنا في متاهتهم"، في الاتي نصه، يليه تعقيب من الزميل قدور:



بعدما أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره الشهير الذي أحدث هزة كبيرة، والقاضي بسحب القوات الأمريكية من مناطق شمال وشرق سوريا، عادت القضية الكردية السورية، وفي المنطقة عموما، لتتصدر واجهة الأحداث العالمية، حيث تناولتها مراكز القرار المؤثرة حول العالم، وكبريات مراكز الدراسات ووسائل الإعلام، وجرى حديث كثير حول خلفيات قرار "ترامب" والتطورات التي قد تنتج عنه وأثر ذلك على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

كما تناولت وسائل الإعلام العربية بمختلف أشكالها القضية، وهو ما دفعني للبحث في ردود الفعل العربية عموما، والسورية خصوصا، في دراسة تحت عنوان " صورة الكردي عربيا" والتي نشرت في موقع المركز الكردي للدراسات.

واليوم، وأثناء تصفح المواقع الإلكترونية، وجدت ما كتبه الكاتب والروائي السوري عمر قدور في موقع (المدن) بعنوان: "أكرادنا في متاهتهم"، وهي مادة منشورة بتاريخ 01/01/2019. يبدأ "قدور" مقاله بكلمة طريفة عن ما أسماه بـ"المعركة التي يخوضها الكرد" حول تداول ما أسماه بخريطة "كردستان العظمى"، وهي تسمية جاء بها الكاتب من فكره، ولا تستخدم كرديا، والسبب أن الخريطة تتعارض مع الحدود الوطنية الحالية، وهي ذات الحدود التي تعلمنا في البرامج التعليمية للحكومات القومية (حتى تلك التي سبقت نظام البعث الحالي) أنها "حدود مصطنعة رسمها الاستعمار الغربي لتقسيم المنطقة"، والمعني هنا طبعا حدود "اتفاقية ساكيس – بيكو" الشهيرة. ولست هنا بصدد استعراض تاريخي أو القيام بمرافعة حول الحق الكردي، لكن في الرد على ما أحاله الكاتب للكرد، فأقول أولا: الخريطة موجودة في محرك البحث "غوغل" ولم يضعها الكرد، أو يفرضونها على الموقع الشهير. ثانيا: من الطبيعي أن يأتي رد الفعل الكردي رافضا للطلب التركي الراغب في إزالة كل شيء يشير إلى اسم الكرد وكردستان، فأين الخطأ وأين الطرافة في ذلك؟ ألم يكن حريا بالكاتب أن يقول العكس من أن الطلب التركي هو الطريف والغريب في المطالبة بإزالة خارطة تشير إلى الوجود الكردي في كردستان التاريخية، أو حتى تلك المتخيلة ؟ تركيا لا تعارض فقط وجود خرائط تشير إلى الكرد وبلادهم كردستان، بل تحتج حتى على إيراد الأسماء العلمية للحيوانات والنباتات التي يذكر فيها اسم الكرد، مثلا "ثعلب كردستان"، حيث دعت تركيا بعض المؤسسات العلمية إلى تغيير اسمه! هذا غير التكتم على الوثائق العثمانية القديمة التي تشير إلى اسم الشعب الكردي وجغرافية كردستان، صراحة وبالاسم!

ثم يقفز الكاتب ليقول: "قد يُقال إن تثبيت خريطة كردستان هو شأن ثقافي في المقام الأول، إلا أن هذا القول يتنافى إطلاقاً مع ما شهدناه أثناء سيطرة الميليشيات الكردية على مناطق عربية في شرق وشمال سوريا. مع تقدم الميليشيات انتشرت دعاوى الحق التاريخي، المتعارضة تماماً مع الواقع السكاني، وعمدت الميليشيات إلى عمليات تهجير واسعة النطاق، وعمدت أيضاً إلى استبدال أسماء عربية أو سريانية لمدن وقرى على النحو الذي كان فعله البعث بتغيير أسماء قرى وبلدات كردية". وهنا أتحدى الكاتب أن يأتي برأي باحث أو أكاديمي أو حزب كردي حول ما يقوله هو عن "الحق التاريخي الكردي في المناطق العربية مثل الطبقة والرقة ومنبج"، وغيرها من المناطق، كما أتحداه أن يأتي بأسم قرية عربية أو سريانية تم تغيير اسمها أو بنيتها الديمغرافية. بل بالعكس، لأول مرة في تاريخ سوريا تستخدم اللغة السريانية في كتابة أسماء المناطق إلى جانب كل من اللغتين الكردية والعربية. لا بل أقول أبعد من ذلك: لا تزال بعض القرى والبلدات التي تم تعريب اسمها كما كانت عليه، ولم ترجع الأسماء الكردية القديمة، وكذلك لم يتم إعادة الوضع الديمغرافي (التعريب في الحزام العربي) إلى سابق عهده منعا لحدوث حساسيات حاليا، حيث تُرك الأمر لمرحلة قادمة يكون فيها تفاهم أشمل.

وفي تجنٍ على الحقائق في هذا العالم المعولم وعالم "غوغل"، يقول عمر قدور: "وفي حين كانت الميليشيات تقدّم خطاباً للغرب بوصفها ذراعاً له في الحرب ضد الإرهاب، كان خطابها وممارساتها الداخليين يبنيان على الغرائز القومية، وعلى خريطة كردستان الكبرى، ووصل الأمر بقياديي الميليشيات من جبل قنديل أن روّجوا للأمر كبداية للتحرير سرعان ما سيمتد إلى كردستان تركيا حيث المعركة الفاصلة".

لن أخوض فيما ذهب إليه من تجنٍ وإطلاق الكلام على عواهنه، لكنني أود أن يأتي الكاتب بتصريح واحد لقيادات حزب العمال الكردستاني حول عملية التحرير التي ستمتد لـ"كردستان تركيا"، علما ألا أحد من قادة حزب العمال الكردستاني يستخدم مفردات من قبيل "كردستان تركيا" أو "كردستان العراق".

أما حول رفع صورالقائد الكردي عبد الله أوجلان، فالأمر يعود لاعتبار الشعب الكردي هذا الرجل مفكرا ورمزا من رموزه، وهناك في مناطقنا وغيرها من يرفع صور العديد من الزعماء والمفكرين الكرد وغير الكرد. الناصريون، وحركتهم كلها تنسب إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، واليساريون بمختلف تشكيلاتهم ومسمياتهم، هم أول من أدخل صور قادة غير سوريين، وحتى غير شرق أوسطيين، إلى بيوت وعقول الناس، مثل ماركس وأنجلس ولينين، وغيرهم. الإسلاميون الذين يتبعون المركز الإخواني المصري سابقا والتركي لاحقا، لا يكتفون برفع صور ضخمة لـ"أردوغان" والعلم التركي، بل يرددون شعارات تحيي "أردوغان" كقائد لهم.

في موضوع ثانٍ، كتب عمر قدور: "في منطقة عفرين التي تضم أعلى غالبية كردية نستطيع الجزم بأن نسبة ضخمة جداً من السكان الأكراد قد نزحت بفعل الهجوم التركي، ومن ثم بفعل الانتهاكات اليومية التي تمارسها الفصائل المدعومة من أنقرة. قبل ذلك كان (داعش) قد احتل كوباني (عين العرب)، وتسبب في نزوح سكانها قبل أن تأتي معركة التحرير لتحوّل المدينة إلى أنقاض غير قابلة للعودة والسكن. لم تشهد المدينة إعادة إعمار بعد طرد داعش، بل دعا قيادي في الميليشيات الكردية إلى الإبقاء عليها كما هي كرمز لفظاعات داعش، على نحو ما ترك الأسد مدينة القنيطرة بعد الانسحاب الإسرائيلي أنقاضاً ليُري بعض زائريه الوحشية الإسرائيلية!".

هنا كأن الكاتب يبشرنا أن "عفرين" تكاد تخلو من أغلبيتها، وهو صادق إلى حد بعيد، بفعل الاحتلال التركي الغاشم الذي لا نجد إدانة له من لدن الكاتب الذي يحاول التبشير بأن "كوباني كذلك لم يعد إليها أحد وباتت خرابا يبابا"، وهو ما ينم عما في داخله من حقد شوفيني وعنصري تجاه الشعب الكردي المظلوم. ولو أن الكاتب شاهد أي تقرير صحفي أو تلفزيوني، لعلم أن أهل "كوباني" عادوا مباشرة بعد تحريرها، وقد كنت شاهدا على ذلك في زياتي للمدينة التي عاد إليها بعد أشهر قليلة أغلب سكانها. أما إعادة الإعمار فقد كنت شاهدا مرة أخرى في زيارتي قبل أشهر قليلة إليها، لدرجة أنني العارف بالمدينة فوجئت بسرعة إعادة الإعمار بدون أي مساعدة خارجية، وبإرادة السكان، وما تيسر للإدارة الذاتية من إمكانيات قليلة. "كوباني" باتت عامرة وبجهد وإمكانيات أهلها المعروف عنهم ارتباطهم بأرضهم، وكذلك حبهم للعمل، وهم الذين وصلوا إلى الدول الإفريقية للعمل، وظلوا خير مثال للارتباط بالأرض.

روح المقال تهدف لإظهار الكرد غير مرتبطين بأرضهم، ولتأكيد ما يود أن يذهب إليهم من أن المنطقة لم يعد فيها إلا القلة من أهلها الكرد، يقول الكاتب: "ما نعرفه أيضاً أن تدفق الأكراد إلى كردستان العراق لم يتوقف عبر مدينة القامشلي، ليكون الهدف اللاحق الوصول إلى الملاجئ الأوروبية. ورغم العداوة على طرفي الحدود بين الجانبين الكرديين، فإن الرشاوى تتكفل بعبور اللاجئين، وهؤلاء ليسوا فقط ممن تضرروا من الاجتياح التركي أو من (داعش)، إنما هم أيضاً من معارضين أكراد لا يريدون البقاء تحت سلطة الميليشيات الكردية، وهم أيضاً أناس بسطاء لا يريدون سوق أبنائهم أو بناتهم في حملات التجنيد القسري، أو لا يريدون أن يتطوع القاصرون منهم في تلك الميليشيات تحت تأثير سطوتها ودعايتها الإعلامية، فضلاً عن أناس آخرين أوقعتهم الحرب في البطالة وضيق العيش". أولا: ليس الكرد وحدهم من هاجر من أرضه قبل المقتلة السورية، والهجرة التي تمت إلى كردستان العراق وتحديدا إلى مخيم "دوميز" الذي جرى إنشائه في العام 2012، جاءت قبل أن يتم طرد النظام من المناطق الكردية في 19 تموز/يوليو 2014، كما أن الذهاب لكردستان العراق لا يحتاج إلى رشوة بل كان يتم من المعبر الرسمي. والهجرة ليس كما يصورها الكاتب الذي ربما كان يريد القول إن المنطقة باتت خاوية على عروشها، وإلا كيف تسنى لقوات سوريا الديمقراطية أن يصل عددها إلى ما يقارب 70 ألف من الكرد والعرب والسريان والتركمان وبقية  المكونات؟ ناهيك عمن يشملهم قانون واجب الدفاع الذاتي (التجنيد الإجباري)، وهم كذلك بالآلاف، عدا عن عشرات الآلاف من قوات الأمن الداخلي "الآساييش"، وكذلك قوات حماية المجتمع ممن يقومون في ساعات الليل بحماية أحياءهم في المدن.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ما قامت به (وحدات حماية الشعب) من تحرير للمناطق من براثن المجموعات الإرهابية وشقيقاتها بداية 2013، حينما فتحت تركيا حدودها لتدخل هذه المجموعات الإجرامية مدينة سري كانيه المعربة إلى "رأس العين"، تلك المدينة التي كانت تخرج كل أسبوع للتظاهر ضد النظام، والتي عاثت فيها تلك الفصائل الإرهابية "المعارضة" قتلا وتهجيرا ونهبا، إلى حين هُزمت من قبل (وحدات حماية الشعب) وطردها من المدينة. وتلك كانت البداية الحقيقية لتحرير بقية المناطق المحتلة من تلك الجماعات، ووصولا إلى الحرب الكبرى ضد "داعش" الذي كان يحتل العديد من مناطق الجزيرة السورية، والذي قامت قوات سوريا الديمقراطية بطرده من الجزيرة والرقة ونصف محافظة دير الزور أيضا. وفي بداية الحرب على "داعش" وقبلها المجموعات الإجرامية المرتبطة بتركيا، كان العديد من المثقفين السوريين يشتكون من أن الكرد "مناطقيون"، لأنهم يحاربون فقط في مناطقهم ويحررونها، وأن المطلوب هو "التفكير الوطني السوري" والمشاركة في محاربة "داعش" في كل مكان ومنعه من التمدد على حساب الثورة. ولكن بعد طرد الإرهابيين، والتوجه إلى "الرقة" و"دير الزور"، بدأ هؤلاء يتحدثون عن "احتلال كردي للمناطق العربية!".

كان حريا بالكاتب أن يقدر الدور الكبير لقوات سوريا الديمقراطية في تحرير مناطق شاسعة عجزت عنها دول، وهو مكسب للعالم عموما وللسوريين خصوصا، وهو ما قاله اثنين من المسوولين الأمريكيين من أن "منبج" التي حررتها وحدات حماية الشعب تم التخطيط فيها للعمليات الإرهابية التي طالت العديد من عواصم الدول الأوروبية. ولو كلف الكاتب نفسه، ولو قليلا، وطالع الصحف الغربية لعرف مقدار ما يحمله العالم من عرفان وشكر للكرد وحلفاءهم لدورهم الكبير، بل العظيم، في دحر "داعش". ولولا دور هذه القوات وانضباطها، لما استمرت امريكا في تحالفها رغم كل ما فعلته تركيا وكل ما عرضته وكل ما قامت به مكاتب العلاقات العامة في أمريكا لصالح تركيا. ولولا ذلك الدور والتقدير، لما ضج العالم بقرار سحب القوات الأمريكية، ولما استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس والمبعوث الأمريكي في التحالف الدولي بريت مكغورك، ولما اضطر الرئيس دونالد ترامب لتغيير قراره، ولما خرج وزير الخارجية مايك بومبيو محذرا من مخاطر قتل الكرد على يد القوات التركية، ولما قال جون بولتون إنهم لن ينسحبوا إلا بعد أن يضمنوا حماية الكرد، ولما ناقش "البنتاغون" ترك الأسلحة بيد قوات سوريا الديمقراطية التي تقف الآن على مشارف تحرير بلدة "هجين" آخر معاقل الدواعش. ولما اتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لبحث سبل حماية الكرد من الهجوم العسكري التركي المدعوم بمرتزقة الجماعات الإرهابية التي جاءت بهم تركيا بعد مقايضات معروفة أمرتهم على أثرها بالانسحاب من أمام قوات النظام في حلب وريف دمشق وغيرها من المناطق والتحول لأدوات لمحاربة الكرد، ولما قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية التابعة للبرلمان الألماني رودريش كيسفيتر، إنه يتوجب إنشاء منطقة حظر جوي برعاية الأمم المتحدة في سوريا لحماية الكرد رغم العلاقات الوثيقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وتركيا.

الكرد السوريون ليست لديهم أوهام، بل برامج واقعية تتمثل في حل القضية الكردية ضمن الحدود السورية الرسمية من خلال "خارطة طريق" تضمن دمقرطة النظام، وإن لم يكن ممكنا، فحل على طريقة "سلام وستفاليا" الذي قال عنه هنري كيسنجر في كتابه الأخير (النظام العالمي) إنه "جاء عاكسا لنوع من استيعاب الواقع، لا بوصفه تبصرا أخلاقيا فريدا"، وخاصة بعدما تحول من وصفوا أنفسهم بالمعارضة إلى أطراف تكاد تشعر أنهم يسابقون النظام في كراهيتهم للكرد وللعديد من المكونات القومية والدينية السورية.

خلاصة الكلام: لا أحد يستطيع أن يصادر الأحلام، أما في الواقع العملي الحالي، فالكرد السوريين وحلفاءهم العرب والسريان في مناطق الشمال الشرقي، يرون الحل والأمن والأمان في وحدتهم الداخلية وتعاونهم ودفاعهم معا عن أرضهم، ورفض الاحتلال التركي ومرتزقته المأجورين الذين باعوا أرضهم وكرامتهم وعادوا أهلهم لصالح الغريب، ومن ثم في حوار وطني شامل تشارك فيه كل الأطراف، بغية الوصول لحل نهائي وبناء سوريا جديدة للجميع بدون وصاية أحد، أو فرض سلطة فكر أو شريحة وإقصاء البقية كما حدث في الماضي.


نواف خليل


تعقيب الزميل عمر قدور
:

نعم، إنهم أكرادنا

قبل التعقيب على بعض ما ورد في ردّ السيد نواف خليل على مقالي "أكرادنا في متاهتهم" يتوجب توضيح أننا لسنا في الجهة ذاتها، لا لأننا ننقسم بين عرب وأكراد، وإنما أيضاً لأن كاتب هذه السطور ينطلق من موقعه المستقل بينما السيد نواف خليل سبق له أن شغل حتى وقت قريب منصب الناطق الرسمي باسم حزب الاتحاد الديموقراطي في أوروبا، الحزب الذي تتبع له الميليشيات الكردية المسيطرة في سوريا. في أثناء عمله كناطق باسم تلك الميليشيات اعتاد السيد نواف الدفاع عنها في الصحف والتلفزيونات، ويبدو أنه اعتاد إلقاء التهم على الذين يخالفونها الرأي، وهكذا سهل عليه اتهام كاتب هذه السطور بأنه "حاقد شوفيني وعنصري تجاه الشعب الكردي المظلوم"!

لم يكلّف السيد نواف نفسه عناء التوقف عند كلمة أكرادنا في العنوان، حيث يدل الضمير "نا" فيها أقلّه على التحبب وفي كل الأحوال على عدم اعتبار أكراد سوريا بمثابة الآخر الغريب الذي يمكن الشماتة به. ولو كلّف خاطره أكثر لتوقف عند ثلاث استطرادات في المقال نفسه تحمّل الميليشيات العربية مسؤولية مماثلة عن العلاقة العربية-الكردية المتدهورة، ولكان انتبه مثلاً إلى عبارة تشير إلى "الانتهاكات اليومية التي تمارسها الفصائل المدعومة من أنقرة" في عفرين، فضلاً عن أن الحديث عن متاهة الأكراد وتيههم يقترن في نهاية المقال بمتاهة نظرائهم العرب وتيههم أيضاً.

في مقابلات عديدة للسيد نواف يدافع عن الإدارة الذاتية، وهذا حقه وواجبه الحزبي، مستخدماً تسمية "روجافا"، وهي تسمية كردية تُطلق على مناطق حكم الإدارة الذاتية كلها، بما فيها منبج والرقة وتل أبيض حيث تقطن غالبية عربية ضخمة جداً، وإنه لمن المستغرب أن يحاول إقناعنا بأن عرب تلك المناطق قد اختاروا بملء إرادتهم الانضواء في تسمية كردية لمناطقهم. من هذا المدخل لن يكون مستغرباً أن ينكر السيد نواف موضوع تغيير أسماء بعض المدن والبلدات بعد سيطرة الميليشيات الكردية عليها، وهنا نذكر على سبيل المثال كيف بدأ ترويج اسم "مابوك" كاسم أصلي لمدينة منبج من دون أخذ رأي سكانها، وكيف تم إحياء اسم "تل أرفاد" وهو الاسم القديم لـ"تل رفعت" بعد السيطرة عليها ونزوح سكانها العرب، وأيضاً استخدام اسم "كري سبي" بدل "تل أبيض ذات الغالبية العربية. في عفرين نفسها مثلاً جرى تغيير اسم قرية "أناب" العربية بالكامل إلى "عنابكة" وفُرض على أبنائها التعلم باللغة الكردية، تماماً كما فرض حكم البعث على الأكراد التعلم باللغة العربية ومنعهم من التعلم بلغتهم.

السيد نواف يرأس أيضاً المركز الكردي للدراسات في ألمانيا، وفي موقع المركز نقرأ أنه عقد مؤخراً دورة تدريبية لحقوق الإنسان، ويجدر به مثلاً التوقف وعدم التسرع بتكذيب ما ورد في المقال عن تجنيد القاصرين الذي يتنافى مع حقوق الطفل، وهذا الانتهاك وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها نُشر في شهر آب الماضي، حيث تشير إلى 224 حالة تجنيد للقاصرات والقاصرين في عام 2017 وحده باستثناء الحالات التي لم يكشف عنها الأهالي. ولأن الشيء بالشيء يُذكر يجدر بالسيد خليل الاطلاع على تقرير المنظمة نفسها الصادر في شهر أيلول الماضي، وفيه توثّق اعتقال معارضين أكراد وإخفائهم ومنع ذويهم من الاتصال بهم، مع حرمانهم من إجراءات التقاضي المنصوص عليها في القانون الدولي.

هذه الانتهاكات من أية سلطة كفيلة بدفع السكان إلى طلب النجاة، ولا تعني أن الأكراد غير متمسكين بأرضهم كما يحلو للسيد نواف تأويله، وهو أمر ينطبق على عموم السوريين الذين غادروا إلى المنافي تحت ضغوطات مختلفة تبدأ بوحشية نظام الأسد، ولا تنتهي عند انتهاكات الفصائل المسيطرة على بعض المناطق، سواء كانت عربية أو كردية. ونفترض بأي صاحب رأي مستقل الانحياز إلى معاناة الأهالي ضد أية سلطة ترتكبها، بدل تجاهل الارتكابات وتصوير الواقع على غير ما هو عليه، ومن ذلك أن الفساد والرشاوى مستشرية على طرفي الحدود من أجل تسهيل عبور اللاجئين إلى إقليم كردستان العراق، وإذا شاء السيد خليل تقصي الأمر فسيعلم أن كلفة عبور الشخص الواحد تصل إلى ألف دولار أحياناً. وإذا شاء معرفة المزيد فإن سلطة الإدارة الذاتية في "كانتون عفرين" كانت تتقاضى رسم عبور من المسافرين الذين كانوا يضطرون لعبور مناطق سيطرتها للوصول إلى مدينة حلب، وهذه المعلومة ليست براءة ذمة للصوص الذين استولوا على المدينة بعد الغزو التركي ومارسوا انتهاكات أبشع بكثير.

من أجل قراءة دقيقة، لم يذكر كاتب هذه السطور أن كوباني خالية كما فهم السيد نواف، بل ذكر تصريحاً لقيادي من الإدارة الذاتية اقترح إبقاءها مدمرة للتدليل على وحشية داعش. وكدليل على أن كوباني ليست مهجورة بالمطلق نذكّره بقيام أحد أبناء المدينة قبل نحو ثلاث سنوات بإضرام النار في نفسه، واسمه فيصل مصطفى هجانو، وقصته انتشرت في الإعلام حينها. ملخص القصة أن الرجل أحرق نفسه احتجاجاً أمام مقر الإدارة الذاتية في كوباني، لأن ميليشياتها قد جندت ولديه قسراً، قبل أن تعمد إلى تجنيد ابنته القاصر في وحدات حماية المرأة، ومن ثم رفضت طلبه لقاء ابنته عدة مرات. أما حديثه عن 70 ألف مقاتل في صفوف الميليشيات ومن كافة المكونات فهذه نكتة تذكّر بنكتة "الجبهة الوطنية التقدمية" بقيادة البعث، إذ كنا نعلم جميعاً أن بقية الأحزاب بمثابة ديكور حول البعث، مثلما يعلم القاصي والداني الآن أن القرار في "قسد" هو لوحدات الحماية الكردية، هذا إذا تجاهلنا ما يؤكده أكراد سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي ومفاده أن القيادة الفعلية هي لجبال قنديل.  

نعم، إنهم أكرادنا عندما نرفض أن يتعرضوا للانتهاك من أية سلطة، حتى إذا كانت سلطة كردية، مثلما ندافع عن نظرائهم العرب سواء في وجه وحشية الأسد أو ارتكابات فصائل معارضة له. هذا الوجه الذي لا يريد أي حزبي رؤيته، لأنه يفضّل الاحتفاظ بالصورة النمطية عن العربي "العدو". للسيد نواف باع في ذلك، ففي موقعه "مركز الدراسات" يكتب عن "صورة الكردي عربياً" ثم بشكل منفصل عن "صورة العربي كردياً"، الطريف في الأمر أنه يذكر في صورة الكردي عربياً تلك النعوت المشينة التي يتداولها متطرفون عرب، بينما في صورة العربي كردياً يتناسى الشتائم المقابلة لدى المتطرفين الأكراد، والأهم أنه لا يريد أن يعثر في سوريا تحديداً على أي صوت له وجهة نظر موضوعية تجاه الأكراد.

رداً على اتهامات أوردها السيد نواف في مقاله، ومن موقع مستقل ووضوح غير قابل للتأويل: على صعيد السياسة سبق لكاتب هذه السطور أن قدّم نقداً للفكر القومي العروبي قبل الكردي، وللدولة المركزية التي أورثتنا الاستبداد، والإشارة في المقال إلى خريطة كردستان الكبرى اقترنت بالإشارة إلى خريطة فلسطين التي تمزقت قبل عقود قليلة، وصارت استعادتها في مصاف الأحلام. أما من حيث المبدأ فيرى كاتب هذه السطور للأكراد الحق كاملاً بموجب القوانين الدولية، بما في ذلك حق الانفصال أو الاستقلال، وهذه ليست منّة من أحد. وبالمثل ليس للأكراد الحق في التسلط على غيرهم ولا يُبنى المستقبل بمنطق الثأر، وقبل ذلك ليس لأية سلطة كردية الحق في التسلط على الأكراد بموجب القوانين الدولية ذاتها.


عمر قدور

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019