موجز تاريخ الإختناق من أميركا الى فلسطين

عزمي بشارة

الخميس 18/06/2020
فُتحت بعد مقتل جورج فلويد، في 25 أيار/ مايو 2020، أبواب الميادين على مصراعيها للاحتجاج على العنصرية ضد الأميركيين - الأفارقة بعد أن بثت وسائل الإعلام عملية القتل كاملة؛ إذ جَثَم شرطي على رقبة فلويد حوالى تسع دقائق حتى قضى خنقًا. وزوّدت حشرجته الأخيرة "لا أستطيع التنفس" المناهضين للعنف العنصري المنتشر في صفوف الأجهزة الأمنية بمجازٍ واستعارةٍ لغويةٍ يعبّران حرفيًا عن الشعور الدفين والتراكمي بالاختناق وشعارٍ يتصدّر المسيرات في الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول أوروبا الغربية.
يقدم رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات الدكتور عزمي بشارة في مقال مطول نشر على الموقع الالكتروني للمركز بعنوان: "ملاحظات في سياق انتفاضة حياة السود مهمة"، أربع ملاحظات عن الانتفاضة في الولايات المتحدة، يختتمها بملاحظة تحت عنوان "استدراك فلسطيني".
في ملاحظته الأولى بعنوان: "ملاحظة بشأن تاريخ العنصرية"، يقدم بشارة لمحة تاريخية عن العنصرية وتقاطعها مع الاستعمار والعبودية. وقد تفاعلت منذ نشأتها مع النزوع القديم إلى إضفاء صفاتٍ وراثية على الفوارق الطبقية بين العائلات الأرستقراطية وعامة الناس في الدول المستعمرة.
في ملاحظته الثانية بعنوان: "النضال ضد العنصرية"، يتابع بشارة النضال ضد العنصرية الذي تلاقى مع النضال الاستعمار في أنحاء العالم كافة، وضد أنواع أخرى من التمييز على أساس الهوية. ويضيء على تاريخ العنصرية في الولايات المتحدة، حيث ظل النضال ضد العنصرية منفصلًا مدة طويلة عن الكفاح لتوسيع حق الاقتراع ومساواة المرأة بالرجل، وغيرها من النضالات داخل المجتمع الأبيض قبل أن تلتقي هذه النضالات في إطار المواطنة، ومرّت بالنضالات الفريدة وأبرز شخصياتها القس مارتن لوثر كينغ، وصلاً إلى عهد دونالد ترامب، حيث قتل منذ عام 2017، حين وصل إلى البيت الأبيض حتى عام 2019، أكثر من 700 شخص من الأميركيين السود على أيدي الشرطة.
وفي ملاحظته الثالثة بعنوان: "ملاحظة بشأن الصواب السياسي"، يلاحظ بشارة أن غالبية المسيرات الاحتجاجية خارج الولايات المتحدة تجري في دول ديموقراطية، وأن دولاً أخرى استبدادية ملوثة بالعنصرية لا تشهد مثل هذه الحركات الاحتجاجية، أو لا تسمح بها، عدا عن أنها لا تعترف بوجود عنصرية فيها أصلاً. وبعض الأنظمة الاستبدادية التي تقتل من دون حساب، وتعذّب مواطنيه في السجون من دون رقابة أو وازعٍ قانوني، لا تتورّع عن استخدام الأحداث في الولايات المتحدة لتبيّن مرة أخرى ما تسميها "زيف ادعاءات الديموقراطية الغربية".
الملاحظة الرابعة، جاءت تحت عنوان "استدراك فلسطيني"، وفيها يكتب بشارة الآتي:
قُتِلَ جورج فلويد في مينابوليس في 25 أيار/ مايو 2020، وقُتِلَ الفلسطيني إياد الحلاق في 30 أيار/ مايو 2020 في القدس لمجرّد كونه فلسطينياً. ولم يكن ثمّة سبب لاعتقال الحلاق؛ إذ لم تكن هناك شكوى في حقه، بل اشتبه الجنود الإسرائيليون، وفق روايتهم، أنه يحمل مسدسًا، فتبين أنه لم يكن مسلحًا. وقد أطلقوا النار عليه، كما يبدو، وهو مستلقٍ على الأرض. قام بذلك جنود إسرائيليون في القدس العربية المحتلة، ولم تُثِر الجريمة رد فعل احتجاجي حقيقي، لا في فلسطين ولا في العالم. ومع أن السلطات الإسرائيلية اعترفت بأن ما جرى "خطأ مؤسف"، فإنه لم يُعتَقل شرطي أو جندي واحد، ولم يحاسب أحد على ذلك؛ فعنف أجهزة الأمن الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الذي يتجاوز عنف الشرطة الأميركية ضد المواطنين السود كمّا وكيفًا، أمر مُسلَّم به كونهم واقعين تحت الاحتلال وليسوا مواطنين فعلًا. وتاريخيًّا لم ينزل الاحتلال الإسرائيلي عقابًا حقيقيًّا بجنوده على قتل الفلسطينيين حتى إذا كان الفعل غير قانوني بموجب قوانينه هو، وذلك لكي لا يترددوا مستقبلًا في القتل حين يكون "ضروريًا" و"مشروعًا". فما هو "مشروع" يبرر ما هو "غير مشروع" في عرف الاحتلال. وهذا يعني أنه لا معنى لكلمات مثل "قانون" و"شرعية" في ظله.
من ناحية أخرى، قد يُطرح السؤال: متى يقدح ارتكاب السلطات للقتل شرارة الاحتجاجات ضدها؟ كان مقتل الطفل محمد الدرة في 30 أيلول/ سبتمبر 2000 قادحًا لتأجيج انتفاضة كاملة كانت عواملها مكتملة. ومن ثم، قد يستنتج البعض أن الفرق الحاسم هو أن الكاميرات وثقت عملية قتل الدرة كاملة، كما في حالة فلويد، في حين أنه في حالة إياد الحلاق لم يكن هناك من يصور الحدث. لا شك في تأثير التسجيل بالصوت والصورة، وقد كان وقْع مشهد مقتل الدرة في حضن والده صادمًا ومذهلًا فعلًا. لكن عناصر الانتفاضة الفلسطينية الثانية كانت مكتملة منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد، وتلاه استفزاز شارون باقتحام المسجد الأقصى. مثلما كان الاحتقان قائمًا في الولايات المتحدة بعد ثلاث سنوات من حكم ترامب وثلاثة أشهر من وباء كورونا. لقد جرى تصوير عملية مقتل أفارقة أميركيين آخرين على يد الشرطة وبثه من دون أن تطلق انتفاضة شعبية. وسابقًا أشعل مقتل ستة عمال فلسطينيين الانتفاضة الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 1987 لأن عواملها كانت قائمة. ولم يصور أحد مقتل العمال في حينه.
وكانت الانتفاضة موجهة ضد الاحتلال عمومًا وليس ضد عنف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فحسب. لم تكن الانتفاضة نضالًا مطلبيًّا. وهذا هو الفرق الرئيس بين مقتل إياد الحلاق وجورج فلويد. فشعب إياد الحلاق لا يريد الاندماج في إسرائيل، وليست لديه تطلعات لمواطنة كاملة في إسرائيل ديمقراطية، ومن ثمّ فهو ليس مصدومًا. إنه يريد رحيل أجهزة الأمن الإسرائيلية وليس تقليل عنفها المتجذّر بنيويًا في الاحتلال ذاته. ونضال الشعب الفلسطيني ضد عنف الشرطة الإسرائيلية ليس مطلبًا ضمن نضال من أجل تحقيق المساواة في دولة ديمقراطية، إنما يعتبر عنف الشرطة ومنظومة القضاء الإسرائيلي معها جزءًا من منظومة الاحتلال.
وحتى العرب الفلسطينيون داخل إسرائيل، أولئك الذين يطالبون بحقوق المواطنة الكاملة في نضالهم المطلبي، لا يريدونها مواطنة وطنية في إطار ثقافة إسرائيلية جامعة، فليس هناك من مطلب أن يكون رئيس أركان عربي أو طيار عربي في الجيش الإسرائيلي، على الرغم من أن بعض الأفراد قد يطمحون إلى ذلك، فالنضال برمته يتجه إلى تحقيق المواطنة في إطار التمايز الثقافي والوطني لسكان البلاد الأصليين، وليس الاندماج في دولة لا ترى نفسها دولة لمواطنيها، وتجسيدًا سياديًا لأمة مواطنية، بل تعبيرًا عن الشعب اليهودي، وتعرّف نفسها ليس فقط بوصفها دولة يهودية، بل أيضًا دولة اليهود (وكثيرون منهم ليسوا مواطنين).
ومع ذلك، يتوقع العرب في الداخل في إطار مطالبهم بالمساواة عنفًا أقل من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ويطالبون بالتحقيق في تجاوزاتها، ويقارنون أنفسهم بالمواطنين اليهود؛ كما يتوقعون مساواة أمام القضاء في إطار المواطنة. وهذا الفرق بينهم وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في السلوك السياسي والتوقعات ما زال قائمًا. ما زال سلوك الفلسطينيين السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة يتحدد بمشروع الدولة والاستقلال عن إسرائيل، وليس بمشروع المواطنة والمساواة فيها. أما إسرائيل نفسها فتريد الأرض ولا تريد السكان، وتنسف مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، وتقيم نظام فصل عنصري. وهكذا لا يحظى الفلسطينيون بمزايا الدولة المستقلة ولا بمزايا المواطنة المتساوية.
مع ذلك، كان من المفترض أن يثير مقتل إياد الحلاق بدم بارد رد فعل احتجاجيًا يندمج في النضال العالمي القائم حاليًا ضد العنصرية وينخرط فيه، فلا شك في وجود بعد عنصري في قتله. لقد قتل لأنه فلسطيني، ولو كان يهوديًا يحمل سلاحًا (وليس فقط يشتبه افتراءً في حمله) لما قتل. كان من المفترض أن يستدعي قتله من دون سبب الاحتجاج، إن لم يكن على مستوى المطالبة بالمساواة أمام أجهزة الأمن والقضاء الإسرائيلي، فعلى الأقل للمطالبة بزوال الاحتلال. لكن يبدو لي أن بوصلة الحركة الوطنية الفلسطينية تائهة في هذه المرحلة. أما في المجتمع الإسرائيلي فلا وجود لحركة حقوق مدنية حقيقية ذات قواعد اجتماعية ضد العنصرية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020