عون.. فراغ الرئاسة

ساطع نور الدين

الأربعاء 20/11/2019
المقابلة التلفزيونية كانت محيّرة أكثر مما كانت فاشلة أومستفزة. لم يتضح حتى الآن ما إذا الرئيس ميشال عون نسخة عن الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، او صورة عن الرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي، أو شبيهاً للرئيس المصري الاسبق حسني مبارك، أو مثالٌ للرئيس السوداني عمر حسن البشير. المقارنة كانت مشروعة، ولا تزال، وقد خرج منها الرئيس الليبي الاخير معمر القذافي الذي أسقطه جنون العظمة، والرئيس السوري الحالي بشار الاسد الذي بدا في مقابلاته التلفزيونية الاخيرة وكأنه قارب التسعين من العمر!

لكن المخرج المريح من هذا الجدل كان بالتسليم بأن الرئيس عون بات الآن يجمع في شخصه وسنه وموقعه وتجربته الرؤساء الأربعة الاوائل، ويكمل بمسيرته الراهنة ما بدأوه، مع العلم أن الأربعة فاقوه حكمة وحنكة وخبرة، قبل أن ينحرفوا نحو التوريث أو التسلط أو الفساد، ويدفعوا الثمن الباهظ، الذي لا تزال بلدانهم تحت وطأته.

وعدا عن الكلمة التي وردت في المقابلة عرضاً، واستفزت الرأي العام اللبناني بمجمله، وأخرجته إلى الشارع، عن خيارالهجرة الذي عرضه الرئيس عون على الشعب اللبناني، والذي يشبه إلى حد بعيد ما كان يردده القذافي والأسد تحديداً عندما كانا يخاطبان عموم الليبيين أو السوريين، فإن المقابلة التلفزيونية حفلت بما سبق لكل من بوتفليقة وبن علي ومبارك والبشير أن قالوه حرفياً في المتظاهرين المنادين بإسقاط النظام. فهم، حسب الرئيس اللبناني، أقلية صغيرة، تقطع الطرقات على أكثر من أربعة ملايين مواطن لبناني، وهي لا تتمتع بالمصداقية ولا بالنزاهة، ولا تعترف بأن السلطة لم تستخدم العنف ضدها، مع أنها قادرة عليه.. وهو ما يتعارض مع أداء الجيش وسلوكه، وقيادته التي لم يفتح حسابها بعد، كما أوحى عون نفسه.

لم يكن خيار الهجرة الذي طرحه عون صدفة، هو الأغرب أو الأقسى، لا سيما وأنه تزامن مع الإشارة إلى استعداده الشخصي لكي "يفلّ"، أي يترك الرئاسة، وهو إحتمال لم يكن يخطر جدياً في بال أحد حتى الآن، وما زال ينسب إلى أسلوب الرئيس العفوي والإنفعالي في الحديث، ويعتبر زلة لسان لا أكثر. وبالتالي، لن يأخذها أحد على محمل الجد، ولن يُبنى عليها أي موقف خاص في النصف الثاني من الولاية الرئاسية.. حتى من اولئك الذين رأوا في الرجل الظاهر على شاشة التلفزيون، ثمانينياً خانته في بعض الأحيان القدرة على النطق، وعلى التجاوب المباشر مع الاسئلة المطروحة.

والحال أنه لن يكون ربما من الأخلاقي ولا الإنساني، ولا حتى السياسي، أن تطرح الآن فكرة تنحي عون عن منصبه قبل مرور السنوات الثلاث المتبقية من عهده.. عدا عن أن الأمر يمكن أن يكون له مفعول عكسي على الرئيس، الذي قد يلجأ إلى المزيد من التصلب في خياراته السياسية الرديئة، وبينها خيار تحويل صهره جبران باسيل إلى نسخة مصغرة ومشوهة عنه، وعلى البلد الذي قد يقع كلياً في يدي حليفه حزب الله، ما يعرضه للمزيد من الصعوبات الاقتصادية والمالية.

وعليه يصبح الرهان الوحيد هو أن يلاحظ عون ما يجري في البلد فعلاً، ويتنبه إلى أين يقوده الآن، ويدرك أن الرصيد والإرث الذي كان يود أن يتركه من بعده، يتآكل بسرعة مذهلة هذه الأيام، ولن يبقى منه ما يكفي لإكمال السنوات الثلاث المقبلة، إذا كانت الخطوات الرئاسية المرتقبة تشبه الخطوات السابقة، أو تكررها. عندها لن يكون فراغ موقع الرئاسة الأولى مجرد إحساس عام يشعر به الشارع الآن، بل مؤشراً على ما يجب أن يفعله اللبنانيون بسرعة لكي يتفادوا الهلاك التام.   

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020